د. فاضل حسن شريف
قرارات الحزب الحاكم: اجتمعت اللجنة العليا للجبهة الوطنية والقومية برئاسة صدام حسين ثم انتهت إلى أنّ الأحداث الأخيرة في 6 و7 شباط / فبراير بالنجف هي أعمال تخريبية ومن صنع الدوائر الاستعمارية والرجعيّة الحاقدة على مسيرة الثورة ومكتسباتها الديمقراطية والتقدمية. وبعد أن تعرض المعتقلون إلى التعذيب القاسي، جرت في 23 شباط/ فبراير 1977م محاكمة صورية للمئات من رموز الانتفاضة (أعلنت عنهم السلطة 110 أشخاص) استمرت أربع ساعات، وصدرت الأحكام ضدهم في 25 شباط بالإعدام لثمانية من قادة الانتفاضة ومحركيها، وهم: جاسم صادق الإيرواني، يوسف ستار الأسدي، محمد سعيد البلاغي، ناجح محمد كريم، صاحب رحيم أبو كلل، عباس هادي عجينة، كامل ناجي مالو، غازي جودي خوير. كما حكمت على 16 آخرين بالسجن المؤبد، بينهم السيد محمد باقر الحكيم، وقتل بعض المعتقلين تحت التعذيب أو في داخل الزنزانات، وبحسب المراقبين كانت الأحكام معدّة سلفاً في مجلس قيادة الثورة الحاكم، ومن قبل ناب الرئيس صدام حسين بالتحديد. ردود الفعل: ردود فعل الحكومة وحلفائها: وعلى مستوى الحزب الحاكم والقوى المتحالفة معه كالحزب الشيوعي، كانت ردود الأفعال مضطربة. فادعت وزارة الداخلية بأن الأحداث تمت على يد زمرة مأجورة فإن الأجهزة الأمنية كشفت عن جريمة جبانة كان وراءها أحد عملاء النظام السوري، الذي وضع حقيبة متفجرات تزن 10 كلغم في صحن الإمام الحسين عليه السلام من أجل تفجيره. وشجب الحزب الشيوعي الانتفاضة بقوة ونشر العديد من البيانات عبر جريدته الرسمية (طريق الشعب) مستنكراً ومهدداً الثوار، ومعلناً عن دعمه المطلق للسلطة وطالب بإنزال أقسى العقوبات بالثوار وحكم عدد أكبر من المتآمرين بعقوبة الإعدام. مواقف مناوءة للرد الحكومي: ولم تبد معظم الجماعات والاتجاهات الإسلامية في البلدان الأخرى مواقف واضحة تجاه الانتفاضة الكبرى والأحكام الصادرة بحق المجاهدين المسلمين؛ نظراً للتعتيم الشديد والتشويه الذي مارسه النظام للتغطية على الأحداث. إلاّ أن عدداً من بيانات وبرقيات التأييد للانتفاضة، قد صدرت في لبنان وباكستان والهند وإيران وبعض دول الخليج وأوروبا، لشجب السلطة وأساليبها. النتائج: لقد صنفت السلطات العراقية هذه الانتفاضة ضمن الأعمال المخربة التي أديرت على يد العملاء. وفي المقابل عدها آخرون حركة سياسية دينية، حيث كانت أو انتفاضة على البعث تتمحور حول المذهب والإمام الحسينعليه السلام. وبناء على بعض الدراسات ذكرت بعض النتائج لهذه الانتفاضة، منها: كان حزب البعث قد وضع على وجهه قناعا إسلاميا، سقط بسبب هذه الانتفاضة. انكسرت هيبة البعث على يد المنتفضين، حيث استطاعوا أن يثوروا على النظام البعثي لأول مرة. حصلت بعض الخلافات في حزب البعث.
كان صدام يغدق على أعوانه ورجال أمنه الأموال ليشتروا به ثمنا في هذه الدنيا الزائلة فبئس ما كانوا يكتبون من تقارير على الأبرياء. جاء في تفسير الميسر: قوله عز وجل “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ” (البقرة 79) فهلاك ووعيد شديد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى عليه الصلاة والسلام؛ ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم، ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام، كالرشوة وغيرها. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله عز وجل “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ” (البقرة 79) “فويل” شدة عذاب “للذين يكتبون الكتاب بأيديهم” أي مختلقاً من عندهم “ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلا” من الدنيا وهم اليهود غيَّروا صفة النبي في التوراة وآية الرجم وغيرها وكتبوها على خلاف ما أنزل “فويل لهم مما كتبت أيديهم” من المختلق “وويل لهم مما يكسبون” من الرشا جمع رشوة.
عن العتبة العباسية المقدسة صفر 1977 انتفاضة خالدة ظلمها التاريخ: _اليوم السابع عشر من صفر: تحرّكت المسيرة من منطقة (خان النص) باتجاه كربلاء والجموع تردّد الأهازيج المختلفة والحماسية وبعد ابتعادها عن المنطقة قامت مجاميع من قوات الأمن بالهجوم على مؤخّرة المسيرة وإطلاق النار عليها ممّا أدّى إلى سقوط أول شهيد في الانتفاضة وهو (عبد الأمير المياليّ) كان عمره 14عامًا، ممّا أدى إلى تحرك مئات الشباب الغاضبين إلى مراكز الشرطة القريبة والهجوم عليها وتدميرها، وأخذت جموع كبيرة بالالتحاق بالمسيرة من النجف وبعض المناطق القريبة من كربلاء، وقد التحقت القبائل المحيطة بالمنطقة بالمسيرة أيضًا بعد أن اتجه العشرات إليهم لدعوتهم للمشاركة فجاء الآلاف إلى المنطقة وهم يرددون أهازيج عراقية مختلفة منها (أسمع العباس ناده ياهله بهاي الضيوف…. شلون أدّي هلتحيه وأني مقطوع الجفوف) _اليوم الثامن عشر من صفر: أرسلت الحكومة العراقية أحد خدمة الروضة الحيدرية لتدارك الموقف وإيقاف المسيرة وأخذ بتهديد السائرين، إلّا أنّه لم يأتِ بنتيجة فعاد إلى النجف دون أن يأتي بأية نتيجة وفي المساء هطلت الأمطار بغزارة واشتدّ البرد ليلاً ممّا أعاق تقدّم قوات الحرس الجمهوريّ التي وصلت إلى المسيب استعداداً لضرب المسيرة حتى وصلت المسيرة إلى منطقة (خان النخيلة) حيث تقرّر الاستراحة والمبيت، عند نقطتي (خان النخيلة وكربلاء) والتي تم ّ فيها اعتقال أكثر من 30.000 شخص في سجون النجف والكوفة والحلة وكربلاء ومديرية الأمن العام في بغداد، ونُقل بعض منهم إلى معسكرات الجيش خصوصاً إلى السجن رقم (1) الحربي في معسكر الرشيد، وهنا تصاعد غضب رئاسة الجمهورية وسخطها وقامت بإرسال اللواء المدرع العاشر إلى طريق كربلاء لاعتراض المسيرة حتى وصل الأمر إلى إرسال طائرات ميغ 23 إلى المدينة وإعطائها الأمر بإطلاق النار إن استدعى الأمر، وبعد وصول المسيرة إلى مشارف كربلاء كانت في استقبالهم مجموعة من الدبابات والسيارات المصفحة وسيارات الشرطة ومئات المسلّحين وهم يتأهبون لإطلاق النار ومنع تقدّم الجموع إلى كربلاء وقامت هذه القوات بإلقاء القبض على أعداد كبيرة من الشباب والنساء وكبار السنّ بعد محاصرتهم إلّا أنّ مجاميع كبيرة تمكنت من الفرار وإكمال المسير عبر طرق فرعية أخرى وصولاً إلى العتبة العباسية والحسينية. وفي كربلاء وبعد أن فشل النظام في قمع الانتفاضة والقضاء عليها، افتعل لعبة تفجير صحن الإمام الحسين عليه السلام وذلك يوم (18 صفر)، والمضحك في هذه اللعبة أنّ النظام رفع لافتة في مدينة الديوانية قبل الإعلان عنها بيوم أي في 17 صفر يستنكر فيها عملية التفجير المفتعلة. وبعد انتهاء المسيرة من أداء مراسيمها قام جلاوزة النظام المقبور بشنّ حملة اعتقالات واسعة يوم 20 صفر 1397 هـ داخل مدينة كربلاء وفي ضواحيها شملت آلاف الأبرياء وحتى الشيوخ والنساء والأطفال وساقتهم لمعتقلات مديرية الأمن العامة وسجن رقم واحد العسكري في بغداد، إضافة إلى ملاحقة الثوّار الذين لم يتمكن جلاوزة البعث من القبض عليهم، فقام باعتقال أفراد عوائلهم لإجبارهم على تسليم أنفسهم للسلطة الغاشمة فعرضوهم إلى تعذيب وحشي، ومارست الأجهزة القمعية وبإشراف مباشر من المجرم صدام حسين أبشع أنواع التعذيب بحق المعتقلين فاستشهد (السيد وهاب الطالقاني) تحت سياط الجلادين الذين قاموا بقلع عينيه قبل استشهاده، لينظم لقائمة شهداء الانتفاضة، والذي كان (السيّد عبد الأمير المياليّ) كما مرّ بعد ذلك أصدر النظام حكمه بالإعدام على سبعة مجاهدين وبالسجن المؤبّد على خمسة عشر آخرين، والملفت للنظر أنّ (الشهيد محمّد سعيد البلاغيّ) (17 عاما) كان ضمن مجموعة المؤبّد إلّا أنّ جلاوزة النظام نقلوه إلى مجموعة الإعدام بعد أن وجدوا العدد المقرر إعدامهم قد نقص شخصًا واحدًا، وكذلك نقلوا أحد المعتقلين من مجموعة الأفراج إلى مجموعة المؤبّد لسدّ النقص فيهم.
وعن تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله عز وجل “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ” (البقرة 79) قوله تعالى: فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم إلخ، الضمائر إما راجعة إلى بني إسرائيل أو لخصوص المحرفين منهم ولكل وجه وعلى الأول يثبت الويل للأميين منهم أيضا.
انتفاضة خالدة ظلمها التاريخ: الحكم بالسجن المؤبد على كل من وديع فاهم وداعة. بلاسم ناجي جواد. جمال أحمد جاسم. محسن جداوي جاسم. علي نصير جاسم. كامل خضير سياب. باسم عبد الأمير حسون. أموري رزاق عبد رحيمي. هادي مرزه زاير. وعد سلطان حاجم. راهي شاكر سماوي. عباس كاظم جعفر فخر الدين. حسن جبر حمزة. محمد باقر السيّد محسن الحكيم.