العاشر من محرم (( حينما انتصر الدم على السيف))

​بقلم: حسين شكران العقيلي
ماجستير فقه مقارن وقانون عام اسلامي
التاريخ: الخميس، 25 يونيو 2026م

​لم تكن واقعة كربلاء مجرد حادثةٍ عابرةٍ في سجل التاريخ، أو مجرد معركةٍ عسكريةٍ دارت رحاها في بقعةٍ من الأرض بين جيشين غير متكافئين عدداً وعدة؛ بل كانت زلزالاً أخلاقياً وفكرياً أعاد صياغة مفهوم المواجهة بين الحق والباطل. في ذلك اليوم، العاشر من محرم، تجسدت الإنسانية في أسمى صور التضحية، حينما وقف الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) ومعه ثلة من أهل بيته وأصحابه، ليجسدوا مشهداً لم يسبق له مثيل: انتصار الإرادة الحرة على جبروت السلطة، وتفوق القيم والمبادئ على قوة السلاح الغاشمة.
​لقد انطلق الإمام الحسين في نهضته من منطلق المسؤولية الشرعية والأخلاقية تجاه أمةٍ بدأت قيمها بالانحلال تحت وطأة الحكم الأموي الذي اتسم بالاستبداد والجور. لم يكن خروج الحسين طلباً لكرسي الحكم أو سعياً وراء مصلحة دنيوية زائلة، بل كان خروجاً إصلاحياً يهدف إلى ((طلب الإصلاح في أمة جده)) وهو ما صرح به بوضوح في وصيته الأخلاقية. كان يزيد بن معاوية يمثل في ذلك العصر السلطة التي تسعى لتدجين العقول، وتغيير السنن، وإخضاع المجتمع لمنطق القوة، بينما كان الحسين يمثل صوت الحق الذي يرفض الخنوع، والضمير اليقظ الذي يأبى أن يرى الظلم يستشري دون أن يقول (لا) .
​إن تحليل المشهد يوم عاشوراء يكشف عن عمق الفجوة بين معسكرين: معسكرٍ تقوده المصلحة الشخصية والطاعة العمياء للسلطة، ومعسكرٍ يقوده الوعي التام بقدسية المبدأ. لقد أدرك الإمام الحسين منذ البداية أن المواجهة عسكريةٌ خاسرةٌ في موازين الدنيا، لكنه كان يعلم بيقين العارف أن الدم المسفوك ظلماً في سبيل الله هو السلاح الأقوى في معركة الوعي. فحين يسقط الشهيد من أجل عقيدته، فإنه لا يرحل، بل تتحول روحه إلى شعلةٍ توقد ضمائر الأجيال المتعاقبة، وهذا هو جوهر الانتصار الذي حققه الحسين؛ فقد حوّل هزيمته العسكرية المادية إلى انتصارٍ أخلاقيٍ أبديٍ هز عروش الطغاة وأسقط شرعيتهم في أعين التاريخ.
​لقد كانت كربلاء مدرسةً في التحرر. ففي ذلك اليوم، كسر الإمام الحسين حاجز الخوف الذي طالما فرضته أنظمة الظلم على الشعوب.
لقد أثبت أن الإنسان، مهما كان وضعه، يمتلك القدرة على تغيير وجه التاريخ بمجرد اتخاذه قرار المواجهة الصادقة. لم تكن دماء الحسين ورفاقه مجرد خسارةٍ في الأرواح، بل كانت “تضحيةً استراتيجية” أيقظت الأمة من سباتها الطويل، ووضعت حداً لحالة الانصياع الكلي لجور يزيد واتباعه. لقد كانت تلك الوقفة بمثابة الخط الفاصل الذي يحفظ للأمة كرامتها، ويمنعها من الاندثار في وحل الانحراف.
​إننا حين نستحضر العاشر من محرم اليوم، فنحن لا نستحضر ذكرى حزينة فحسب، بل نستحضر فلسفةً قائمةً على الرفض القاطع لكل أشكال الاستبداد. إن قصة الحسين تعلمنا أن الحق لا يُنتزع إلا بالتضحية، وأن الباطل -مهما بلغت قوته وتسلح بأحدث الأسلحة- يبقى ضعيفاً أمام صاحب المبدأ الذي لا يساوم. لقد أثبت الحسين أن “الدم” الذي سال على رمال كربلاء كان أقوى من “السيف” الذي بيده قُطع، لأن الدم كان يمثل الحقيقة، والسيف كان يمثل الزيف، وفي صراع الحق والزيف، لا يمكن للزيف أن يطول بقاؤه.
​ختاماً، تظل واقعة كربلاء بؤرة ضوءٍ تنير دروب الأحرار في كل زمانٍ ومكان. إنها الدرس الذي يخبرنا بأن الانتصار الحقيقي ليس في عدد القتلى أو انتصار السيف، بل في الحفاظ على المبدأ وحماية المجتمع من الهيمنة والجور. ستظل كلمات الإمام الحسين (عليه السلام) تتردد في أرجاء الزمن كصرخةِ حقٍ أبديةٍ تتحدى كل أشكال الطغيان، مؤكدةً للعالم أجمع أن الطغاة يرحلون، وتبقى الكلمة الحرة والموقف الشجاع هما الباقيان ما بقي الدهر.