د. فاضل حسن شريف
عن تعريف الامام الحسين عليه السلام لهم بمنزلته الشرعية يقول السيد الحسني في كتابه: فقال عليه السلام: (أو لم يبلغكم ما قال رسول الله. لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة). جيم. دفعه لشبهة عدم سماعهم حديث رسول الله. فيه وفي أخيه الحسن علیهما السلام، فقال: (وإن كذبتموني فإن فيكم من لو سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري وأبا سعيد الخدري وسهل بن سعد الساعدي وزيد بن أرقم وأنس بن مالك، يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله. لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟). دال. وهنا أراد عليه السلام دفع شبهة الخروج الشرعي لقتاله، من خلال الاجتهادات المنحرفة التي وسمت تحرك الإمام الحسين عليه السلام بالخروج على الأمة ولذا: فإن كثيراً منهم زحفوا وهم يعتقدون تحصيل رضا الله والفوز بالجنة، أي إنهم خرجوا للجهاد الذي هو باب من أبواب الجنة. ومن هنا: أراد الإمام الحسين عليه السلام كشف هذه الشبهة العقائدية وإظهار بطلانها وضلالها فكيف لمن أراد الجنة أن يقدم على قتل سيد شباب أهل الجنة؟ إلا اللهم أن تكون هناك جنتان واحدة جاء بها القرآن الكريم ورسول الله. وهذه سيد شبابها الحسن والحسين علیهما السلام، والجنة الثانية جاء بها بنو أمية وأسيادها أبو سفيان وابنه وحفيده ومروان بن الحكم وولده. وهذه الجنّة لا يعرفها الله ورسوله. ولم يخلقها بل خلق: “لِلظَّالِمينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَ إِنْ يَسْتَغيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقا” (الكهف 29). ولذلك أراد شمر بن ذي الجوشن أن يذر الرماد في العيون كمحاولة فاشلة في صرف الأذهان عن هذه الكلمات التي جردت الجيش من أهم عناصر تجمعه إلا وهو العنصر العقائدي. فقال تعقيبا على كلام الإمام الحسين عليه السلام: (هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول). فرد عليه حبيب بن مظاهر الأسدي: (والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرف، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك). قال تعالى: “إِنَّ الَّذينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ قَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَ لِلْكافِرينَ عَذابٌ مُهين” (المجادلة 5). وقوله تعالى: “إِنَّ الَّذينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ” (المجادلة 20). وقوله عزوجل: “وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبيلِ الْمُؤْمِنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصيرا” (النساء 115). وقال سبحانه وتعالى: “ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ مَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَديدُ الْعِقاب” (الأنفال 13). ناهيك عن أن هذه الجموع التي أحاطت بابن بنت رسول الله. وأطفاله وإنزال الأذى والخوف والذعر بهم لاسيما أولئك الأطفال الذين أهالهم صوت الطبول وقرقعة السلاح وهم على تلك المنزلة الخاصة من رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم والقرابة القريبة منه لا شك أن ذلك قد آلمه. أشد الألم وآذاه أيما أذى. وقد قال تعالى في محكم التنزيل: “إِنَّ الَّذينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهينا” (الأحزاب 57).
جاء في تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: (شجر)”شجر بينهم” (النساء 64) اختلط بينهم، وقال أبو عبيدة: الشجر الأمر المختلف وتشاجر القوم: اختلفوا، وعن الأزهري”شجر بينهم” (النساء 64) إذا وقع خلاف بينهم، وعن ابن عرفة: سمي الشجر: لاختلاف بعضه في بعض وتداخله، و”الشجرة الملعونة في القرآن” (النساء 64) شجرة الزقوم ولعنت حيث لعن طاعموها من الكفار فوصفت بلعن أصحابها على المجاز، ويقال: بنو أمية “ونخوفه” (النساء 64) بمخاوف الدنيا والآخرة “فما يزيدهم إلا طغيانا” (النساء 64) و”شجرة الخلد” (طه 120) من أكل منها لا يموت و”شجرة مباركة ” (النور 35) النبي صلى الله عليه وآله، و”كشجرة طيبة ” (ابراهيم 24) كالنخلة والتين والرمان وكل شجرة مثمرة طيبة، وعن ابن عباس: شجرة في الجنة، وعن الباقر عليه السلام: الشجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وفرعها علي وعنصر الشجرة فاطمة وثمرتها أولادها وأغصانها وأوراقها شيعتها، و”كشجرة خبيثة ” (ابراهيم 26) كل شجر لا يطيب ثمرها كشجر الحنظل والكشوت وعن الباقر عليه السلام: بنو أمية، قال تعالى: “مثلا كلمة طيبة ” (ابراهيم 24) وهي كلمة التوحيد، وقيل: كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والاستغفار”مثلا كلمة طيبة ” (ابراهيم 24) وقال تعالى: “كلمة خبيثة ” (ابراهيم 26) كالشرك أو كل كلمة قبيحة “كشجرة خبيثة ” (ابراهيم 26) وقوله: “لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ” (الفتح 18) يقال: هي الثمرة وسميت البيعة بيعة الرضوان بهذه الآية حيث بايعوا النبي صلى الله عليه وآله بالحديبية وكان عددهم ألفا وخمسمائة أو ثلاثمائة.
جاء في کتاب الحسين عليه السلام في مواجهة الضلال الأموي وإحياء سيرة النبي صلّى الله عليه وآله وعلي عليه السلام للسيد سامي البدري: عن بنو اُميّة في حديث النبي صلى الله عليه وآله: قال تعالى: “وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْيَاناً كَبِيراً” (الاسراء 60). قال السيوطي: أخرج ابن جرير عن سهل بن سعد قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله بني فلان ينزون على منبره نزو القردة، فساءه ذلك، فما استجمع ضاحكاً حتّى مات، وأنزل الله: “وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ” (الاسراء 60). وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلى بن مرّة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (رأيت بني اُميّة على منابر الأرض، وسيتملكونكم فتجدونهم أرباب سوء). واهتم رسول الله صلى الله عليه وآله لذلك، فأنزل الله: “وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ” (الاسراء 60). وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر عن سعيد بن المسيب قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وآله بني اُميّة على المنابر فساءه ذلك، فأوحى الله: إنّما هي دنيا أعطوها. فقرَّت عينه، وهي قوله: “وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ” (الاسراء 60)، يعني بلاء للناس. وأخرج ابن مردويه عن عائشة رضياللهعنها أنّها قالت لمروان بن الحكم: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لأبيك وجدّك: (إنّكم الشجرة الملعونة في القرآن). وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضياللهعنهما أنّ النبي صلى الله عليه وآله قال: (رأيت ولد الحكم بن أبي العاص على المنابر كأنّهم القردة، وأنزل الله في ذلك “وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ” (الاسراء 60))، يعنى الحكم وولده.
الشيخ محمد البغدادي قائلا في كتابه مسلم بن عقيل عليه السلام: الأعظم والأجمل أن يوطّن المؤمن نفسه على مقاومة الباطل والصمود إلى جانب الحقّ إلى أن يُكتسحَ الطاغوت من جديد الأرض ويحلّ آل محمّد أصحاب الحقّ الشرعيوّن في زعامة الأمّة وسيادة أمرها بحكم حديث الغدير وحديث الدار وبحكم آية: “إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُون” (المائدة 55) وغيرها، وإن أدّى صموده إلى ما أدّى، ولم ترض الأمّة بالتضحية بجيل واحدٍ فخسرت خمسين جيلاً والقافلة مستمرّة. وأمّا سعادة الدنيا فليست مقتصرة على هذا الجانب ولعلّه يحصل على المال والملاذ ويخسر أموراً أخرى. إنّ بني أميّة ومن أسّس لهم ومن سار على دربهم قد فضحوا أنفسهم بما صدر عنهم من أفعال تنمّ عن طبيعة المبادئ التي تقوم عليها نفسياتهم وسياساتهم ودوافع حكمهم. وبنو أميّة بالخصوص قد حال يوم الطف بينهم وبين مرامهم واستمرار رغيد عيشهم إذ كشفت تلك الزمرة المنحرفة عن معتقدها ودخيلتها وواقع إيمانها بالله والمعاد وعن حقيقة المجتمع الذي تريد إقامته تحت ظلّ حكمها وعن الهدف الذي تبغيه من وراء هذا الحكم وإنّه يصبّ في مصلحة مَنْ؟ أعربت عن أنّها حكومة الظالمين والفراعنة، وأنّها لا تتقيّد بقانون دين ولا قانون عُرف وليس لها دوافع إنسانية، أو أخلاقية. أفقروا الأمّة وأكثروا النوائح في كلّ مكان وكلّ زمان، حتّى لعنتهم الأرض ومن عليها والسماء ومن يسبّح فيها بل لعنهم ربّ الأرض والسماء من أوّل أيّام الإسلام: “وَ ما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَ نُخَوِّفُهُمْ فَما يَزيدُهُمْ إِلاَّ طُغْياناً كَبيرا” (الاسراء 60). لِيُحَذّر المسلمين منهم وينذرهم إن تبعوهم أو ناصروهم وإذا بالأمّة خلفهم تطأ خطامهم وتسير على ضلالتهم فإلى أين أوصلوهم يا ترى؟ وعكسهم تماماً ذريّة رسول الله الذين ساروا على نهجه ومثّلوا القرآن والسنّة بسيرتهم وسريرتهم “اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ” (الانعام 124)، و “وَ سَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون” (الشعراء 227).