الطيور على أشكالها تقع

نظام مير محمدي *

كلما اندلعت انتفاضة في إيران، وتعالت أصوات المطالبين بإسقاط الدكتاتورية الدينية، عادت إلى الواجهة محاولات لإحياء بقايا نظام الشاه وتقديمها بوصفها البديل السياسي للنظام القائم. ولم يعد هذا المشهد مجرد تزامن، بل أصبح نمطاً متكرراً كلما اشتدت الضغوط على نظام الملالي واتسعت دائرة الاحتجاجات الشعبية.
هذه الظاهرة تكشف تقاطع مصالح بين طرفين يبدوان متخاصمين، لكنهما يلتقيان عند هدف واحد: الحيلولة دون بروز البديل الحقيقي الذي يمثله الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة. فالنظام يعلم أن الخطر الفعلي لا يأتي من ملكية لفظها الإيرانيون قبل عقود، بل من حركة سياسية تمتلك مشروعاً واضحاً وتنظيماً راسخاً وحضوراً متنامياً في الداخل والخارج. لذلك يجد في تضخيم دور أنصار الشاه وسيلة لتشويه حقيقة الصراع وخلط الأوراق وصرف الأنظار عن القوة القادرة على إحداث التغيير.
ومن هذا المنطلق، فإن ما جرى بشأن تظاهرة العشرين من يونيو في باريس لم يكن حدثاً معزولاً، بل شكل مؤشراً كاشفاً على هذا التلاقي المشبوه. فالتظاهرة، التي كان من المنتظر أن يشارك فيها أكثر من مئة ألف إيراني، جسدت رفضاً صريحاً للدكتاتوريتين، الدينية والملكية، وأكدت أن الإيرانيين لا يسعون إلى استبدال استبداد بآخر، وإنما إلى إقامة دولة ديمقراطية تقوم على الحرية والسيادة الشعبية.
ورغم محاولة تبرير منع التظاهرة بدواعٍ أمنية، فإن قرار المحكمة الإدارية في باريس كشف هشاشة تلك المبررات، وأشار إلى وجود تهديدات مصدرها النظام الإيراني وأنصار الشاه على حد سواء. وهذه المفارقة تكفي لإيضاح طبيعة العلاقة بين الطرفين؛ فحين تكون المقاومة الديمقراطية هي المستهدفة، تتقاطع مصالحهما مهما اختلفت الشعارات.
وزاد الحكم القضائي الصورة وضوحاً عندما أشار إلى معلومات تتعلق بتحركات وخطابات تحريضية لأنصار الشاه، وإلى ظهور رموز مرتبطة بجهاز “السافاك” في فعاليات سابقة بأوروبا. وعند وضع هذه المعطيات في سياقها السياسي، يتبين أنها ليست أحداثاً منفصلة، بل حلقات في مسعى واحد يهدف إلى إضعاف المقاومة الإيرانية وتشويه صورة البديل الديمقراطي أمام الرأي العام.
وفي المقابل، فإن محاولات التضليل التي يمارسها النظام لا تقتصر على الساحة الأوروبية عبر تفعيل أدواته وحلفائه الموضوعيين، بل تمتد إلى عمقه الإقليمي محاولاً التغطية على أزماته المستعصية؛ وما الخطط والترتيبات المسربة لما بعد غياب خامنئي، عبر محاولة استغلال الساحة العراقية والترتيب لطواف جنازته في المدن المقدسة مثل النجف وكربلاء، إلا دليل على مدى استنفاد النظام لأوراقه. يأتي هذا في وقت يغلي فيه الشارع العراقي ضد منظومة الفساد والخراب التي يعتبر نظام خامنئي وميليشياته الممول والراعي الأول لها. إنها محاولات يائسة لإنعاش هيبة متهاوية، تتكامل موضوعياً مع تحركات أيتام الشاه لحرف الأنظار عن البديل الوطني القادر على اجتثاث الاستبداد من جذوره.
لقد فضحت أحداث باريس حقيقة العلاقة بين نظام الملالي وأيتام الشاه؛ فعداؤهما المشترك ليس موجهاً ضد بعضهما بقدر ما هو موجه ضد مشروع التغيير الديمقراطي. فالنظام يرى في المقاومة تهديداً وجودياً لبقائه، بينما يدرك أنصار الملكية أن نجاح هذا المشروع يبدد أوهام العودة إلى الماضي.
وهكذا تثبت الوقائع، مرة أخرى، أن الطيور على أشكالها تقع. فعندما يتعلق الأمر بإجهاض إرادة الشعب الإيراني، تسقط الأقنعة وتتقاطع المصالح، ويبقى الرهان الحقيقي على شعب إيران ومقاومته المنظمة في بناء جمهورية ديمقراطية، مسالمة، وغير نووية.

*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني