رياض سعد
مقدمة : كيف تحوّلت بعض المنابر إلى أدوات للطائفية والابتذال وتهديد السلم الأهلي؟
﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ … لقد وضعت هذه الآية الكريمة منهجًا واضحًا للدعوة يقوم على الحكمة، والرفق، وحسن الخطاب، واحترام الإنسان، بعيدًا عن الإساءة والسباب والتحريض… ؛ فهذه الآية الكريمة رسمت منهج الدعوة الإسلامية منذ بدايتها، وجعلت الحكمة، وقوة البرهان، واحترام الإنسان، أساسًا لكل دعوة دينية صادقة… ؛ ولذلك لم تنتشر الرسالات والأفكار الكبرى في التاريخ بالصراخ والسباب، وإنما انتشرت بالأخلاق، والعلم، والإقناع، والسلوك الحسن.
إلا أن المشهد العراقي خلال السنوات الأخيرة شهد بروز ظاهرة مقلقة تمثلت في صعود خطاب ديني متدنٍ، اتخذ من بعض المنابر ووسائل الإعلام مساحة لبث الكراهية والانفعال والطائفية والابتذال والسفاهة ، على أيدي أفراد تصدّروا المشهد الديني دون امتلاكهم المؤهلات العلمية أو الأخلاقية التي تؤهلهم لحمل رسالة الدين.
ومن الضروري التأكيد أن هذه الظاهرة لا تمثل المؤسسة الدينية بأكملها، ولا يمكن تعميمها على جميع رجال الدين، إذ لا تزال الحوزة العلمية والمعاهد الاسلامية تزخر بعلماء ومراجع وخطباء عُرفوا بالاعتدال، والحكمة، وسعة الصدر، وخدمة المجتمع. إلا أن المشكلة تكمن في أن الأصوات الأكثر ضجيجًا غالبًا ما تكون الأكثر انتشارًا وتأثيرًا في وسائل الإعلام ومنصات التواصل.
أولًا: صعود الجهلة والأمّعات إلى المنابر
من أخطر التحولات التي شهدها الخطاب الديني في العراق تصدّر بعض الجهلة والأمّعات للمشهد الإعلامي والديني، حتى أصبحت المنابر التي يفترض أن تكون مدارس للأخلاق والإصلاح، تُدار أحيانًا بمنطق الإثارة والانفعال و( القفشات الاعلامية ) لا بمنطق العلم والحكمة.
فبدلًا من أن يكون الخطيب قدوة في رصانة الفكر، وحسن البيان، وسعة المعرفة، أصبح بعضهم يعتمد على الصراخ، والشتائم، والإثارة، وإطلاق الأحكام الجاهزة، مستبدلًا قوة الدليل بعلو الصوت، والبرهان بالتحريض، والحوار بالإقصاء.
إن المنبر الديني ليس وسيلة للشهرة أو لتصفية الحسابات السياسية والطائفية، وإنما هو موقع تربوي وأخلاقي، وأي انحراف في أداء هذه الرسالة ينعكس مباشرة على صورة الدين في أذهان الناس.
ثانيًا: انحدار لغة الخطاب وتحولها إلى خطاب سوقي
أصبح من المألوف أن يتضمن بعض الخطاب الديني ألفاظًا بذيئة وسوقية وفاحشة ، وشتائم، وتجريحًا شخصيًا، واتهامات أخلاقية ووطنية بحق المخالفين، بل وصل الأمر في بعض الأحيان إلى قذف الناس، والتخوين، والدعوة إلى الإقصاء أو التحريض عليهم.
وهذا اللون من الخطاب لا يمت بصلة إلى أخلاق الإسلام ولا إلى تراث أهل البيت، الذين اشتهروا بالحلم، وكظم الغيظ، وأدب الحوار، واحترام المخالف.
فالخطاب الديني يفقد قيمته عندما يتحول إلى خطاب سوقي، لأن الكلمة البذيئة لا تُنتج اقتناعًا، والشتيمة لا تهزم فكرة، والانفعال لا يصنع وعيًا.
ثالثًا: الطائفية والتخوين بدلًا من الحوار
تعتمد بعض هذه الخطابات على تقسيم المجتمع إلى معسكرات متصارعة، وإلصاق تهم الخيانة أو العمالة أو الانحراف بكل من يخالفها في الرأي، حتى وإن كان المخالف من أبناء المذهب نفسه.
إن تحويل الخلاف الفكري أو السياسي إلى عداوة دينية، واستخدام مفردات التكفير أو التخوين أو التحريض، لا يؤدي إلى حماية الدين، بل إلى تمزيق المجتمع، وتعميق الانقسامات، وإغلاق أبواب الحوار.
وقد أثبتت التجارب التاريخية أن المجتمعات التي يسودها خطاب الكراهية تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات، وأكثر قابلية للاستقطاب والصراعات الداخلية.
رابعًا: تقديم الولاءات العابرة للحدود على الانتماء الوطني
من الظواهر التي رافقت هذا الخطاب أيضًا تغليب بعض الخطباء الانتماءات القومية أو المذهبية أو السياسية العابرة للحدود على الانتماء الوطني، فيبالغون في تمجيد الخارج، بينما يطعنون بأبناء وطنهم، أو يشككون في وطنيتهم، أو ينتقصون من تضحياتهم لمجرد اختلافهم في الرأي.
ومهما كانت المبررات الفكرية أو السياسية، فإن تقديم أي ولاء خارجي على مصلحة الوطن يزرع الشك بين أبناء المجتمع، ويضعف الثقة الوطنية، ويمنح خصوم العراق ذرائع للطعن في وحدته واستقراره.
فحب الوطن لا يتعارض مع الانتماء الديني، وإنما يتكامل معه، لأن صيانة المجتمع واستقراره من أعظم الواجبات الشرعية والأخلاقية.
خامسًا: تشويه صورة الدين والمذهب
إن أخطر نتائج هذا الخطاب أنه لا يسيء إلى خصومه بقدر ما يسيء إلى الدين والمذهب اللذين يدّعي الدفاع عنهما.
فعندما يرى الشباب رجل دين يستخدم الشتائم، أو يحرّض على الكراهية، أو يوزع الاتهامات، فإن كثيرًا منهم لا يميز بين الشخص ورسالة الدين، فينشأ النفور من المؤسسة الدينية، وربما من الدين نفسه.
كما أن هذا الخطاب يقدم صورة مشوهة عن المدرسة الشيعية والسنية ، رغم أن تاريخها حافل بعلماء كبار اشتهروا بالاجتهاد، والحوار، والانفتاح، والأدب الرفيع، وكانت أخلاقهم العملية أعظم وسائل الدعوة إلى مبادئهم.
سادسًا: تهديد السلم الأهلي والأمن المجتمعي
إن الخطاب الذي يقوم على التحريض، والكراهية، والطائفية، والتخوين، لا يقف أثره عند حدود المنبر، بل ينتقل إلى الشارع، ويؤثر في العلاقات الاجتماعية، ويغذي الانقسام بين المواطنين.
ولهذا فإن حماية السلم الأهلي لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، وإنما تبدأ بإصلاح الخطاب الثقافي والديني، وتجفيف منابع الكراهية، ومنع استغلال المنابر في بث الانفعالات والصراعات السياسية والطائفية.
سابعًا: مسؤولية المؤسسات الدينية والإعلامية
تقع على عاتق المؤسسات الدينية والإعلامية مسؤولية كبيرة في عدم تحويل المنابر إلى مساحة لكل من يجيد الصراخ أو إثارة الجدل.
فالمنبر الديني ينبغي أن يُسند إلى من يجمع بين العلم، والأخلاق، والاتزان، والوعي الوطني، لا إلى من يجعل من الدين وسيلة لإثارة الانقسام أو تحقيق الشهرة أو خدمة الصراعات السياسية.
كما أن حرية التعبير لا تعني إتاحة المجال لخطابات تحرّض على الكراهية، أو تهدد الأمن المجتمعي، أو تشوه صورة الدين، لأن الحرية تقترن دائمًا بالمسؤولية.
ثامنًا: نحو خطاب ديني يعيد الثقة بالمجتمع
إن إصلاح الخطاب الديني لا يكون بإسكات الرأي المخالف، وإنما بإعادة الاعتبار لقيم العلم، والحكمة، وأدب الاختلاف، وإبراز العلماء والخطباء الذين يمثلون أخلاق الإسلام في سلوكهم قبل كلماتهم.
فالدعوة الناجحة تبدأ بالكلمة الطيبة، وتقوم على قوة الحجة، واحترام الإنسان، والقدرة على استيعاب الاختلاف، لا على الشتيمة والانفعال.
وقد أدركت جميع المدارس الفكرية والأحزاب، الدينية والسياسية، أن كسب الناس يكون بالحوار والإقناع وحسن الخلق، لا بالإهانة والوعيد، لأن الإنسان قد يخسر مناظرة، لكنه لا ينسى أبدًا من أهان كرامته.
خاتمة
إن الدين الذي انتشر بالحكمة والموعظة الحسنة لا يمكن أن يخدمه خطاب يقوم على السباب والشتائم والطائفية والتحريض والابتذال والسقوط … ؛ وإن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف الآراء، بل انحدار لغة الحوار، وصعود الجهل على حساب العلم، والانفعال على حساب الحكمة.
ومن هنا، فإن صيانة مكانة الدين، وحماية تاريخ المذهب، والحفاظ على وحدة المجتمع العراقي، تقتضي إعادة الاعتبار للمنبر بوصفه مؤسسة أخلاقية وتربوية، وتقديم العلماء وأهل الكفاءة على الأدعياء، وترسيخ ثقافة الحوار والاحترام، لأن قوة الرسالة لا تُقاس بارتفاع الصوت، وإنما بسمو الفكرة، ونبل الأخلاق، وصدق الكلمة.