كامل الدلفي
السلام عليك يا والدي:
(كاظم الشيخ عباس) أيها المعلّم الذي بصم حبَّ الحسين في قلبي.
كلُّ عاشوراء تعيدك إلى ذاكرتي نشيدًا عميقَ النبرة، يهزُّ أعماقي ويفتح بصيرتي على شاشةٍ بيضاء، تتلاقى عليها صورٌ تستدعيها عدسة الذاكرة. وما إن يبدأ الفيلم حتى أعود طفلًا في الخامسة من عمري.
أراك في دارنا الطينية في عرصات الصليخ، تستقبل الوافدين إلى مجلس عزاء أبي عبد الله الحسين. يجلسون على السجاد المفروش في ساحة الدار، بينما يدور الشباب بينهم يوزعون شربت النومي بصرة والماء البارد المهيل.
أما أنت، فتجلس على كرسي مغطى بقماش أسود يتوسط المجلس، وتفتتح القراءة بصوتك المهيب:
«أفلح من صلى على محمد وآل محمد…»
ثم تقول :
«ولا بأس بالثانية… وعلى حب الزهراء بأعلى أصواتكم.»
فيرتفع المجلس بالصلاة على محمد وآله، كأن الأصوات تمهّد الطريق لقدوم الحسين.
ثم تبدأ الرحلة الحسينية بلازمتك التي لا تزال ترن في أذني:
«صلى الله عليك يا مولاي وابن مولاي… مظلوم يا غريب… يا ليتنا كنا معكم فنفوز والله فوزًا عظيمًا.»
ومن الحديث تعبر إلى النعي، فإذا بالرجال الذين كنت أراهم جبالًا من الصلابة ينخرطون في البكاء. كنت، وأنا الطفل الصغير، أتساءل بدهشة: كيف يبكي الرجال؟
ثم كبرت، فعرفت أن للمصيبة من العظمة ما يجعل الدموع لغةً للعظماء، وأن كربلاء أكبر من أن تُروى بلا بكاء.
وحين تبلغ القراءة ذروتها، تهتف:
«ساعدوا الزهراء…»
فتبدأ اللطمية، وتردد لهم قصائدك التي ما زالت تسكن ذاكرتي؛ منها:
«عسن لا أهل ولا شفناه… هلالك يا شهر عاشور.»
و:
«إلي عتاب أنا وياك… سبع الكون أبو السجاد.»
وكان شعرك يكفي ليملأ ليالي العشرة كلها، قبل أن تختم المجلس بالدعاء وقراءة الفاتحة.
ولا يتوقف الفيلم عند ذلك.
يمتد إلى صباح العاشر من المحرم، يوم كنت تقرأ مقتل الإمام الحسين من نسخة الراوية أبي مخنف، فتغدو الكلمات مشاهد، والمشاهد جراحًا لا يطويها الزمن.
ويبقى شريط الذاكرة مفتوحًا، يمتد من أول مجلس وعيتُه سنة 1964 حتى آخر مجلس شهدته سنة 1981 في دارنا بالأورفلي، قبل عامين من رحيلك الأبدي سنة 1983.
وبين المشهدين، تدخل إلى الفيلم صورة أخرى لا تقل وجعًا.
أتذكر يوم رسمت القوات الحكومية على أبواب بيوتنا في عرصات الصليخ علامة (X) بالبوية الصفراء، إيذانًا بالترحيل لأن الأرض ليست طابو. لكن عدسة الذاكرة تعود أبعد من ذلك، إلى ما بعد انقلاب شباط الأسود سنة 1963، حين رسمت الجهة السياسية نفسها العلامة ذاتها على أبواب بيوتنا الطينية في الشاكرية ــ الخضراء حاليًا ــ معلنة أوامر النزوح.
لماذا أصرّت الذاكرة على ضمّ هذه الصورة إلى فيلم عاشوراء؟
لأنها رأت في العلامة الصفراء شبهًا بعيدًا برايات المأساة، ورأت في التهجير صدىً آخر للظلم، فأدركت، بطريقتها الخاصة، أن كربلاء ليست حادثةً مضت، بل معيارٌ تُقاس به المظلوميات.
وهكذا، كلما أقبل عاشوراء، عاد أبي، وعاد المجلس، وعادت الدموع، وعادت العلامة الصفراء على الأبواب، لأوقن من جديد أن مقولة «كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء» ليست شعارًا يُردد، بل تجربةٌ عاشتها الذاكرة، وكتبتها الحياة.