إيهاب مقبل
بين حقول البطاطس في العراق وقاعات الجامعات في السويد، كتبت العراقية أمل أسود خضر قصة إنسانية ملهمة تختصر معنى الإرادة والإصرار على تحقيق الأحلام مهما كانت البدايات صعبة. فالطفلة التي اضطرتها ظروف الفقر إلى ترك المدرسة والعمل في سن مبكرة، أصبحت اليوم ممرضة متخصصة وحاصلة على درجة الماجستير في العلوم الطبية بعد سنوات طويلة من الكفاح والتحدي.
ولدت أمل في مدينة الموصل أواخر عام 1978 لعائلة عربية عراقية، وتعود جذورها إلى بلدتي بعشيقة وبحزاني. ولم تكن طفولتها سهلة؛ إذ فقدت والدها وهي في عامها الأول، لتتحمل والدتها وحدها مسؤولية إعالة الأسرة وتربية الأبناء في ظروف اقتصادية قاسية. وكانت الأم تعمل في أعمال شاقة لمساعدة البنّائين وتأمين احتياجات العائلة، بينما كان همّ الجميع ينحصر في توفير لقمة العيش ومتطلبات الحياة الأساسية.
حين أجبرها الفقر على ترك المدرسة
منذ طفولتها، أحبت أمل الدراسة وكانت تحلم بأن تصبح طبيبة، إلا أن الفقر كان أقوى من أحلام طفلة صغيرة. وعندما بلغت الثانية عشرة من عمرها تقريباً، اضطرت إلى ترك المدرسة لمساعدة أسرتها في العمل.
تروي أمل أنها كانت تشعر بالحزن وهي ترى الأطفال في مثل عمرها يتجهون إلى مدارسهم كل صباح، فيما كانت تذهب إلى الحقول. كانت تستيقظ قبل شروق الشمس في أيام الشتاء الباردة لجمع الزيتون، وتحمل أكياساً ثقيلة تزن نحو خمسة عشر كيلوغراماً لمسافات طويلة، كما شاركت في جني البطاطس وأعمال زراعية أخرى تحت أشعة الشمس ولساعات عمل مرهقة.
وتقول إن تلك السنوات القاسية لم تقتل حلمها بالتعليم، بل أبقته حياً في داخلها رغم كل الظروف.
السويد تعيد الحياة إلى حلم قديم
في مطلع عام 2008، وصلت أمل إلى السويد مع زوجها وأطفالها الثلاثة، وهي في التاسعة والعشرين من عمرها. وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياتها، بعدما شجعها زوجها على العودة إلى الدراسة وتحقيق حلمها المؤجل.
بدأت بتعلم اللغة السويدية ضمن برنامج تعليم المهاجرين، ثم واصلت استكمال تعليمها الأساسي والثانوي، وحصلت لاحقاً على شهادة مساعد تمريض. ولم يكن الأمر سهلاً بعد سنوات طويلة من الانقطاع عن الدراسة، لكنها كانت مصممة على تعويض كل ما فاتها.
أم وطالبة وعاملة في آن واحد
خلال سنوات الدراسة، كانت أمل تؤدي أدواراً متعددة في الوقت نفسه؛ فهي أم لثلاثة أطفال، وتعمل، وتتابع تعليمها الجامعي. ورغم التعب وضغوط الحياة اليومية، لم تتخلَّ عن هدفها.
وبفضل المثابرة والإصرار، تمكنت من الالتحاق بكلية التمريض والتخرج كممرضة، قبل أن تواصل رحلتها العلمية والمهنية نحو مراحل أكثر تقدماً.
من التمريض إلى الماجستير
لم تتوقف أمل عند حدود التخرج الجامعي، بل واصلت تطوير نفسها علمياً ومهنياً، فحصلت على تدريبات متخصصة في رعاية مرضى السكري والربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن، إيماناً منها بأن التعلم المستمر هو أساس تقديم رعاية صحية أفضل.
كما تابعت دراستها في جامعة كارولينسكا، إحدى أبرز الجامعات الطبية في العالم، حيث حصلت على شهادة الاختصاص في التمريض الصحي المجتمعي والعمل كممرضة منطقة، إلى جانب نيلها درجة الماجستير في العلوم الطبية بتخصص التمريض في العاشر من يونيو حزيران الجاري 2026.
وبذلك، تحولت الفتاة التي كانت تحمل أكياس البطاطس في الحقول العراقية إلى امرأة تحمل شهادة أكاديمية رفيعة وتؤدي دوراً مهماً في خدمة المجتمع السويدي.
رسالة أمل.. الأمل لا يموت
اليوم، تنظر أمل إلى رحلتها الطويلة باعتبارها رسالة أمل لكل من يعتقد أن ظروفه الحالية تحول بينه وبين تحقيق طموحاته. فهي تؤمن بأن الفقر والحروب والحرمان قد تؤخر الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تهزم الإرادة الصادقة أو تطفئ نور الحلم.
وتؤكد أن قصتها ليست مجرد نجاح شخصي، بل شهادة حية على قدرة الإنسان على إعادة بناء حياته مهما كانت البدايات قاسية ومؤلمة، وأن الأحلام المؤجلة يمكن أن تتحقق إذا اقترنت بالعزيمة والصبر والعمل الدؤوب.
وتقول إن أكثر ما تعلمته من رحلتها هو ألا يسمح الإنسان لظروفه الراهنة بأن ترسم حدود مستقبله، فالإيمان بالذات والإصرار على التغيير قادران على فتح أبواب لم يكن يتخيل يوماً أنها ستُفتح.
وهكذا، من العراق إلى السويد، ومن حمل أكياس البطاطس في الحقول إلى حمل شهادة الماجستير، تروي أمل أسود فصلاً إنسانياً ملهماً يؤكد أن الأحلام لا تعرف المستحيل، وأن الأمل، مهما طال الانتظار، لا يموت.
المراجع
من حقل البطاطس في العراق إلى ممرضة متخصصة، التلفزيون السويدي، 27 يونيو حزيران 2026
https://www.svt.se/nyheter/lokalt/skane/fran-potatisakern-i-irak-till-specialistsjukskoterska-i-akarp
حصلت على الماجستير في السويد رغم انقطاعها المبكر عن الدراسة في العراق، الكومبس، 16 يونيو حزيران 2026
https://alkompis.se/opinion/%D8%AD%D8%B5%D9%84%D8%AA-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AC%D8%B3%D8%AA%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%AF-%D8%B1%D8%BA%D9%85-%D8%A7%D9%86%D9%82%D8%B7%D8%A7
انتهى