على أرصفة النسيان.. بوصلة لا تخطئ ومسارح تضج بالذهول.
بقلم / فاتن الحذيفي
ثمة قضايا في تاريخ البشرية لا تقبل القسمة على اثنين، ولا تخضع لقوانين المد والجزر الإعلامي؛ إنها القضايا التي وُلدت من رحم المعاناة واغتذت بدموع الثكالى ودماء الشهداء. وفي مقدمة هذه الطليعة تقف فلسطين؛ ليست كبقعة جغرافية تُحاصرها الأسلاك الشائكة، بل كفكرة عصية على الانكسار، وعقيدة وجدانية تسكن في سويداء القلوب العربية والإسلامية.
ومع ذلك، يعيش عالمنا المعاصر مفارقةً تدمي القلوب وتحيّر العقول. ففي الوقت الذي تنزف فيه الأرض المقدسة، وتئن عائلاتٌ تبحث تحت الركام عن رغيف خبزٍ يابس يسد رمق الطفولة المذبوحة، تتوجه أنظار العالم نحو مسارح الترفيه المصنوعة بدقة. تُشيد الملاعب المليارية، وتُفتح الساحات للمحافل التي تُضخ فيها ثرواتٌ فلكية، تحت غطاء الرياضة والسلام، بينما السلام الحقيقي يُذبح خلف جدران الفصل العنصري.
إنها المفارقة الصادمة لـ “سياسة تخدير الوعي”؛ حيث يُراد للشعوب أن تصفق للأهداف الوهمية على المستطيل الأخضر، بينما تُسجَّل في المرمى الإنساني أهدافٌ حقيقية من الموت والدمار والتشريد. يُنفق على قذف جلدٍ منفوخ بالهواء ما لو سُخر جزءٌ منه لإنقاذ أرواحٍ تقتات على الصبر والتراب، لغيّر وجه البسيطة. لكنها صناعة الإلهاء التي تسعى جاهدةً لتحويل القضية المحورية الأولى إلى مجرد “خبر هامش” في شريط الأنباء، يمر سريعاً بين لقطة هدفٍ حاسم وإعلانٍ تجاري باذخ.
وما يضاعف الغصة في الحناجر، هو ذلك المشهد السريالي للمحيط الذي كان يُفترض أن يكون سنداً وجداراً. يقف الوعي مذهولاً أمام العجز والجمود، وكأن الوجع بات مشهداً مألوفاً لا يحرك ساكناً، وكأن الدماء التي تجري في عروق القدس وغزة كفت عن أن تكون دماً عربياً طاهراً. هذا الخذلان الصامت ليس مجرد تراجع، بل هو شرخ وجداني عميق يُنذر بموت الضمير المشترك إن لم يُتدارك بالوعي والكلمة الحرة.
لكن، ورغم كل هذه التضليلات الممنهجة، ورغم محاولات طمس الهوية وإشغال الأجيال بفقاعات عابرة، يظل الرهان الحقيقي على الذاكرة التي لا تشيخ. إن القضية الفلسطينية تملك قوة ذاتية على الانبعاث من تحت الرماد؛ فكلما ظنوا أنهم أطفأوا جذوتها بريقاً في الملاعب أو صخباً في المحافل، أعادها طفلٌ بحجر، أو كاتبٌ بحرف، أو أمٌّ بترنيمة صمود، إلى صدارة المشهد.
لن ينجح “السيرك العالمي” في إنسائنا الجرح، ولن تطمس ملايين الدولارات المهدورة حقيقة الجوع والقهر. ستبقى فلسطين هي المقياس الأوحد لعروبتنا وإنسانيتنا، والبوصلة التي مهما انحرفت بفعل رياح المؤامرات، لا بد أن تعود لتشير إلى القدس؛ هناك حيث تلتقي الأرض بالسماء، وحيث تولد الحرية من رحم المعاناة.