جديد

كسل المجتمع العراقي:(أسباب وتبعات)

جاسم الطليحي

                                  م.م. جاسم الطليحي – تدريسي في معهد الفنون الجميلة 

   تواجه المجتمعات العربية بشكل عام، والمجتمع العراقي بشكل خاص، تحديات بنيوية تعيق حركتها نحو التنمية والتقدم الحضاري، ومن بين هذه التحديات ما يمكن وصفه بـ”الخمول الاجتماعي الهيكلي” أو “كسل المجتمع”. هذه الظاهرة لا تشير إلى سمة جينية أو رغبة فردية في التقاعس، بل تعبّر عن حالة ركود جماعي وفقدان للدافعية نحو الابتكار والإنتاج.

   في العراق، يأخذ هذا الخمول أبعاداً معقدة نتيجة لتداخل تأثيرات الإرث السياسي والحروب المتلاحقة والتحولات الاقتصادية السريعة يسعى المقال إلى تفكيك ظاهرة كسل المجتمع العراقي، مقترحاً أن الخمول في المجتمع العراقي هو نتيجة حتمية للاقتصاد الريعي اولا، والصدمات النفسية والسياسية المتراكمة، وغياب تكافؤ الفرص، مما أدى إلى تطور نمط معيشي يعتمد على الاتكالية والاستهلاك بدلاً من الإنتاج والاعتماد على الذات.

   عند استعراض الجذور التاريخية والاجتماعية للخمول في العراق، تبرز أهمية أطروحة السوسيولوجيا العراقي الدكتور علي الوردي حول “صراع البداوة والحضارة” كأداة تفسيرية رئيسية، يرى الوردي أن الفرد العراقي يعيش في صراع دائم بين قيم البداوة التي تمجد الغزو والأنفة والابتعاد عن العمل اليدوي، وقيم الحضارة التي تتطلب استقراراً والتزاماً بالقانون والعمل المنظم، هذا الصراع أدى إلى ما أسماه الوردي بـ”ازدواجية الشخصية”، حيث يُطالب الفرد بالعدالة والتقدم والمدنية ظاهرياً، ولكنه يمارس في حياته اليومية نوعاً من الاتكالية البدوية التي تثقل الانضباط الوظيفي والإنتاج الفعلي ،هذا الإرث القيمي يفسر النظرة السلبية لبعض المهن الحرفية والإنتاجية وتفضيل الكسل والجلسات المريحة في المقاهي أو الوظائف المكتبية.

ذكرنا في مقدمة المقال ان السبب الأول هو الاقتصاد الريعي  أي رعاية او دولة الرعاية، حيث يشكل الاقتصاد الريعي القائم على النفط في العراق المحرك الأساسي لثقافة الخمول، عزز هذا الاقتصاد “القيم البدوية المستهلكة” التي تحدث عنها الوردي، تعتمد الدولة الريعية على توزيع عوائد النفط بدلاً من فرض الضرائب وتطوير القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعة، مما أسفر عن مفهوم مشوه للوظيفة الحكومية على أنها “ضمان اجتماعي مقنّع”، تتمثل بتلقي راتب مستدام مقابل جهد إنتاجي ضئيل أو حتى معدوم، حتى اننا نطالب بمقارنتنا بدول الخليج الذي يوزع عائدته النفطية على مواطنيه بصورة عادلة ،هذه العامل تؤدي إلى تقهقر قيم المبادرة الفردية والعمل الحر وهيمنة الخمول الوظيفي على مؤسسات الدولة، مما يعزز ثقافة “الانتظار والاتكال” على ريع الدولة في نهاية كل شهر.

   اما صدمات الحروب فهي ذات الأثر الأكبر في فقدان الجدوى، يعاني المجتمع العراقي مما يعرف بـ”صدمة المجتمع الممتدة”، نتاج عقود من الحروب والحصار الاقتصادي وفقدان الاستقرار الأمني، وفقاً لعلم النفس الاجتماعي ومفهوم “العجز المتعلم” لمارتن سليجمان، فإن العيش في بيئة غير مستقرة تعج بالعنف والفساد يؤدي إلى شعور بعدم جدوى التخطيط للمستقبل أو بذل جهود استثنائية، هذا الشعور دفع العديد من الشباب للعزوف عن العطاء الفكري والمهني، حيث أصبح الكسل رد فعل دفاعي أمام عدم القدرة على تغيير الواقع المحيط. حتى الطلاب ينشدون الفشل ويتحججون بمستقبل مظلم لم يظهر بعد، نتج عنه اما ان يؤجل الطالب امتحاناته المصيرية او بزيادة الدرجات، ذلك بسبب غياب المعايير والواسطة والمحسوبية.

   عند تطبيق “نظرية الأنومي” لإيميل دوركايم على الواقع العراقي نجد فجوة واسعة بين طموحات الشباب والوسائل المتاحة فعلياً لتحقيقها، نتيجة لتفشي “الواسطة” والمحسوبية والمحاصصة، يشعر الفرد بأن الكفاءة والجهد الأكاديمي لا يضمنان النجاح، هذا الاختلال يدفع الكفاءات إما للهجرة أو الاستسلام للخمول، نظراً لأن العمل والمجتمع لا يكافئان المجتهد، مما يحول الكسل الفردي إلى كسل مجتمعي مؤسسي.

   التكنلوجيا: شهد العراق بعد عام 2003 انفتاحاً تكنولوجياً واستهلاكياً مفاجئاً بعد سنوات من الحصار والانغلاق، دخلت وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية إلى مجتمع غير مهيأ لتوجيه التكنولوجيا نحو الإنتاج، باستخدام أطروحة “جان بودريار” حول “مجتمع الاستهلاك”، تحول الفرد العراقي والعربي بسرعة من مكافح لتوجيه التكنولوجيا إلى مستهلك شره لمحتوى رقمي سطحي الذي يسعى للحصول على الربح السريع والشهرة الافتراضية، مما ساهم في تعزيز خمول العقل والجسد وتقليل الاهتمام بالسعي التعليمي والمهني التقليدي.  

  ختاما، يظهر التحليل السوسيولوجي أن ظاهرة الكسل في المجتمعات العربية والعراقي ليست نتيجة عيب سلوكي متأصل، بل هي نتاج لأزمات بنيوية عميقة وجذور تاريخية معقدة لذا تجتمع أطروحات علي الوردي حول صراع البداوة والحضارة وازدواج الشخصية، مع السياسات الريعية والآثار النفسية للحروب، وانتشار المحسوبية، لتشكيل بيئة غير محفزة للإنتاج ومشجعة على الخمول التي انتجت التبعات والانعكاسات التالية:

  • تراجع قيمة العمل: أدى الخمول إلى تراجع مكانة “العمل اليدوي والمهني” في السلم الاجتماعي، لصالح الوظائف المكتبية المريحة.
  • تنامي الفقر والبطالة: غياب المشاريع التنموية والاعتماد على الاستيراد قلل من فرص العمل، مما تسبب في زيادة معدلات الفقر.
  • الاستهلاك المفرط: تحول المجتمع إلى مجتمع استهلاكي يعتمد على الإنفاق الريعي بدلاً من الإنتاج المحلي، مما يجعله عرضة للأزمات المالية والاقتصادية.
  • تصدع البناء القيمي: بحسب قراءات علم الاجتماع، أسفرت فترات الأزمات والبطالة عن انتشار مظاهر دخيلة مثل: الاستيلاء على المال العام تحت مسميات مختلفة، انتشار المحسوبيات، والتقاعس الوظيفي.

 لذلك يتطلب علاج هذا الركود المجتمعي في العراق مقترحات استراتيجية للمعالجة تتمثل بالخطوات التالية:

  1.  ضرورة وجود إرادة سياسية حقيقية لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط.
  2.  تحويل التكنولوجيا من أداة ترفيهية استهلاكية إلى منصة للتمكين والإنتاج لإنقاذ جيل كامل من فخ الإتكالية والكسل الهيكلي.   
  3.  الإصلاح الهيكلي والاقتصادي: تنويع مصادر الدخل القومي وتشجيع الاستثمار.
  4.  دعم القطاع الخاص: توفير بيئة عمل آمنة وتشريعات قانونية جاذبة تضمن حقوق العاملين في القطاع الخاص لتشجيع الشباب على العمل فيه.
  5.  إصلاح نظام التعليم والتدريب المهني: إعادة هيكلة المناهج وتوجيهها نحو المهارات التقنية الحديثة وسوق العمل.
  6.  إرساء ثقافة الإنتاج: تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية العمل وقيمته من خلال الإعلام المؤسسي والمناهج التربوية لتغيير النظرة الدونية للعمل الحر.

المراجع:

  1. النقيب، خلدون. (1987). المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية: منظور مختلف.
  2. الوردي، علي. (1965). دراسة في طبيعة المجتمع العراقي. بغداد: مطبعة العاني.
  3. بودريار، جان).1970) مجتمع الاستهلاك.
  4. دوركايم، إيميل. (1893) في تقسيم العمل الاجتماعي.
  5. سليجمان، مارتن. (1972). العجز المتعلم والاضطرابات السلوكية الهيكلية.