
إيهاب مقبل
في بلدٍ لا يقيم علاقات دبلوماسية مع ما يسمى «إسرائيل»، ولا تعترف حكومته بها، ويجرّم قانونه التطبيع معها، تظهر على شبكة الإنترنت جهة تستخدم اسم العراق في واحدة من أكثر العواصم ارتباطاً بالمشروع الإسرائيلي: «السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل».
لا توجد لهذه السفارة بناية في تل أبيب، ولا سفير عراقي معتمد لديها، ولا قرار من وزارة الخارجية العراقية بإنشائها، ولا تمثيل رسمي لها في بغداد. بل إن الموقع نفسه يقر بأنها مبادرة «مستقلة وغير حكومية» وليست سفارة رسمية ولا تمثل الحكومة العراقية.
لكن المفارقة أن غياب الصفة الرسمية لم يمنعها من استخدام مفردات الدبلوماسية، ولا من تقديم نفسها بوصفها منصة لفتح قنوات بين العراقيين والإسرائيليين، ولا من الدعوة إلى ما يسمى «دبلوماسية المسار الثاني»، ولا من الترويج للتعاون في مجالات الاقتصاد والعلوم والمياه والطاقة والتكنولوجيا والمجتمع المدني.
وهنا لا تعود القضية مجرد موقع إلكتروني. إنها قضية تطبيع خارج مؤسسات الدولة، ومحاولة محتملة لبناء شبكة علاقات داخل المجتمع العراقي تتجاوز موقف بغداد الرسمي والقانون العراقي.
والسؤال الذي يفرض نفسه منذ البداية ليس هل هذه سفارة عراقية؟ الإجابة واضحة: لا.
السؤال الأخطر هو لماذا يحتاج مشروع يعمل من الفضاء الإسرائيلي إلى استخدام اسم العراق، وبناء قنوات اتصال مع العراقيين، والدعوة إلى إدخالهم تدريجياً في فضاء العلاقات الإسرائيلية؟
«سفارة» بلا اعتراف ولا تفويض
الموقع الرسمي للمبادرة يعلن بوضوح أنها ليست سفارة حكومية، ولا تمثل العراق، وأنها مبادرة مدنية مستقلة. هذه العبارة تبدو للوهلة الأولى وكأنها تنزع عنها أي صفة رسمية.
لكنها في الوقت نفسه تكشف جوهر المشكلة. فالمشروع لا يحاول إقامة علاقة رسمية مع بغداد، وإنما يتحرك في مساحة مختلفة مثل المجتمع المدني، الأكاديميون، الباحثون، رجال الأعمال، الشباب، الخبراء والمنظمات.
أي إنه لا ينتظر قراراً من الدولة العراقية حتى يبدأ التواصل. وهذه هي النقطة التي تجعل المشروع أكثر حساسية من مجرد «سفارة افتراضية».
فالتطبيع أو التهويد الذي تفشل الحكومات في تمريره من الأعلى يمكن أن يحاول البعض بناءه من الأسفل، من خلال الجامعات، والندوات، والباحثين، والمشاريع الاقتصادية، والاتصالات الشخصية، ومنظمات المجتمع المدني.
إنها محاولة لتغيير البيئة التي ينظر فيها العراقي إلى الدولة اليهودية، قبل أن تتغير السياسة الرسمية للدولة.
وهنا يصبح استخدام اسم العراق في مشروع تطبيعي من خارج مؤسسات الدولة أمراً يستحق التوقف والمساءلة.
من «السلام» إلى التطبيع الناعم
اللغة التي تستخدمها المنصة تبدو ناعمة: سلام، حوار، تعاون، علاقات بين الشعوب، مياه، مناخ، علم، تكنولوجيا، اقتصاد.
لكن السياسة لا تُقاس دائماً بالكلمات التي تستخدمها المشاريع، وإنما بالنتائج التي تسعى إلى إنتاجها.
وعندما يكون أحد طرفي العلاقة الكيان الصهيوني، والطرف الآخر مجتمعاً عراقياً يعيش في ظل قانون يجرّم التطبيع، فإن الحديث عن بناء علاقات اقتصادية وعلمية وأكاديمية وشخصية لا يمكن فصله عن عملية تطبيع تدريجية.
فالتطبيع لا يبدأ بالضرورة من توقيع معاهدة. قد يبدأ من لقاء أكاديمي. ثم مؤتمر. ثم تعاون بحثي. ثم اتصال بين رجل أعمال عراقي وشركة إسرائيلية. ثم مشروع في المياه أو الزراعة. ثم شبكة من الباحثين والخبراء. ثم يصبح التواصل مع الإسرائيليين أمراً مألوفاً لدى مجموعة من النخب.
وعندها يكون الجزء الأصعب قد تحقق بالفعل، فقد تغيير مفهوم العلاقة قبل تغيير شكلها الرسمي.
وهذه تحديداً هي وظيفة ما يسمى «دبلوماسية المسار الثاني».
المسار الثاني عندما تتجاوز الدبلوماسية الدولة
تطرح المنصة المسار الثاني «Track II» باعتباره قناة للحوار غير الرسمي بين العراقيين والصهاينة.
لكن العراق ليس دولة بلا موقف أو ساحة مفتوحة لإعادة رسم علاقاتها الخارجية من خارج مؤسساتها. فهناك دولة ذات سيادة، وقانون نافذ، وسياسة خارجية معلنة، ومؤسسات دستورية يفترض أن تكون صاحبة القرار في تحديد طبيعة علاقات العراق الدولية. وإلى جانب الموقف الرسمي، هناك موقف شعبي وسياسي وديني وعشائري متجذر تجاه الكيان الصهيوني، تشكل عبر عقود من المواقف التاريخية والسياسية، ولا يمكن تجاوزه عبر قنوات غير رسمية أو مبادرات تقدم نفسها باعتبارها جسوراً للحوار بين الشعوب.
لكن المشكلة هنا أن «الدبلوماسية غير الرسمية» يمكن أن تتحول إلى وسيلة للالتفاف على القرار الوطني، عبر فتح مسار موازٍ للعلاقات التي يفترض أن تحددها الدولة ومؤسساتها.
وفي حالة ما يسمى «إسرائيل» تحديداً، تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن التطبيع معها ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر السياسية، وإنما موضوع حسمه المشرّع العراقي بقانون واضح.
ولهذا فإن أي مشروع يسعى إلى إدخال العراقيين في شبكات علاقات إسرائيلية يجب ألا يُعامل باعتباره مبادرة اجتماعية عابرة، بل باعتباره مساراً يستحق التدقيق السياسي والقانوني والأمني، خصوصاً عندما يعمل خارج القنوات الرسمية ويحاول بناء علاقات مستدامة داخل المجتمع العراقي.
القانون العراقي يقول شيئاً آخر
في عام 2022 أقر مجلس النواب العراقي قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني رقم 1 لسنة 2022، في خطوة تشريعية عكست بوضوح الموقف العراقي الرافض لإقامة علاقات مع تل أبيب. ولم يترك القانون مسألة التطبيع في إطار الموقف السياسي أو الأخلاقي، بل وضع لها إطاراً قانونياً وحدد صوراً من التعامل والتواصل والترويج والعلاقات التي تدخل في نطاق التجريم.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح. فبينما يضع المشرّع العراقي قيوداً قانونية صارمة على التطبيع مع الكيان الصهيوني، تعمل منصة تحمل اسم العراق على فتح قنوات للحوار والتواصل والتعاون بين عراقيين وإسرائيليين!
وقد يقول أصحاب المشروع إنهم لا يمثلون الحكومة العراقية، وإن المبادرة مستقلة وغير حكومية. لكن هذا التوصيف لا يحسم السؤال السياسي والقانوني الأهم، هل تستطيع مبادرة غير حكومية أن تفتح مسارات للعلاقة مع «إسرائيل» لا تستطيع الدولة العراقية نفسها فتحها في ظل موقفها القانوني والسياسي؟
وإذا كان الهدف المعلن للمشروع هو بناء علاقات عراقية–إسرائيلية، فهل نحن أمام شكل من أشكال التطبيع المدني الذي يسعى إلى بناء العلاقة من خارج المؤسسات الرسمية، ثم تحويلها تدريجياً إلى أمر واقع داخل المجتمع؟
إنها أسئلة لا يمكن حسمها بالشعارات، وإنما تحتاج إلى تدقيق قانوني ومؤسسي من الجهات العراقية المختصة.
من أين يأتي المال؟
لكن هناك سؤالاً آخر لا يقل أهمية عن طبيعة النشاط نفسه: من يمول المشروع؟
فالتمويل هو أحد المفاتيح الأساسية لفهم أي شبكة نفوذ. من يدفع تكاليف المنصة؟ من يمول الفعاليات والندوات والسفر والأبحاث والاتصالات الدولية؟ وما الجهات التي توفر الدعم اللوجستي أو المؤسسي؟ وهل توجد منح أو شراكات مع مؤسسات إسرائيلية؟ وهل هناك دعم من مؤسسات صهيونية أمريكية أو أوروبية؟ وهل ترتبط بعض مصادر التمويل بشبكات أو مؤسسات تعمل في إطار اتفاقيات أبراهام؟ وهل توجد جهات حكومية أو شبه حكومية تقدم دعماً مباشراً أو غير مباشر؟
حتى الآن، لا تكفي المعلومات العلنية المتاحة لإطلاق اتهام قاطع بوجود تمويل حكومي إسرائيلي أو تمويل استخباري للمشروع. وهذا تحديداً ما يجعل ملف التمويل بحاجة إلى تحقيق مستقل وشفاف، لا إلى اتهامات مسبقة.
فإذا كانت المبادرة مستقلة بالفعل، فإن نشر هيكلها المالي ومصادر تمويلها وشركائها المؤسسيين سيكون الطريق الطبيعي لإزالة علامات الاستفهام المحيطة بها.
أما الاكتفاء بعبارة «مستقلة وغير حكومية»، فلا يجيب وحده عن السؤال. فالاستقلال عن الحكومة العراقية لا يعني بالضرورة الاستقلال عن المؤسسات أو الجهات الأجنبية، كما أن الصفة المدنية لا تكشف تلقائياً عن مصادر التمويل أو طبيعة العلاقات المؤسسية.
ولهذا يجب أن يكون السؤال أكثر مباشرة، من أين يأتي المال؟ ومن يملك القدرة على التأثير في أجندة المشروع؟ ومن يحدد أولوياته واتجاهاته؟ ومن يقف خلف شبكة العلاقات التي يسعى إلى بنائها داخل الفضاء العراقي؟
علي عباس من النشاط التطبيعي إلى «السفير الظلي»
تظهر في تاريخ المشروع أسماء تستحق التدقيق، وفي مقدمتها اسم المتهود علي عباس. ففي تقارير إسرائيلية سابقة، ظهر عباس باعتباره أحد أبرز الوجوه المرتبطة بـ«السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل»، كما ارتبط اسمه بمشروع «Project Bright Future» وبنشاطات هدفت إلى تعزيز التواصل العراقي–الصهيوني.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة إسرائيل اليوم في يناير كانون الثاني 2019، فإن صفحة ما سُمّي «السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل» كانت مبادرة من مشروع «Project Bright Future» ، الذي قالت الصحيفة إنه كان يعمل للدفع نحو تطبيع العلاقات بين العراق وما يسمى «إسرائيل». وكان التقرير قد أشار إلى علي عباس بوصفه مديراً للمشروع، ونقل عنه أن مشروعه تأسس عام 2011 بهدف إقامة علاقات مع تل أبيب وتهيئة الأرضية لهذه العلاقة عبر إنشاء قنوات اتصال.
وفي عام 2021، تناولت تقارير إسرائيلية نشاطه في أعقاب مؤتمر أربيل الذي دعا إلى التطبيع مع الدولة اليهودية.
وفي مادة منشورة عام 2025، قدم عباس نفسه باعتباره «السفير الظلي» للسفارة الافتراضية للعراق في الكيان الصهيوني، مع تأكيده أنه لا يتحدث باسم الحكومة العراقية.
لكن الأسئلة لا تزال قائمة حول البنية الحالية للمشروع، ما هو هيكله التنظيمي اليوم؟ ومن يدير هذه المنصة فعلياً؟ ومن يملك القرار فيها؟ وهل ما تزال العلاقات التنظيمية التي ظهرت في المراحل السابقة للمشروع قائمة حتى الآن؟ وما طبيعة الصلة بين المشروع بصورته الحالية والجهات والأسماء التي ظهرت في تاريخه؟ وهل حدث تغيير في هيكله أو مصادر دعمه أو شبكة علاقاته مع مرور الوقت؟
هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالاكتفاء بالصفة التي يعلنها المشروع عن نفسه، بل تحتاج إلى كشف واضح لهيكله الإداري، ومصادر تمويله، وشركائه، والجهات المرتبطة به، والمسار الذي انتقل من خلاله من مبادرة محدودة إلى مشروع يطرح نفسه اليوم بوصفه قناة للحوار والعلاقات العراقية–الصهيونية.
«الحركة الإبراهيمية».. أين يريد المشروع أن يأخذ العراق؟
تربط المنصة نفسها بمفهوم الحركة الإبراهيمية في العراق، وتضع «السفارة الافتراضية» ضمن تصور أوسع لربط الأصوات المدنية العراقية بفضاء «اتفاقيات أبراهام» السيئة السمعة والصيت.
وهنا تبرز قضية شديدة الحساسية، اتفاقيات أبراهام ليست مجرد مبادرة ثقافية.
إنها إطار سياسي إقليمي أدى إلى إقامة علاقات رسمية بين الدولة اليهودية وعدد من الحكومات المتهودة في الدول العربية.
وعندما يوضع العراق داخل هذا الفضاء من خلال المجتمع المدني والنخب الأكاديمية والاقتصادية، فإن السؤال المشروع يصبح هل يجري إعداد مسار عراقي غير رسمي باتجاه فضاء اتفاقيات أبراهام، رغم أن الدولة العراقية لم تتخذ قراراً بذلك؟
إذا كان الأمر مجرد حوار ثقافي، فلماذا كل هذا التركيز على بناء الشبكات؟
وإذا كان الهدف هو السلام فقط، فلماذا لا يكون الحوار موجهاً إلى معالجة الصراع وحقوق الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والاحتلال والعدوان، بدلاً من التركيز على بناء علاقات ثنائية تجعل التطبيع يبدو كأنه النتيجة الطبيعية الوحيدة؟
هذه الأسئلة يجب ألا تُدفن تحت شعارات «السلام» و«التعاون».
أخطر من التطبيع: شبكة معلومات
هنا يدخل البعد الأمني. فالموقع يفتح قنوات للتواصل ويطلب من الراغبين في الانخراط معلومات مهنية ومؤسسية، ويتحدث عن التعريف بالأشخاص، وتبادل الخبراء، والحوار الخاص، والبحث، والتعاون.
مرة أخرى، لا يوجد دليل علني حتى الآن يثبت أن هذه البيانات تُستخدم لأغراض استخبارية. لكن من منظور الأمن الوطني، لا يجوز تجاهل قيمة تجميع البيانات البشرية، وذلك لان اسم الباحث وحده قد لا يكون مهماً، لكن معرفة تخصصه، ومؤسسته، واهتماماته، وعلاقاته، والأشخاص الذين يعمل معهم، والمشاريع التي يريد التعاون فيها، قد تصبح ذات قيمة أكبر عندما تجمع على نطاق واسع.
ولهذا فإن السؤال الأمني لا ينبغي أن يكون «هل الموقع جاسوسي؟» بل هل توجد ضمانات تمنع تحويل شبكة العلاقات التي يبنيها إلى أداة لجمع المعلومات أو بناء النفوذ؟
ومن المسؤول عن التحقق من ذلك؟ ومن يراقب حركة المعلومات؟ وأين تحفظ البيانات؟ ومن يستطيع الوصول إليها؟ وهل توجد جهات إسرائيلية أو أجنبية تحصل عليها؟
هذه الأسئلة لا تحتاج بالضرورة إلى افتراض وجود الموساد. إنها تحتاج إلى شفافية.
هل يمكن أن يكون التطبيع بوابة للتجنيد؟
التاريخ الأمني للصراع في المنطقة يقدم درساً لا ينبغي تجاهله، فعمليات التجنيد وجمع المعلومات لا تبدأ دائماً بعرض مباشر.
في بعض الحالات تبدأ بعلاقة مهنية. ثم صداقة. ثم سفر. ثم منفعة مالية. ثم تعاون. ثم طلب صغير.
ولهذا فإن أخطر ما في شبكات التطبيع غير المنضبطة ليس فقط أنها تغير الموقف السياسي تجاه تل أبيب، بل أنها قد توفر بيئة بشرية واسعة للتواصل والتأثير.
وهذا لا يعني أن كل من يتواصل مع هذه المنصة عميل. ولا يعني أن كل مبادرة إسرائيلية هي عملية استخبارية.
لكن يعني أن العراق، الذي يواجه بالفعل حرباً معقدة على النفوذ الخارجي، لا يستطيع التعامل مع بناء شبكات إسرائيلية داخله باعتباره نشاطاً بريئاً إلى أن يثبت العكس. المطلوب هو العكس، التدقيق أولاً وأخيراً.
تل أبيب تراقب بغداد.. والعراق ليس خارج الحسابات
لا يمكن فصل هذه المنصة عن السياق الإقليمي. فالعراق أصبح خلال السنوات الأخيرة جزءاً من حسابات الصراع الإسرائيلي–الإيراني.
الفصائل المسلحة العراقية المرتبطة بمحور المقاومة دخلت في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع الدولة اليهودية، بينما تنظر مراكز الدراسات الإسرائيلية إلى العراق باعتباره ساحة مهمة في منظومة التهديد الإقليمي.
دراسة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في 2026 تناولت تصاعد قدرات الفصائل العراقية والهجمات التي استهدفت «إسرائيل»، وناقشت الخيارات الإسرائيلية في التعامل مع التهديد القادم من العراق.
هذا يعني شيئاً بسيطاً، العراق مهم لتل أبيب أمنياً وسياسياً.
وبالتالي فإن بناء شبكة علاقات داخل المجتمع العراقي ليس موضوعاً يمكن النظر إليه بمعزل عن البيئة الإقليمية.
إذا كان العراق ساحة مواجهة، فإن المجتمع العراقي نفسه يصبح ساحة نفوذ.
ليست المشكلة أن هناك إسرائيليين يريدون الحوار مع عراقيين، لكن المشكلة أن هناك محاولة لبناء علاقات منظمة ومنهجية تتجاوز الدولة والقانون والموقف الشعبي.
هناك فرق بين أن يلتقي باحث عراقي بإسرائيلي في مؤتمر دولي، رغم أن مثل هذا اللقاء غير محبب سياسياً وشعبياً في العراق، وبين مشروع كامل يعرّف نفسه باسم العراق ويعلن هدفه بناء شبكة مستمرة من العلاقات والاتصالات العراقية–الإسرائيلية.
هناك فرق بين حوار عابر وبين قاعدة بيانات واتصالات وشبكات خبراء ومشاريع تعاون.
وهناك فرق بين مناقشة وبين صناعة بيئة اجتماعية يصبح فيها التطبيع أمراً عادياً.
بغداد مطالبة بفتح الملف
إذا كانت الدولة العراقية جادة في حماية قرارها السيادي، فلا يكفي أن تقول إن هذه ليست سفارة.
بل يجب أن تسأل، من أسسها؟ من يمولها؟ أين مقرها القانوني؟ من يديرها؟ ما علاقاتها بالمؤسسات الإسرائيلية والصهيونية؟ ما طبيعة علاقتها بمشروع «Project Bright Future»؟ ما طبيعة ارتباطها بالحركة الإبراهيمية؟ من يملك بيانات العراقيين الذين يتواصلون معها؟ هل هناك تمويل من مؤسسات مرتبطة باتفاقيات أبراهام؟ وهل سبق أن نقلت معلومات أو بيانات أو قوائم اتصال إلى جهات إسرائيلية أو أجنبية؟
هذه ليست أسئلة أيديولوجية. إنها أسئلة سيادة وأمن قومي.
التطبيع نفسه ليس مساراً سياسياً فقط، بل مشروعاً يتداخل فيه السياسي والثقافي والاقتصادي والإعلامي والديني، ويمتد تأثيره إلى جوانب متعددة من الحياة والمجتمع.
والعمل على تغيير الموقف العراقي من الكيان الصهيوني هو نشاط واسع، حتى لو ارتدى ثوب المجتمع المدني.
أما إذا ظهرت لاحقاً أدلة على تمويل أو تنسيق استخباري، فستصبح القضية أخطر بكثير.
ولهذا يجب ألا نقع في خطأين متناقضين، الخطأ الأول هو السذاجة، والقول إن كل شيء مجرد «سلام وحوار». والخطأ الثاني هو إطلاق اتهام استخباري بلا وثيقة.
الطريق الصحيح هو التحقيق. والتحقيق يبدأ من المال. ومن الأسماء. ومن الاتصالات. ومن المؤسسات. ومن البيانات. ومن العلاقات.
الخلاصة
«السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل» ليست سفارة عراقية، ولا تمثل الدولة العراقية، لكن ذلك لا يلغي السؤال الأهم حول طبيعة الدور الذي تسعى إلى لعبه داخل الفضاء العراقي. فمن خلال الحوار غير الرسمي، وبناء العلاقات، والتواصل الأكاديمي والاقتصادي والثقافي، تطرح المنصة مساراً يمكن أن يساهم في تطبيع العلاقة مع الكيان الصهيوني خارج القنوات الرسمية للدولة.
ولا تكمن القضية في موقع إلكتروني يستخدم كلمة «سفارة»، بل في شبكة العلاقات التي يسعى المشروع إلى بنائها، وفي مصادر تمويلها، والجهات التي تقف خلفها، وطبيعة البيانات التي تجمعها، وصلتها بالمشاريع الإقليمية المرتبطة باتفاقيات أبراهام.
وفي بلد يجرّم التطبيع قانوناً، ويعلن موقفاً سياسياً رافضاً لإقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني، فإن أي مشروع يعمل على بناء هذه العلاقات داخل المجتمع العراقي يستحق تدقيقاً رسمياً وقانونياً وأمنياً.
المراجع
الموقع الرسمي لـ«السفارة الافتراضية للعراق في إسرائيل» – The Virtual Embassy of Iraq in Israel.
https://iraqdiplomaticdoor.com/ar/
يارون شنايدر: «العراق في خدمة الحرس الثوري الإسلامي: الفصائل المسلحة الموالية لإيران في الحرب والصراع على مستقبل البلاد»، معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي – INSS، الرابع من يونيو حزيران 2026.
https://www.inss.org.il/publication/iraqi-militia-2026/
«تأملات في السابع من أكتوبر: دعوة إلى سلام دائم من بغداد إلى القدس»، علي عباس، إسرائيل اليوم، 8 أكتوبر تشرين الأول 2025.
Reflections on October 7: A call for enduring peace from Baghdad to Jerusalem
مجلس النواب العراقي – قانون تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني رقم (1) لسنة 2022.
https://archive5.parliament.iq/law/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A7%D9%85%D8%B3%D8%A9/entry/176/
مجلس القضاء الأعلى العراقي – مذكرات القبض بحق المشاركين في مؤتمر الدعوة إلى التطبيع 2021.
https://www.sjc.iq/view.68901/
عراقيون يزرعون الأشجار في إسرائيل لتعزيز السلام، إسرائيل اليوم، 6 أغسطس آب 2021.
«عراقيون يؤسسون “سفارة افتراضية” في إسرائيل»، إسرائيل اليوم، 13 يناير كانون الثاني 2019.
انتهى




