مجتبى خامنئي يرث السلطة لا الشرعية

بقلم:‌ سعید عابد كاتب ومحلل إيراني
لم يكن انتقال السلطة بعد وفاة علي خامنئي مجرد إجراء داخلي في نظام ولاية الفقيه، بل لحظة كاشفة لأزمة أعمق مما حاول النظام إظهاره. فخلافة مجتبى خامنئي لم تمنح النظام صورة استقرار بقدر ما كشفت هشاشة بنيته، ونقص شرعيته، واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع.
تحاول الأنظمة السلطوية عادة تصوير انتقال القيادة بوصفه دليلاً على التماسك والاستمرارية. غير أن هذه اللحظات تكشف، في كثير من الأحيان، التصدعات التي ظلت مخفية خلف خطاب القوة. ويبدو أن صعود مجتبى خامنئي إلى موقع الولي الفقيه يندرج في هذا السياق: انتقال للسلطة، لا انتقال للشرعية.
ورغم حرص النظام على تسويق صورة الوحدة المؤسسية، فإن المعطيات المتداولة في الأوساط القريبة من السلطة تشير إلى أن هذا الانتقال لم يكن محل إجماع حقيقي. فبحسب روايات منسوبة إلى أعضاء في مجلس الخبراء، شارك 59 عضواً فقط من أصل 84 في التصويت الحاسم، فيما امتنع 15 من الحاضرين عن دعمه. وإذا صحت هذه الأرقام، فإن مجتبى خامنئي وصل إلى قمة السلطة بدعم لا يتجاوز عملياً نصف أعضاء المجلس، وهو ما يضعف صورة «الإجماع» التي حاول النظام تصديرها.
الأكثر دلالة أن بعض الأصوات المتشددة داخل النظام لم تدافع عن شرعيته انطلاقاً من المؤسسة أو القانون، بل تحدثت عن «اختيار إلهي». وهذا النوع من الخطاب لا يعكس قوة النظام، بل مأزقه؛ فعندما تصبح الشرعية القانونية والسياسية موضع شك، تلجأ الأنظمة إلى الغطاء الأيديولوجي والديني لتعويض ضعف المؤسسات.
وقد تكون أجواء الأزمة الإقليمية والحالة الأمنية المشددة قد ساعدت على تمرير خلافة كان يمكن، في ظروف طبيعية، أن تثير اعتراضات أوسع داخل بنية الحكم. فانتقال القيادة بصورة شبه وراثية داخل نظام يزعم أنه جمهورية ثورية يطرح تناقضاً صارخاً بين الخطاب الرسمي وواقع السلطة. لكن التهديدات الخارجية والتعبئة الأمنية أسهمت، على ما يبدو، في كبح صراعات داخلية لم تختفِ، بل بقيت كامنة تحت السطح.
الفرق بين 1989 واليوم
المقارنة بين صعود علي خامنئي إلى السلطة عام 1989 وصعود ابنه اليوم تكشف حجم المأزق. فقد ورث علي خامنئي القيادة بعدما كانت أزمات كبرى قد حُسمت لمصلحة النظام. أُقصي حسين علي منتظري من مسار الخلافة، وانتهت الحرب العراقية الإيرانية، وخلقت مجزرة عام 1988، التي أُعدم فيها أكثر من 30 ألف سجين سياسي، مناخاً من الخوف ضرب المعارضة المنظمة داخل البلاد. كما حظي خامنئي بدعم حاسم من أكبر هاشمي رفسنجاني وأجنحة مؤثرة في السلطة.
أما مجتبى خامنئي فلا يرث هذه الظروف. فهو يتسلم القيادة في لحظة لم تُحسم فيها الأزمات، بل ازدادت تعقيداً. شرعيته موضع تساؤل، والصراع بين الأجنحة لم ينته، والتحديات الإقليمية والدولية تضغط على النظام من أكثر من جهة. وما يتردد في وسائل إعلام مرتبطة بأجنحة مختلفة عن رقابة وخلافات داخلية يوحي بأن معركة الخلافة لم تُغلق، بل انتقلت إلى مرحلة أقل ظهوراً.
ويواجه الولي الفقيه الجديد أول اختبار كبير في العلاقة مع الولايات المتحدة والمواجهة الإقليمية الأوسع. فكل خيار أمامه مكلف: الاستمرار في النهج الحالي يعني مزيداً من العزلة والتدهور الاقتصادي والضغط الأمني، أما أي تسوية جدية فقد تصطدم بأجنحة أيديولوجية ترى في التراجع تهديداً لهوية النظام ولبقائه.
لكن التحدي الأعمق ليس خارجياً فقط. فإيران اليوم ليست إيران عام 1989. المجتمع تغير بفعل عقود من التضخم والبطالة وتراجع القدرة الشرائية وأزمات المياه واتساع الفجوة الطبقية. كما أن الانتفاضات المتعاقبة أظهرت أن قطاعات واسعة من الإيرانيين لم تعد تؤمن بإصلاح النظام من الداخل، بل باتت تميل إلى تغيير جذري.
هذا الواقع يحدّ من قدرة النظام على الاعتماد فقط على القمع. فالأجهزة الأمنية ما زالت قوية، لكنها لم تعد قادرة وحدها على ضمان الاستقرار في مجتمع أكثر اتصالاً، وأكثر خبرة سياسية، وأكثر استعداداً للتحدي. لذلك فإن مجتبى خامنئي يواجه ثلاث أزمات متداخلة: مواجهة خارجية مفتوحة، صراعاً داخلياً بين الأجنحة، وأزمة اجتماعية واقتصادية قابلة للاشتعال.
ولا يعني ذلك أن النظام على حافة انهيار فوري. فالأنظمة السلطوية قد تُظهر قدرة على البقاء أطول مما يتوقع خصومها، خصوصاً حين تمتلك أدوات قمع فعالة. لكن ما لا يمكن تجاهله أن الخلافة لم تحل أزمة القيادة، ولم تمنح النظام شرعية جديدة. لقد ورث مجتبى خامنئي السلطة، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كان قد ورث القدرة على الحكم.
بالنسبة إلى المعارضة الديمقراطية الإيرانية، فإن هذا الفارق بالغ الأهمية. فالانقسامات داخل النظام لا تنتج التغيير تلقائياً، لكنها تضعف قدرته على إدارة أزماته باستراتيجية موحدة، في وقت يتزامن فيه الغضب الاجتماعي مع استمرار المقاومة المنظمة وتآكل الثقة الشعبية بالسلطة.
بهذا المعنى، لم تكن خلافة مجتبى خامنئي حلاً لأزمة ولاية الفقيه، بل مرآة لها. فقد كشفت أن النظام الذي أراد تقديم انتقال السلطة كدليل على الاستمرارية يواجه سؤالاً أكثر خطورة: هل يستطيع قائد ضعيف الشرعية أن يضبط نظاماً مأزوماً، ومجتمعاً غاضباً، وصراعات داخلية لم تعد قابلة للإخفاء؟