
نظام مير محمدي*
لم يعد نظام الملالي يواجه أزمة عابرة يمكن احتواؤها بمزيد من القمع أو المناورة السياسية؛ بل يتكشف أمامه استحقاق تاريخي يطرق أبوابه بقوة، حيث يتحول الماضي الذي ظن أنه دفنه إلى محرك أساسي للحراك الراهن. ولعل أبرز مظاهر هذا الانكسار هو إعادة طرح ملف “مجزرة عام 1988” في المحافل الدولية؛ تلك الجريمة الكبرى التي ارتكبت بناءً على فتوى وحكم دستوري بخط يد الخميني، والتي أُعدم بموجبها 30 ألف سجناء سياسيين عبر “لجان الموت”، وكان 90% منهم من أعضاء وكوادر منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، ليُدفنوا في مقابر جماعية مجهولة.
وفي هذا السياق، شهدت المؤتمرات الدولية تحولاً نوعياً في مقاربة هذه المجزرة. فخلال المؤتمر الدولي الذي نظمته مؤسسة “العدالة لضحايا مجزرة 1988” (JVMI) في 4 سبتمبر 2026 تحت عنوان «الجرائم الجارية ضد الإنسانية»، أكدت الرئيسة المنتخبة للمقاومة الإيرانية، السيدة مريم رجوي، في كلمتها الموجهة للمؤتمر، أن موجة الإعدامات السياسية الراهنة هي النتيجة المباشرة لـ “إفلات الجناة في عام 1988 من العقاب”. وأوضحت السيدة رجوي أن حكم الخميني القاضي بإعدام جميع المجاهدين المتمسكين بمواقفهم قد امتد ليشمل بقية القوى الوطنية، مشددة على أن الرأس الحاكم اليوم، وبُعيد انتفاضة يناير 2026، يستنسخ ذات النهج لإرهاب الجيل الجديد وصنيعة “جيل Z” الصامد في السجون وعلى رأسها سجن قزل حصار وإيفين.
تتزامن هذه المواقف مع تحركات حقوقية وسياسية متصاعدة، منها الجلسة الخاصة في قاعة “رايبورن” بالكونغرس الأمريكي والرسالة الموقعة من 63 نائباً من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، والذين طالبوا ربط أي مفاوضات بإيقاف موجة الإعدامات التي تجاوزت 900 حالة. والأهم من ذلك، أن حركة المطالبة بالعدالة التي تقودها المقاومة الإيرانية نجحت لأول مرة في دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى الاعتراف الرسمي بالإعدامات الفراقضائية لعام 1988 ضمن قطعنامتها السنوية، مما يشكل خطوة تأسيسية نحو الملاحقة الدولية.
إن النظام الذي حاول الفصل بين الجرائم القديمة وممارسات الحاضر يجد نفسه اليوم محاصراً؛ فمجزرة 1988 لم تعد مجرد حدث تاريخي، بل أضحت جوهر “حركة المطالبة بالعدالة” التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من حراك الشعب الإيراني لإسقاط الاستبداد وإقامة جمهورية ديمقراطية تضمن فصل الدين عن الدولة. وكما أكدت السيدة رجوي، فإن سبعية النظام في كفة، واستقامة وتحدي السجناء السياسيين في الكفة المقابلة.
لقد ظن النظام أن المشانق والمقابر الجماعية قادرة على إعادة إنتاج الخوف، فإذا بها تكشف حجم الذعر الذي يعيشه أمام مجتمع لم يعد قابلاً للإخضاع. إن تلاقي ذاكرة الضحايا مع تطلعات الشارع اليوم يؤكد أن زمن الإفلات من الحساب قد شارف على النهاية، وأن السلطة التي تحتاج إلى المشانق لاستمرار بقائها إنما تدفع مستحقات نهايتها المحتومة.
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني





