أحلامُ الشعب في تنور الفساد (حينما تُحرَقُ أرزاق الفقراء)

​بقلم: حسين شكران العقيلي
التاريخ: الخميس، 25 يونيو 2026م

​لم يعد الفساد في أروقة السلطة مجرد صفقاتٍ مشبوهةٍ تُبرم في الغرف المظلمة، أو أرقاماً خياليةً تُهدر في مشاريع وهمية، بل تحول إلى مشهدٍ بصريٍ صادمٍ يتجاوز حدود المعقول، ليقف المواطن مذهولاً أمام جريمةٍ مكتملة الأركان: مشهدُ حرق الأموال العامة في (التنور) . إن هذه الحادثة، التي نُقلت تفاصيلها عن أحد المسؤولين الفاسدين، ليست مجرد واقعة جنائية عابرة، بل هي رمزيةٌ قاتلةٌ تختزل مأساة وطنٍ بأكمله، حيث تتحول أحلام الفقراء، وخبزهم، وحقهم المشروع في العيش الكريم، إلى رمادٍ يتطاير في الهواء بفعل نزواتِ من أوكلت إليهم أمانة الحفاظ على قوت الشعب.
​إن استخدام (التنور) ذلك الرمز الشعبي الذي ارتبط في وجداننا بالدفء، والستر، وتوفير الرغيف – ليكون مقبرةً للمال العام، يعكس انفصاماً أخلاقياً خطيراً لدى الطبقة السياسية التي تحكم البلاد.
فحين تُحرقُ الأوراق النقدية بدمٍ باردٍ، فنحن لا نشهد إتلافاً لعملةٍ ورقيةٍ فحسب، بل نشهد إحراقاً لمستقبل أجيالٍ كاملةٍ كانت تنتظر تلك المبالغ لتُبنى بها مدارس، أو تُشيد بها مستشفيات، أو تُعبّد بها طرقاتٌ أنهكها الإهمال أو صيانة الكهرباء التي هي شبه معدومة . إن هذا الفعل يمثل أقصى درجات الاستخفاف بكرامة الإنسان، حيث يُحرقُ عرقُ الكادحين أمام أعينهم، بينما هم يبحثون في القمامة عن لقمةٍ تسد رمق أطفالهم، في تناقضٍ صارخٍ يصرخُ بظلمٍ لا يمكن تجاوزه.
​بالتحليل الموضوعي لهذا المشهد، نجد أن الفساد قد تجاوز مرحلة (الاختلاس) ليصبح (عقيدةً) قائمةً على الإلغاء والعدمية. المسؤول الذي يضع الأموال في التنور هو ذات المسؤول الذي يرى في ميزانية الدولة (مزرعة) خاصة، وفي الشعب مجرد أرقامٍ هامشيةٍ لا تستحق الحياة بكرامة.
إن حرق المال العام بهذا الأسلوب الهمجي يؤكد أن هذه الأموال لم تأتِ من جهدٍ حقيقي، بل جاءت من سلب ونهب حقوق الآخرين، ولأنها (مالٌ حرام) لم يجد الفاسد وسيلةً لإخفاء أدلته إلا النيران، ظناً منه أن الدخان سيخفي جرائمه، متناسياً أن رماد الظلم لا يلبث أن يرتد إلى وجه صاحبه.
​إننا أمام أزمةٍ تتجاوز القانون لتطال المفهوم الأخلاقي للدولة. فالدولة التي تُحرقُ فيها الأموال في المنازل الخاصة بينما تئنُّ الخزينة من الفقر، هي دولةٌ تحتاج إلى (ثورة وعي) تقتلع جذور هذا الورم السرطاني.
إن الفاسد الذي يمتلك الجرأة على حرق الملايين، هو نتاج نظامٍ سياسيٍ منح الحصانة للصوص، وأغلق أبواب المساءلة، مما جعل (التنور) ليس مجرد أداةٍ للطبخ، بل رمزاً لمحرقةِ طموحاتِ شعبٍ كان يحلم بوطنٍ يوزع ثرواته بالعدل، لا بوطنٍ يُحرقُ فيه حقه في التنور.
​ختاماً، إن مشهد حرق الأموال في التنور سيبقى علامةً فارقةً في تاريخ الفساد الإداري والسياسي، ووصمة عارٍ لا يمكن غسلها بالتبريرات الواهية. إن حقوق الشعب ليست أوراقاً قابلة للاحتراق، بل هي ديونٌ في رقابِ من سرقوها، وستظل صرخة الفقراء الذين رأوا قوتهم يُحرقُ في تلك النيران تلاحق الفاسدين في يقظتهم ومنامهم. لقد آن الأوان لكي يدرك الجميع أن التاريخ لا يرحم، وأن الرماد الذي خلفه ذلك التنور قد يكون هو ذاته البذرة التي ستحرق عروش الظالمين، وتعلن ميلاد حقبةٍ جديدةٍ يُصان فيها المال العام ويُحاسب فيها كل من تجرأ على العبث بأقوات الفقراء.