حسن درباش العامري
بقلم الكاتب الناقد السياسي
حسن درباش العامري…
أعلن رئيس الوزراء العراقي عن فكرة إنشاء صندوق مشترك مع الولايات المتحدة يُزوَّد – بحسب ما تناقلته الأخبار – بمليوني برميل نفط يوميًا من النفط العراقي.
حسنًا… أول سؤال يتبادر إلى الذهن: ما هو هذا الصندوق أصلًا؟
هل هو صهريج نفطي عملاق يقف في مكان ما، يضع فيه كل طرف مليوني برميل يوميًا، فيصبح المجموع أربعة ملايين برميل؟ وبعدها ماذا؟ هل يأتي كل طرف ويفتح حنفية خاصة به ويأخذ ما يحتاجه للاستعمال اليومي؟ أم أن الأمر يشبه خزان ماء كبير يتقاسم الجميع مياهه؟
أم أن المقصود صندوق حديدي، لكل من العراق والولايات المتحدة مفتاح خاص به، تُودع فيه قيمة مليوني برميل يوميًا، ثم يسحب كل طرف ما يشاء من الأموال متى شاء؟
بصراحة، أعادتني الفكرة إلى زمن العراقيين قبل انتشار الثلاجات، عندما كان أهل المحلة يعملون “تشراك” على الذبيحة؛ يدفع كل واحد حصته، ثم تُقسَّم اللحوم بينهم في اليوم نفسه حتى لا تفسد.
فهل نحن أمام “تشراك” نفطي بنسخة حديثة؟
أم أن هناك آلية اقتصادية واستثمارية مختلفة لم تُشرح للرأي العام بالشكل الكافي؟
لكن إذا كان المقصود أن يُسلَّم النفط العراقي إلى جهة أخرى ضمن هذا الترتيب، فمن حق المواطن أن يتساءل بالمثل الشعبي المعروف: “هل يؤمن الهر إذا أودعته شحمة؟”
وهنا أصل إلى بيت القصيد، وهو رأي سياسي أطرحه للنقاش: إذا انتهى الأمر عمليًا إلى منح الولايات المتحدة نفطًا عراقيًا بهذه الصيغة، فإن ذلك قد يُفهم على أنه جعلها شريكًا مباشرًا في جزء من الثروة النفطية العراقية، وليس مجرد تعاون اقتصادي عابر.
ومن هذا المنطلق يبرز تساؤل آخر يطرحه كثيرون: هل الحملة الأخيرة على الفساد تهدف فقط إلى وقف سرقات الفاسدين، أم أن هناك من يعتقد أنها تمهد لإعادة توجيه هذه الموارد ضمن ترتيبات اقتصادية جديدة مع الولايات المتحدة؟
بل يذهب بعض المحللين إلى أبعد من ذلك، فيربطون الأمر بمحاولات الولايات المتحدة مواجهة تحدياتها الاقتصادية، أو حتى بتمويل التزاماتها الخارجية، ومنها ما يتعلق بدعم إسرائيل وإعادة إعمار ما دمرته الحروب. وهذه تبقى قراءات وتحليلات سياسية يتبناها أصحابها، وليست حقائق مثبتة.
في النهاية، المشكلة ليست في اسم “الصندوق”، بل في غياب الشرح الواضح. فكلما كانت المشاريع الكبرى غامضة، كثرت التأويلات، واتسعت مساحة السخرية.
وإذا أرادت الحكومة أن تطمئن العراقيين، فلتشرح لهم ببساطة: ما هو هذا الصندوق؟ وكيف سيعمل؟ ومن يملك قراره؟ وما الضمانات التي تكفل حماية ثروة العراق؟
فثروة الشعوب ليست موضوعًا يحتمل الغموض… ولا تكفي كلمة “صندوق” وحدها ليطمئن الناس إلى مصير ملايين البراميل من نفطهم.