زكريا نمر
لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كان اليسار العربي والإفريقي قد تراجع، فهذه حقيقة تؤكدها الوقائع السياسية خلال العقود الأخيرة، بل أصبح السؤال الأكثر أهمية هو لماذا انتهى مشروع حمل وعودا كبرى بالعدالة الاجتماعية والتحرر الوطني والمساواة إلى حالة من الانكماش والتهميش؟ وكيف تحول خطاب كان يقدم نفسه باعتباره أفقا تاريخيا لتحرير الإنسان إلى تيار سياسي يعيش على هامش الفعل السياسي في معظم الدول العربية والإفريقية؟
هناك حكاية قديمة تقول إن بحارا ظل سنوات طويلة يبحر مستعينا بنجمة واحدة. كانت تلك النجمة قد أوصلته مرات كثيرة إلى الميناء، فأصبحت بالنسبة إليه حقيقة لا تقبل الشك. لكن بعد سنوات تغيرت الرياح، وتبدلت التيارات، وظهرت موانئ جديدة، بينما بقي البحار ينظر إلى السماء بالطريقة نفسها. وكلما ضل الطريق، لم يشك في طريقته، بل اتهم البحر بالخيانة. ليست هذه الحكاية عن بحار، بل عن كل فكرة تتحول من منهج للبحث إلى عقيدة مغلقة. وعندما يحدث ذلك، يصبح الواقع هو المتهم دائما، بينما تظل النظرية بمنأى عن النقد.هذا، في جانب كبير منه، ما حدث لليسار العربي والإفريقي. لم يعد السؤال اليوم: لماذا تراجع اليسار؟ فالتراجع حقيقة سياسية لا تحتاج إلى إثبات. السؤال الحقيقي هو: لماذا عجز مشروع قدم نفسه باعتباره مشروع العدالة والحرية والتحرر عن إنتاج مجتمع جديد، بينما نجحت مشاريع أخرى، رغم تناقضاتها، في احتلال المجال السياسي والاجتماعي الذي تركه؟ الجواب الأسهل هو اتهام الاستبداد، والإمبريالية، والرأسمالية، والمؤامرات الخارجية. ولا شك أن هذه العوامل لعبت دورا مهما. لكن الاقتصار عليها يحول النقد إلى خطاب تبريري. فكل مشروع فكري جاد يبدأ بنقد ذاته قبل نقد خصومه. أما المشروع الذي يفسر كل إخفاقاته بعوامل خارجية، فإنه يتحول تدريجيا إلى أيديولوجيا تعيش على تبرير الفشل أكثر مما تعيش على إنتاج الحلول.
لقد وقع اليسار العربي والإفريقي في خطأ فلسفي عميق إذ تعامل مع الماركسية بوصفها إجابات جاهزة، لا بوصفها منهجا لتحليل الواقع. وبينما كان ماركس يغير استنتاجاته كلما تغير الواقع، تعامل كثير من أتباعه مع نصوصه كما لو كانت نصوصا مقدسة. وهنا فقدت الماركسية أهم خصائصها: روحها النقدية. إن المشكلة لم تكن في ماركس، بل في الماركسيين. لقد كتب ماركس عن مجتمعات صناعية تشكلت فيها طبقة عاملة ضخمة، وكانت المصانع قلب الاقتصاد، وكانت البرجوازية هي القوة المهيمنة. أما في معظم الدول العربية والإفريقية، فلم يكن المصنع هو مركز الحياة الاجتماعية، بل كانت القبيلة، والطائفة، والعائلة، والإثنية، والدين، والريف، أكثر حضورا وتأثيرا من الطبقة الاقتصادية.ومع ذلك، حاول كثير من اليساريين تفسير هذه المجتمعات بالأدوات نفسها التي فسرت أوروبا في القرن التاسع عشر. وبدلا من تعديل النظرية لتستوعب الواقع، جرى تعديل قراءة الواقع حتى ينسجم مع النظرية. وهكذا بدأت الهزيمة.
فالإنسان لا يتحرك بدافع الخبز وحده. إنه يتحرك أيضا بدافع الهوية، والذاكرة، والعقيدة، والانتماء، والخوف، والكرامة. وقد أثبتت الانتخابات، والثورات، والحروب الأهلية في السودان والعراق وإثيوبيا وغيرها أن الانتماءات الثقافية والدينية والإثنية كانت في كثير من الأحيان أقوى من الانتماء الطبقي الذي جعله اليسار مركز تفسيره للعالم.كان اليسار يتحدث عن العامل، بينما كان العامل يعرف نفسه باعتباره ابن قبيلة أو عضوا في جماعة دينية أو مواطنا ينتمي إلى إقليم مهمش. لذلك لم تكن المشكلة أن الجماهير لم تفهم اليسار، بل إن اليسار لم يفهم الجماهير.ثم وقع اليسار في خطأ آخر لا يقل خطورة. فبدلا من أن يكون حركة اجتماعية حية مرتبطة بالناس، تحول تدريجيا إلى ناد للمثقفين. أصبحت اللغة السياسية أكثر تعقيدا من الواقع نفسه، وغرقت التنظيمات في جدالات نظرية لا تنتهي، بينما كان المواطن العادي يبحث عن أبسط احتياجاته: وظيفة، تعليم جيد، علاج، وأمن. وعندما تصبح لغة الحزب أعقد من لغة المجتمع، فإنه يخسر المجتمع حتى لو امتلك أفضل النظريات. وهكذا انفصل اليسار عن القاعدة الاجتماعية التي كان يفترض أنه يمثلها، وتحول إلى خطاب يدور داخل النخب الجامعية والمراكز الثقافية، أكثر مما يدور في الأسواق والمصانع والقرى والأحياء المهمشة.وفي الوقت نفسه، كانت الدولة في معظم السياقات العربية والإفريقية تتشكل بطريقة جعلت الصراع السياسي يدور داخل جهاز الدولة نفسه، لا داخل المجتمع. لم تكن الدولة الحديثة قد اكتملت بوصفها مؤسسة محايدة، بل كانت في كثير من الأحيان امتدادا للنخب العسكرية أو البيروقراطية أو القبلية أو الريعية. وهنا أصبح الوصول إلى السلطة هو الهدف المركزي لكل المشاريع السياسية، بينما تراجع سؤال بناء المجتمع نفسه.
إن الدولة في هذه الواقع لم تكن دائما دولة مواطنة، بل دولة توزيع امتيازات. الريع النفطي في بعض الدول، والتحكم في الاقتصاد في دول أخرى، جعل الدولة أداة لإعادة توزيع الثروة بشكل سياسي لا اقتصادي. وهكذا لم يكن الصراع حول النموذج التنموي، بل حول من يسيطر على الموارد.في مثل هذا الواقع، لم يفشل اليسار وحده، بل تعثرت أيضا مشاريع أخرى: القومية العربية في السودان ومصر والعراق، والإسلام السياسي في أكثر من بلد، وحتى بعض التجارب الليبرالية. السبب لم يكن فقط في الأفكار، بل في طبيعة الدولة نفسها التي لم تتطور إلى مؤسسة مستقرة قادرة على احتضان أي مشروع فكري بشكل مستدام. إن مقارنة بسيطة مع جنوب إفريقيا بعد نهاية الفصل العنصري تكشف أن نجاح التحول السياسي النسبي لم يكن نتيجة أيديولوجيا واحدة، بل نتيجة بناء مؤسسات تدريجية استطاعت استيعاب التناقضات الاجتماعية. بينما في دول عربية وإفريقية كثيرة، كانت المؤسسات ضعيفة، والتغيير السياسي غالبا ما يعني استبدال نخب بأخرى، لا تغيير بنية الدولة نفسها.ومن جهة أخرى، لم يستطع اليسار أن يعيد صياغة علاقته بالدين بوصفه مكونا اجتماعيا وثقافيا عميقا. ففي كثير من الحالات جرى التعامل مع الدين باعتباره نقيضا للحداثة أو وعيا زائفا، بينما كان في الواقع أحد أهم مصادر المعنى والهوية والتكافل الاجتماعي. وبهذا فقد اليسار جزءا كبيرا من قدرته على التأثير في المجتمعات التي لا يمكن فهمها خارج البنية الدينية والثقافية.كما أن التنظيمات اليسارية نفسها عانت من مشكلة داخلية مزمنة، تمثلت في إعادة إنتاج القيادات نفسها لفترات طويلة، وضعف آليات التجديد الداخلي، وتحول بعض الأحزاب إلى هياكل مغلقة تدافع عن تاريخها أكثر مما تنتج مستقبلا. وفي الوقت الذي كانت فيه الرأسمالية العالمية تعيد تشكيل أدواتها وأسواقها وخطابها السياسي باستمرار، بقيت قطاعات واسعة من اليسار تكرر الأسئلة نفسها واللغة نفسها والمفاهيم نفسها. فإن تجارب مثل الصين وفيتنام لم تتعامل مع الماركسية كنص جامد، بل كأداة قابلة لإعادة التفسير. أعادت هذه الدول صياغة العلاقة بين الدولة والسوق، وبين الأيديولوجيا والتنمية، ونجحت في إنتاج نماذج اقتصادية أكثر مرونة. بينما ظل جزء من اليسار العربي والإفريقي أسيرا لقراءات تاريخية لا تتفاعل مع التحولات الجديدة مثل الاقتصاد الرقمي والعولمة والهويات الجديدة.
إن ما نراه في النهاية ليس فشل فكرة واحدة، بل أزمة علاقة بين الفكر والواقع. فالأفكار لا تفشل لأنها خاطئة دائما، بل لأنها تتوقف عن التطور. والمجتمعات لا تنهار لأنها بلا أفكار، بل لأنها تستهلك أفكارا لم تعد تعكس واقعها.ولهذا فإن السؤال هل فشل اليسار أم فشلت الدولة العربية والإفريقية؟ قد يكون سؤالا ناقصا في ذاته، لأن الفصل بين الطرفين يبدو اصطناعيا. فاليسار نشأ داخل دولة مأزومة، والدولة نفسها تشكلت في واقع تاريخي معقد من الاستعمار، والهشاشة المؤسسية، والاقتصاد الريعي، والانقسامات الاجتماعية العميقة.إن الأزمة في جوهرها ليست أزمة أيديولوجيا واحدة، بل أزمة بنية كاملة: بنية دولة لم تكتمل شروطها الحديثة، وبنية فكر سياسي لم ينجح في تجديد أدواته، وبنية مجتمع يتغير بسرعة أكبر من قدرة مؤسساته على الفهم والاستيعاب.لا يكافئ التاريخ أكثر الأفكار إخلاصا، ولا أكثر الدول ادعاء، بل يكافئ أكثرها قدرة على فهم الإنسان كما هو، لا كما تفترضه الكتب. فالدول لا تبنى بالشعارات، والأفكار لا تنتصر بالقداسة، وإنما بقدرتها المستمرة على التكيف، والمراجعة، وإعادة إنتاج نفسها في ضوء واقع متغير.