كامل الدلفي
يتحرك أصحاب الضمائر الحية وهم يرون الأرقام الهائلة للأموال العراقية المنهوبة على أيدي سُرّاق المال العام الذين أطاحت بهم “صولة الفجر”. ويقف هؤلاء مذهولين أمام الجرأة اللافتة التي يتحلى بها هؤلاء اللصوص، ولا سيما ما يبدو عليهم من قوة أعصاب تجعلهم لا يبالون بالقانون ولا يخشون عواقبه، على الرغم من أن العراق يمتلك أجهزة أمنية متعددة ومتقدمة.
فما الذي يولِّد في نفوسهم هذا القدر من اللامبالاة؟
أهي الشكلية التي باتت تطبع الثقافة الدينية السائدة، والتي لم تعد، في كثير من الأحيان، تشكل رادعًا حقيقيًا يحول بين الإنسان وبين الباطل والحرام؟ أم هو تراجع التربية المجتمعية وتآكل بنيتها أمام موجات العولمة التي أضعفت منظومة القيم؟ أم هو انحسار الحس الوطني الذي كان يمثل مناعة أخلاقية تمنع الإنسان من التطاول على المقدسات الوطنية والثروات العامة؟
أم أن الفقه الشرعي لم يؤدِّ دوره كاملًا في إنتاج اجتهادات وأحكام حاسمة تتناول قضايا الدولة الوطنية، مثل العمالة للأجنبي، والإساءة إلى الوطن، ونهب الثروات الوطنية، وتقديم مصالح الغرباء على مصالح أبناء الوطن، وسرقة المال العام، قليلِه وكثيرِه؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفًا فكريًا، بل هي محاولة للبحث في الجذور العميقة لظاهرة الفساد، التي غالبًا ما تنشأ من تفاعل عدة عوامل؛ منها ضعف الردع القانوني، وتراجع المنظومة الأخلاقية، وخلل التربية، وغياب القدوة، وأحيانًا البيئة السياسية التي توفر الحماية للفاسدين.
وعليه، فإن الاقتصار على المعالجة الأمنية والقضائية، على أهميتها، لا يكفي ما لم يُستكمل ببناء منظومة أخلاقية ووطنية وقانونية تعيد للمال العام حرمته، وللوطن مكانته في ضمير المواطن.