
بقلم: سعيد عابد
لم يعد الخلاف داخل النظام الحاكم في إيران حول العلاقة مع الولايات المتحدة مجرد تباين في الأسلوب الدبلوماسي. فمع استمرار الحرب والضغوط الداخلية، تحولت مسألة التفاوض نفسها إلى ساحة صراع بين الأجنحة، وانتقلت المواجهة من التصريحات إلى البرلمان والقضاء وملفات المسؤولين.
أبرز مظاهر هذا الصراع هو التحرك البرلماني ضد وزير الخارجية عباس عراقچي.
فقد سُجل طلب لاستجوابه في مجلس الشورى، ثم ظهر أن 35 نائبًا انضموا إلى الحملة المطالبة بعزله، وسط انتقادات لطريقة إدارته الاتصالات والمفاوضات مع واشنطن.
لكن المفارقة أن هذه الحملة تجري في وقت تؤكد فيه مؤسسات السلطة أن قرار الحرب أو التفاوض لا يعود إلى وزير الخارجية وحده، بل إلى القيادة ومجلس الأمن القومي.
وهنا يصبح الخلاف أعمق من شخص عراقچي.
استجواب وزير أم صراع على الاستراتيجية؟
منتقدو وزير الخارجية يتهمونه بتقديم تنازلات أو الذهاب بعيدًا في المسار الدبلوماسي، بينما يدافع آخرون عن التفاوض باعتباره أداة ضرورية لتقليل كلفة الحرب وتثبيت أي مكاسب سياسية أو عسكرية.
عراقچي نفسه قدّم خلال الأسابيع الماضية خطابًا مزدوجًا: إيران مستعدة للحرب إذا استؤنفت المواجهة، لكنها لا تغلق باب الدبلوماسية.
أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فذهب إلى صيغة أكثر وضوحًا، عندما قال إن الطريق ليس الاختيار بين الحرب والمفاوضات، بل استخدام الاثنين معًا.
ووفق منطقه، يمكن خوض الحرب للضغط على الخصم، ثم تحويل نتائج الميدان إلى مكاسب في التفاوض.
هذه الرؤية تكشف أن الخلاف لا يدور حول مبدأ التفاوض وحده، بل حول توقيته وشروطه والحدود المقبولة للتنازل.
القرار من الأعلى… والخلاف مستمر
المفارقة الأهم أن كبار المسؤولين أنفسهم يكررون أن القرار النهائي ليس قرار الحكومة أو البرلمان.
قال قاليباف إن تحديد متى تُستخدم الحرب ومتى تُستخدم المفاوضات يعود إلى المرشد بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة.
كما قال الرئيس مسعود بزشكيان إن القرارات المتعلقة بالحرب والتفاوض تصدر عن مجتبى خامنئي ومجلس الأمن القومي، وإن جميع التيارات مطالبة بالالتزام بها.
لكن هذه المرجعية لم تمنع الخلاف من الاستمرار.
فإذا كانت المؤسسات العليا قد حددت المسار العام، فلماذا تتواصل الحملات ضد المسؤولين المنفذين له؟
يمكن تفسير جزء من ذلك باختلاف الأجنحة حول التفاصيل والسرعة وحدود الثقة بواشنطن. لكن استمرار المواجهة يكشف أيضًا أن القرار المركزي لا يزيل بالضرورة الصراع على كيفية تنفيذه أو على من يتحمل مسؤولية نتائجه.
السجن يدخل صراع الأجنحة
في الوقت نفسه، أخذت الخلافات الداخلية طابعًا أكثر حدة مع تنفيذ حكم السجن بحق النائب المتشدد حميد رسائي.
رسائي قال إن قضيته مرتبطة بخلافاته مع قالیباف، واتهم رئيس البرلمان بأنه يقف وراء الشكوى ضده.
لكن الوثائق الرسمية المنشورة تقول إن الشكوى الأصلية قُدمت من الممثل القانوني لمجلس الشورى في قضية تتعلق باتهامات نشرها رسائي بشأن التلاعب بوثائق برلمانية.
وصدر بحقه حكم بالسجن عشرة أشهر، ونُقل لتنفيذ العقوبة في سجن إيفين.
بغض النظر عن الروايات المتعارضة حول خلفية القضية، فإن سجن نائب معروف بمواقفه المتشددة في لحظة تصاعد الصراع السياسي يعطي صورة عن درجة التوتر داخل المؤسسة نفسها.
فالخلاف لم يعد مجرد سجال بين صحف أو خطباء؛ بعض أبطاله باتوا يدخلون المحاكم والسجون.
من هو «المتساهل» ومن هو «المغامر»؟
الصراع حول التفاوض يقوم على خوفين متناقضين.
فريق داخل النظام يرى أن استمرار المواجهة العسكرية والاقتصادية يضاعف الخسائر، وأن الاتفاق—even إذا تطلب تنازلات—قد يكون وسيلة لتقليل الضغوط وإعادة ترتيب الداخل.
في المقابل، يخشى المتشددون أن تتحول التسوية إلى بداية تنازلات متتابعة من دون ضمان وقف الضغوط أو الهجمات.
قالیباف عبّر عن هذا الشك صراحة، معتبرًا أن مجرد توقيع اتفاق لا يضمن عدم تجدد المواجهة.
لكن في الوقت نفسه، هو لا يدعو إلى إغلاق باب التفاوض.
وهذا يكشف مأزقًا مشتركًا بين الأجنحة: لا الحرب وحدها تقدم مخرجًا واضحًا، ولا التفاوض وحده يوفر ضمانًا كافيًا.
الخلاف يتجاوز السياسة الخارجية
هذه الصراعات لا تحدث في فراغ.
فالنظام يواجه في الوقت نفسه أزمة اقتصادية وضغوطًا معيشية وتوترات اجتماعية ومخاوف متكررة من عودة الاحتجاجات.
ولهذا فإن كل قرار خارجي يتحول بسرعة إلى معركة داخلية حول الكلفة والمسؤولية.
إذا استمرت الحرب، من يتحمل تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية؟
وإذا جرى التوصل إلى اتفاق يتطلب تنازلات، من سيدفع ثمنه سياسيًا؟
وهنا يصبح استجواب وزير أو الهجوم على مسؤول أقل أهمية من الصراع الحقيقي: أي جناح يستطيع تجنب تحميله مسؤولية القرار إذا فشل؟
ليست تعددية سياسية
هذه الخلافات لا تعني وجود تنافس ديمقراطي بين برامج سياسية مستقلة.
جميع الأطراف الرئيسية تتحرك داخل بنية النظام نفسه وتحت سلطة مؤسساته العليا.
لكن الاختلاف هو في تقييم المخاطر وفي ترتيب الأولويات وفي كيفية حماية موقع كل جناح.
وهذا ما يجعل الصراع أكثر حدة في أوقات الأزمات.
فعندما تكون الموارد محدودة والخيارات مكلفة، يصبح التوافق أصعب، وتزداد محاولة كل طرف لإبعاد المسؤولية عن نفسه وتحميلها للآخر.
ولهذا فإن السؤال حول الحرب والمفاوضات لا يبدو قابلًا للحسم بسهولة.
فالقيادة تستطيع تحديد الإطار العام، لكنها لا تستطيع بالضرورة إزالة التناقضات بين الأجنحة التي تخشى نتائج كل خيار.
وهذا هو المعنى الأهم للصراع الحالي: النظام لا يواجه خلافًا حول وزير أو مفاوض فقط، بل حول كيفية الخروج من أزمة لا يبدو أن أيًا من مساريها—الحرب أو التفاوض—يوفر له مخرجًا بلا كلفة.







