
رياض سعد
معتقل الرضوانية: باستيل البعث الصدامي ومقبرة الأحياء
دراسة تاريخية توثيقية في صناعة الرعب السياسي، وقمع انتفاضة عام 1991، وانتهاك الكرامة الإنسانية في العراق
مقدمة: حين تتحول الدولة إلى آلة للقمع
لم يكن معتقل الرضوانية مجرد سجن عسكري أو مركز احتجاز تابع لأجهزة الدولة الأمنية والقمعية ، بل غدا، في ذاكرة آلاف بل ملايين العراقيين، رمزًا لمرحلة سوداء من تاريخ العراق الحديث، حين تحولت مؤسسات يفترض أن تكون مسؤولة عن حماية المواطنين وصيانة حقوقهم إلى أدوات للقمع والإذلال والتنكيل، وحين أصبح الاعتقال وسيلة لمعاقبة الإنسان على رأيه ومعتقده وانتمائه السياسي والاجتماعي والديني ، بل وحتى على الاشتباه فيه أو وقوعه في دائرة غضب أحد المتنفذين والمسؤولين .
لقد شهد العراق، ولا سيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين، تراجعًا خطيرًا في منظومة العدالة وسيادة القانون، وتوسعًا في سلطات الأجهزة الأمنية والقمعية والاستخباراتية، حتى غدت إرادة الحاكم وأوامر دائرته الضيقة تتقدم على الدستور والقانون والقضاء.
ولم يعد السجن، في كثير من الحالات، مكانًا لتنفيذ أحكام قضائية، بل تحول إلى فضاء مغلق يمكن أن يُساق إليه المواطن من دون تهمة واضحة، أو محاكمة عادلة، أو حق في الاتصال بأسرته ومحاميه.
وقد ارتبطت هذه الممارسات التعسفية بتاريخ الأنظمة الاستبدادية والطائفية التي تعاقبت على العراق، ابتداءً من مرحلة الحرس القومي والانقلاب البعثي، مرورًا بمرحلة حكم السفاح صدام ، وصولًا إلى سنوات الانتفاضة الشعبانية عام 1991 وما أعقبها من حملات اعتقال وإعدامات جماعية وعمليات اختفاء قسري.
وفي تلك المرحلة، لم يكن التعذيب مجرد انحراف فردي يرتكبه حارس أو محقق أو جلاد ، بل تشير الشهادات الواردة في الشهادات والوثائق والتقارير والدراسات إلى وجود منظومة من الممارسات المنظمة، شاركت فيها أجهزة أمنية وقمعية وعسكرية وشخصيات نافذة، وتداخلت فيها الاعتبارات السياسية والطائفية والانتقام الشخصي، حتى صار الجسد الإنساني نفسه ميدانًا للعقاب، وصارت كرامة السجين وحقوقه أمرًا لا وزن له أمام سلطة الجلاد.
وتأتي أهمية دراسة معتقل الرضوانية من كونه نموذجًا مكثفًا لفهم طبيعة الدولة الأمنية القمعية في عهد البعث وصدام ، وكيفية تحويل الخوف إلى أداة للحكم، والاعتقال إلى وسيلة لإخضاع المجتمع، والتعذيب إلى رسالة موجهة لا إلى الضحية وحدها، بل إلى أسرته ومدينته ومحيطه الاجتماعي بأكمله.
الفصل الأول: نشأة الرضوانية وتحول المعسكر إلى معتقل
المبحث الأول: الموقع والتكوين العسكري
تقع منطقة الرضوانية إلى الجنوب الغربي من العاصمة بغداد، بالقرب من مطار بغداد الدولي، الذي عُرف في عهد النظام السابق باسم مطار صدام.
وتضم المنطقة مساحات واسعة ومنشآت عسكرية وأمنية، من بينها معسكر الرضوانية الذي تشير المعلومات الواردة في التقارير والدراسات إلى أن شركة يابانية أسهمت في بنائه، مع اختلاف الروايات بشأن سنة إنشائه، إذ تذكر بعض المعلومات عام 1980، فيما تشير أخرى إلى عام 1985.
وتألف المعسكر، وفق الروايات الواردة، من أربعة مبانٍ كبيرة من نوع المنشآت الصناعية ذات الأسقف المرتفعة، المعروفة محليًا باسم «الجملونات».. , وقد ارتبط استخدامها في البداية بالأغراض العسكرية والتخزينية، قبل أن تتحول أجزاء منها إلى أماكن للاحتجاز.
ومن المهم التمييز هنا بين المعسكر العسكري الأصلي، ومراكز الضبط والاحتجاز التي أُنشئت أو استُخدمت داخله لاحقًا؛ فالرّضوانية لم تكن منشأة واحدة متجانسة، بل مجمعًا واسعًا يضم مرافق عسكرية وأمنية ومراكز احتجاز متعددة الوظائف.
المبحث الثاني: معسكر الضبط والحرس الخاص
تشير المعلومات الواردة في بعض الشهادات والدراسات إلى أن معسكر ضبط الرضوانية ارتبط مباشرة بالحرس الخاص والحرس الجمهوري، وأن إنشاءه وتطويره جريا باقتراح وإشراف حسين كامل، الذي تولى مسؤوليات في منظومة الحماية الرئاسية.
وكان المعسكر يُستخدم لمعاقبة بعض أفراد الحرس الخاص وطواقم الحماية الرئاسية، ثم امتد نطاق استخدامه ليشمل العاملين في هيئة التصنيع العسكري وبعض الموظفين والمقربين من دوائر السلطة.
وقد ذكر المدعو سعد الأوسي، صاحب قناة «العراق الآن»، في إحدى مقالاته المنكوسة، أنه كان معتقلاً في معسكر ضبط الرضوانية عام 1987، ومما قاله:«… كنت سجيناً في إحدى زنزانات معسكر الرضوانية، حينها بدأنا نسمع أناشيد وأغاني وطنية، فنصغي إليها بدقة، وكانت ترافقها البيانات العسكرية التي تصدر عن القيادة العامة للقوات المسلحة. وكان معي في السجن مصوّر صدام حسين (طه)، و(وائل سعدون حمادي)! وغيرهما من أفراد سرايا الحماية الخاصة والحرس الخاص، ومهندسون يعملون في القصر الجمهوري، وإعلاميون ورياضيون من نادي الرشيد الرياضي، كانوا يقضون معي فترة العقوبة في سجون الرضوانية…».
وتكتسب هذه الرواية أهميتها من أنها تشير إلى أن المعسكر لم يكن مخصصًا منذ البداية لفئة واحدة من السجناء، وإنما استُخدم كذلك لمعاقبة أشخاص ينتمون إلى الدائرة الوظيفية والأمنية المحيطة بالنظام نفسه.
وهنالك أيضًا شهادة لأحد المعتقلين عن حملة اعتقالات واسعة شهدتها بغداد سنة 1987، قيل إن أوامرها تضمنت اعتقال نحو خمسمئة شخص يوميًا بصورة عشوائية، في إطار ما عُرف باسم «أسبوع الضبط».. , ويقول الشاهد إن الاعتقالات جرت في الشوارع والأماكن العامة، ثم أُلحقت بالمعتقلين اتهامات لم تكن موجودة عند القبض عليهم، فهم لم يرتكبوا جرمًا يستوجب اعتقالهم (1).
وتكشف هذه الرواية، عن نمط من الاعتقال الوقائي القائم على بث الخوف بين الناس ، لا على ملاحقة جريمة محددة.
المبحث الثالث: أقسام المعتقل ومرافقه
أن الرضوانية ضمت أقسامًا متعددة، من بينها:
1. **السجن الخاص:** وتورد الروايات أنه كان مخصصًا لفئات من المعتقلين، ومن بينهم أسرى كويتيون، إلى جانب قاعات احتُجز فيها ضباط وقادة ومسؤولون.
2. **قسم الجملونات ؛ قسم الحيوانات !! وهو الاسم الذي يطلقه مرتزقة السلطة الهجينة واوغاد ولقطاء تكريت عليه** ؛ ويضم المعتقلين الشيعة والمعارضين من اهل الجنوب والفرات الاوسط ؛ وقد عُرفت هذه القاعات بالاكتظاظ الشديد والظروف الصحية القاسية.
3. **معسكر الضبط:** وكان يُستخدم لمعاقبة أشخاص تصدر بحقهم أوامر من صدام أو أفراد عائلته أو المقربين منه.
4. **الحجز الخاص:** وهو قسم آخر لإيداع أشخاص يُرسلون من قبل مسؤولين نافذين، لأغراض سُمّيت في لغة السلطة التأديب، بينما تتحدث الشهادات عن تعرض بعضهم للتعذيب والإهانة.
5. **أقسام التحقيق والاحتجاز والتصفية:** وترد في شهادات الناجين إشارات إلى وجود أماكن متعددة للتحقيق والتعذيب، وإلى نقل السجناء بين مبانٍ وقاعات مختلفة بحسب طبيعة الملفات والأوامر الصادرة بحقهم.
كما توجد كتيبة دبابات عُرفت باسم «كتيبة دبابات عدنان» في الرضوانية ، ومقر للمدفعية، ونقطة لتوزيع أرزاق الحرس الخاص، فضلًا عن الفوج الخامس الذي ارتبط بأعمال الحماية.
وهكذا كان المعتقل جزءًا من مجمع عسكري وأمني كبير، لا يمكن فهم وظيفته بمعزل عن طبيعة السلطة التي كانت تديره.
الفصل الثاني: القصور الرئاسية ومفارقة السلطة
المبحث الأول: الجنة المغلقة والجحيم المحيط بها
في المكان نفسه الذي ضمت بعض أجزائه قاعات احتجاز وتعذيب، كان هناك مجمع رئاسي بالغ الفخامة، عُرف بقصر الرضوانية أو قصر الراية.
وتورد المصادر والتقارير أوصافًا لقصر واسع يضم نحو مئتي غرفة وأكثر من ثلاثين قاعة اجتماعات، فضلًا عن البحيرات الاصطناعية والمساجد والمنشآت الرياضية والمرافق الترفيهية.
كما تشير إلى وجود قصرين بارزين في المجمع، هما قصر الفاو وقصر النصر على إيران، فضلًا عن التلال والبحيرات الصناعية والحدائق الواسعة.
وكان المجمع محاطًا بأسوار مرتفعة وأبراج مراقبة، وتحيط به مناطق أمنية مغلقة، بحيث أصبح الاقتراب منه أمرًا محفوفًا بالمخاطر بالنسبة إلى المواطنين العاديين.
وتذكر الروايات أن المنطقة الرئاسية بدأت بوصفها مقرًا لسكن المجرم صدام وعائلته عندما كان نائبًا لرئيس الجمهورية، ثم توسعت تدريجيًا، وأُلحقت بها أراضٍ ومرافق واسعة.
أما المفارقة الأشد قسوة، فهي أن الفخامة المعمارية والحدائق والبحيرات لم تكن بعيدة عن منشآت احتجاز تروي شهادات الناجين أنها شهدت الجوع والتعذيب والإذلال والموت.
لقد كان المكان يجمع صورتين متناقضتين: حياة مترفة محاطة بالحراسة والامتيازات، وحياة أخرى خلف الأبواب المغلقة لا يملك أصحابها حق الاعتراض أو حتى معرفة مصيرهم.
وبما أن المجرم الوغد والمأبون الشاذ صدام بن صبحة لم تكن تكتمل سعادته ولا تتم فرحته إلا بسماع صراخ المعتقلين وأنين المواطنين العراقيين، فقد قرر إنشاء معتقلات للتعذيب، ومراكز للضبط، وسجون للتصفيات الجسدية في منطقة الرضوانية اللعينة، بالقرب من قصوره… وإليك شهادة بعض الشهود:
لقد شهد بعض المعتقلين بأن المجرم صدام كان يشرف شخصياً على بعض حفلات التعذيب في الرضوانية، وفي إحدى المرات أمر إحدى عاهرات القصر ومومساته بالرقص على جثث القتلى المغدورين من أحرار العراق والقفز فوقها.
وقد شهد أحد المعتقلين الناجين من الموت بأعجوبة بأنه عندما كانت تأتي فرق التفتيش التابعة للأمم المتحدة، خلال عقد التسعينيات من القرن المنصرم، كان الجلاوزة والجلادون ينقلون المعتقلين والسجناء من مكان إلى آخر. وفي إحدى المرات، وضعوهم بصورة مؤقتة في إحدى حدائق منتجع الرضوانية، حيث المياه والورود وزقزقة العصافير وقهقهات النساء العاهرات… .
المبحث الثاني: الترف الرئاسي في زمن الحصار
بعد عام 1991، توسعت مشاريع بناء القصور الرئاسية في العراق، في وقت كان فيه الحصار الاقتصادي يضغط على المجتمع، وتنهار فيه القدرة الشرائية للعملة العراقية، وتتراجع مستويات المعيشة، ويعاني المواطنون نقص الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.
وتورد المصادر والتقارير تقديرات تتحدث عن إنشاء نحو ثمانين مجمعًا رئاسيًا، وعن تكاليف مالية هائلة، تصل في بعض الروايات إلى عشرات المليارات من الدولارات.. .
لقد كانت هذه القصور الصدامية اللعينة جنةً للجلاوزة المجرمين والعملاء والجلادين، وجحيماً للعراق والعراقيين؛ إذ تشير التقديرات المتاحة إلى أن المجرم الوغد صدام شيّد نحو ثمانين مجمعاً رئاسياً في مختلف مناطق العراق، بتصاميم متنوعة وخبرات أجنبية، وقد كلّفت هذه المجمعات ميزانية العراق وخزينة الدولة عشرات المليارات من الدولارات، فيما قدّر البعض كلفتها الإجمالية بنحو ثمانين مليار دولار…!!
لكن السؤال الاقتصادي والسياسي الذي تثيره هذه المعلومات يظل جوهريًا: كيف أمكن للسلطة أن تنفق على القصور والمنتجعات الفخمة، في الوقت الذي كان فيه المواطن العراقي يواجه صعوبة في توفير احتياجاته الأساسية؟!
لقد أصبح التفاوت بين نمط حياة السلطة وزبانيتها وأوضاع المجتمع أحد أبرز مظاهر الاختلال في توزيع الموارد العامة.
وكان صدام يستقبل في منتجع الرضوانية شخصيات سياسية عربية وأجنبية، ويقيم الولائم ورحلات الصيد وحفلات الشواء، فيما تروي الشهادات أن معتقلين كانوا في أماكن قريبة يعانون العطش والجوع والتعذيب.
وكان المجرم صدام يصطاد الأسماك في بحيرة المنتجع، ليتم شواؤها على الطريقة البغدادية المعروفة بـ«المسكوف»؛ ويتذكر عدد من الرؤساء والملوك العرب الحاقدين المنكوسين، الذين استقبلهم صدام، هذا المنتجع جيداً، لجماله واحتوائه على عدد من الحيوانات المستوردة من إفريقيا.
وخلال الاحتفالات بعيد ميلاد المجرم صدام، في 28 أبريل (نيسان) عام 1996، كان قد دعا اليميني الروسي فلاديمير جيرونوفسكي، الذي عُرف بعمق صداقته مع صدام المشنوق، إلى منتجع الرضوانية، والذي خرج فيما بعد بتصريح صحفي قال فيه: «أخذني صديقي الرئيس إلى منتجع جميل، حيث احتسينا الجعة معاً، وأكلنا السمك المشوي الذي صاده صدام بنفسه، احتفالاً بعيد ميلاده».
والمشهد هنا لا يتعلق بمجرد مظاهر الترف، بل بالتناقض بين موارد الدولة التي يفترض أن تُسخّر لخدمة المجتمع، وبين استخدامها في تكريس امتيازات السلطة وحماية صورتها ومكانتها.
المبحث الثالث: قصور الشعب أم قصور السلطة؟
أطلقت الدعاية الرسمية على تلك المنشآت تسمية «قصور الشعب»، لكن التسمية لا تكفي لإثبات ملكية الشعب الفعلية لها أو انتفاعه بها.
فالمواطن الذي لم يكن يستطيع الاقتراب من أسوارها، والذي كان يخشى مجرد الإشارة إليها، لم يكن شريكًا في حياتها أو إدارتها أو الانتفاع بمرافقها.
وهكذا تحولت العبارة إلى مفارقة سياسية: قصور تحمل اسم الشعب، بينما الشعب محروم من دخولها، وممنوع من الاقتراب منها، وتعيش الاغلبية منه في فقر شديد ومدقع ...!!
تعال معي، عزيزي القارئ، لنتعرّف الآن إلى الوجه الآخر للرضوانية اللعينة؛ ففي عام 1991، شهدت أرض الرضوانية موجات من عمليات الإبادة الجماعية البطيئة والممنهجة، التي مارسها الدخلاء المجرمون والقتلة الصداميون بحق المعتقلين العراقيين العزّل. فكان المعتقل قد يظل على قيد الحياة ما دام جسده قادراً على الصمود في وجه الأمراض، والحرّ والبرد القارس، والجوع والعطش، والجنون والإرهاق والسهر والتعذيب… وما دام مستعداً للانصياع لأوامر جلادي الرضوانية، والخضوع لهم في ذلّ ومهانة؛ وإلا فإن مصيره قد يكون الانضمام إلى أكوام الجثث الملقاة على الأرض في كل مكان، أو الالتحاق بجموع المرضى والمعاقين في أحد أركان المعتقل، حيث ينتظرون دورهم في طابور الموت.
وقد يُلقى المعتقل من مكان مرتفع، أو يُرمى من طائرات الهليكوبتر، لمجرد إشباع نزوات الطغمة الحاكمة والتسلية على حساب أرواح الضحايا. وقد يُصبّ عليه «التيزاب» وهو عارٍ، ليتحوّل جسده إلى كتلة متفحمة مشوّهة، فيما يظل يصرخ من شدة الألم حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة. وقد يُساق إلى غرفة أحد الضباط أو الحراس ليتعرض للاغتصاب أو التعذيب حتى الموت، أو قد يضيق به ضابط مخمور فيطلق عليه رصاصة تخرق رأسه، أو يُربط بالسيارات ويُسحل على الإسفلت حتى الموت.
وكان الضحايا، وفقاً للشهادات الواردة، من أبناء الأغلبية العراقية في محافظات الجنوب والوسط، يُنقلون بواسطة سيارات الحمل المعروفة بـ«اللوري القلّاب»، مكدّسين بعضهم فوق بعض، في مشاهد تستحضر ما شاهده العراقيون لاحقاً في مجزرة سبايكر؛ أطفالاً ونساءً وشيوخاً ورجالاً وصبياناً وشباباً عزّلاً، يُنقلون بهذه الطريقة الوحشية، ثم يُلقَون في حفر أُعدّت مسبقاً بواسطة تلك الشاحنات، ويُدفنون أحياءً في أرض الرضوانية اللعينة.
وقد نقل أحد شهود العيان، المدعو ملا إبراهيم المصلاوي، وهو من أهالي الموصل، أنه شاهد أكثر من سيارة «لوري قلّاب» محمّلة بعراقيين من أبناء الجنوب، وقد بُترت أيدي كثير منهم وأرجلهم، وكان معظمهم قد فارق الحياة، إلا أنه أبصر بعضهم أحياءً، يئنّون من شدة الألم رغم ما أصابهم من نزيف. ويضيف أن الشاحنة كانت تقطر دماً قانياً، قبل أن تُلقى تلك الأجساد في حفر أُعدّت مسبقاً لهذا الغرض في الرضوانية.
أن المجمع الرئاسي تحول بعد عام 2003 إلى منشآت عسكرية للقوات الأميركية، عُرف بعضها باسم معسكر النصر، فيما ارتبطت مناطق أخرى بمعسكر الحصاد ومرافق الاحتجاز.
وهذا التحول اللاحق لا يمحو طبيعة الاستخدام السابق، ولا يلغي ضرورة دراسة ما جرى داخل تلك المنشآت خلال حكم النظام السابق.
الفصل الثالث: انتفاضة عام 1991 وتحويل الرضوانية إلى معتقل جماعي
المبحث الأول: الانتفاضة وقمع المدن العراقية
شهد العراق في آذار 1991 انتفاضة شعبية واسعة امتدت إلى مدن ومحافظات عديدة، ولا سيما في الجنوب والفرات الأوسط والشمال ، وشاركت فيها شرائح اجتماعية مختلفة، إلى جانب انتفاضات في مناطق أخرى من البلاد.
وقد واجه النظام الجائر تلك الانتفاضة باستخدام تشكيلات عسكرية وأمنية وقمعية مسعورة ، شملت الحرس الجمهوري والأجهزة الأمنية والقوات التابعة للسلطة، وتعرضت مدن منتفضة لقصف عسكري وعمليات اقتحام واعتقال واسعة , واعدامات ميدانية ومقابر جماعية .
ولم يقتصر القمع على المشاركين في المواجهات المسلحة؛ إذ تتحدث شهادات كثيرة عن اعتقال مواطنين لمجرد وجودهم في المدن المنتفضة، أو الاشتباه في صلتهم بالأحداث، أو العثور عليهم في الشوارع والمنازل والأماكن العامة.
وكانت النتيجة أن تحولت عشائر و عائلات بأكملها إلى ضحايا للاعتقال والتهجير والاختفاء، وأصبح الطفل والمرأة والشيخ والشاب عرضة للاقتياد إلى مراكز الاحتجاز من دون ضمانات قانونية.
وقد أُخمدت الانتفاضة بعد حملة عسكرية وأمنية قاسية، وفي ظل ظروف إقليمية ودولية لم توفر الحماية اللازمة للسكان المدنيين.
المبحث الثاني: الرضوانية بوصفها محطة مركزية للاحتجاز
بعد الانتفاضة، تحولت الجملونات والقاعات الموجودة في الرضوانية إلى مراكز احتجاز واسعة، ونُقل إليها معتقلون من محافظات مختلفة، ولا سيما من مدن الجنوب والفرات الأوسط.
وتشير الروايات الواردة إلى أن المجرم صدام كامل تولى الإشراف على جانب من إدارة المعتقل في تلك المرحلة، وأن أعداد المحتجزين بلغت عشرات الآلاف، مع تقديرات أخرى أعلى من ذلك بكثير.
وتورد التقارير والمصادر رقمين متباينين، هما أكثر من خمسين ألف معتقل، وتقدير يصل إلى مئة وخمسين ألفًا… ؛ ولا يمكن اعتماد أي منهما رقمًا نهائيًا من دون سجلات رسمية أو تحقيقات مستقلة؛ لكن اختلاف التقديرات نفسه يعكس مشكلة أساسية، هي غياب الإحصاءات الشفافة عن أعداد المحتجزين والمفقودين.
وتذكر التقارير والمصادر أن إدارة المعتقل تغيرت لاحقًا، ولا سيما بعد انشقاق المجرم حسين كامل وأفراد من أسرته عام 1995، وأن قصي صدام أصبح يشرف على اقسام مهمة من المعتقل .
لقد كان المعتقل، وفق شهادات كثيرة، مكانًا يتداخل فيه الاعتقال السياسي والعسكري والعقوبة الشخصية والتحقيق الأمني، حتى إن بعض الأشخاص كانوا يُرسلون إليه بسبب خلاف أو وشاية أو أمر يصدر عن أحد أفراد العائلة الحاكمة.
وصرّح المدعو مشعان الجبوري في هذا الصدد قائلاً: «إنه التقى بالمجرم صدام كامل في الأردن، أثناء هروبه، وكان الأخير مصاباً بمرض في عينيه، فقال له صدام كامل: إنها حوبة الناس الأبرياء الذين قتلناهم بالجملة إبان انتفاضة عام 1991». واستطرد الجبوري قائلاً إن صدام كامل، بعدما أُنهك من استخدام الرشاش في حصد أرواح المئات من المعتقلين، لجأ إلى استخدام نوع ثقيل من الرشاشات، يُحمَل على السيارات والآليات العسكرية، ويُشغَّل بالضغط على دواسة بالقدمين، ويطلق عدداً كبيراً جداً من الطلقات الفتاكة في آنٍ واحد، وقد استُخدم هذا السلاح ضد المعتقلين في الرضوانية… وهكذا سقط المئات تلو المئات، وقُتلوا أفراداً وجماعات، في مشاهد تنمّ عن وحشية لا حدود لها.
وقال الجبوري في موضع آخر إنهم كانوا يعلّمون أطفالهم صيد الحيوانات، وإنهم كثيراً ما كانوا يُخرجون معتقلين من السجون، كالرضوانية وغيرها، ثم يأمرونهم بالركض والعدو، فيما يبدأون هم بالقنص والصيد، وكأنهم يتعاملون مع طرائد من الحيوانات؛ فيتساقط أحرار العراق كما تتساقط أوراق الخريف.
المبحث الثالث: من الاعتقال إلى الاختفاء القسري
كان الاعتقال في الرضوانية بداية مجهولة المصير بالنسبة إلى كثير من العائلات.
فالأهل لا يعرفون مكان أبنائهم، ولا يستطيعون الحصول على معلومات عنهم، ولا يملكون وسيلة قانونية موثوقة لمعرفة ما إذا كانوا أحياء أو أمواتًا.
وفي بعض الحالات، لم تكن العائلة تعلم بوفاة المعتقل إلا بعد مدة طويلة، وفي حالات أخرى لم يصلها أي خبر.
وتشير الشهادات إلى نقل بعض الجثث إلى مقابر جماعية داخل المعسكر أو خارجه، وإلى استخدام الآليات الثقيلة في حفر مواقع الدفن… ؛ كما تورد روايات عن نقل جثث بواسطة مروحيات إلى مناطق صحراوية قرب الحدود العراقية السورية .
إن الاختفاء القسري لا يقتصر على حرمان الضحية من حريته، بل يمتد إلى تعذيب الأسرة نفسيًا، وإبقائها معلقة بين الأمل واليأس، من دون القدرة على إقامة حداد أو معرفة مكان دفن ابنها.
المبحث الرابع :المقابر الجماعية في الرضوانية: حين أصبح الموتى أرقاماً مجهولة في ذاكرة الجلادين
ونقلاً عن شهادات ناجين من معتقل الرضوانية، فإن آلاف المعتقلين تعرّضوا للإعدام خلال السنوات التي أعقبت أحداث عام 1991، بعد اعتقالهم من مختلف أنحاء العراق ونقلهم إلى ذلك المعتقل الرهيب، الذي غدا اسمه مرادفاً للموت والرعب في ذاكرة العراقيين.. , ولم يكن الخروج منه سالماً أمراً مألوفاً؛ إذ لم ينجُ من بين أعداد المعتقلين إلا عدد قليل، فيما تعرّض كثير ممن بقوا على قيد الحياة لأصناف مروّعة من التعذيب الجسدي والنفسي، وانتهى المطاف بأعداد منهم إلى الإعدام أو الاختفاء القسري.
ولم تكن عمليات القتل والإعدام الجماعي سوى جانب من المأساة؛ فقد اقترنت بها عمليات دفن جماعي وإخفاء متعمّد لجثامين الضحايا، في محاولة لطمس آثار الجرائم وحرمان ذوي المغدورين من معرفة مصائر أبنائهم. وتشير تقارير حقوقية دولية إلى أن عمليات إعدام نُفّذت بانتظام داخل معسكر الرضوانية، وأن بعض الضحايا أُعدموا رمياً بالرصاص، ثم دُفنوا في مقابر جماعية داخل المعسكر، فيما أُحرق آخرون، وأُعيدت جثامين بعض الضحايا إلى ذويهم وهي تحمل آثار التعذيب والتشويه.
ولعل ما يزيد هذه الجرائم بشاعة أن المقابر الجماعية لم تكن مجرد أماكن لدفن الجثث، بل تحوّلت إلى وسيلة لإخفاء الأدلة وقطع آخر خيط يربط الضحية بأسرته وهويته. فالمعتقل الذي كان يُساق إلى الإعدام قد يُدفن في حفرة لا تحمل اسماً ولا شاهداً، وقد يُوارى جسده مع أجساد آخرين لا يعرف بعضهم بعضاً، من دون أن تتاح لأسرته فرصة توديعه أو إقامة مراسم تشييع تليق بكرامته الإنسانية. وهكذا لم يكن الضحايا يُحرمون حقهم في الحياة فحسب، بل كانوا يُحرمون، حتى بعد موتهم، حقهم في الدفن الكريم ومعرفة مصير رفاتهم.
وفي ظل السرية التي أحاطت بالسجون والمعتقلات والأجهزة الأمنية، لم يكن في مقدور العراقيين، ولا سيما ذوي المعتقلين والمفقودين، معرفة العدد الحقيقي للمعتقلات وأماكنها، أو تحديد المواقع التي دُفنت فيها جثامين الضحايا على نحو دقيق. فقد كانت المعلومات المتعلقة بأماكن الاحتجاز والإعدام والدفن محاطة بالتكتم الشديد، ولم تكن الأسر تتمتع بإمكانية الوصول المنتظم إلى أبنائها أو الاطمئنان على أحوالهم، فضلاً عن معرفة مصير من اختفوا خلف أبواب المعتقلات. كما حُرمت عائلات كثيرة من الحصول على معلومات موثوقة بشأن أماكن دفن أبنائها، وضاعت بذلك أدلة وحقائق مؤلمة مع الضحايا الذين لم يُعرف لهم قبر، ولم يُعثر على رفاتهم، ولم تُتح لذويهم فرصة إقامة مأتم يليق بهم.
أما عن أساليب التخلص من جثامين المغدورين، فقد وردت في بعض الإفادات والتقارير روايات تفيد بأن الضحايا كانوا يُدفنون داخل المعسكر أو خارجه، في مقابر جماعية أو قبور فردية، فيما تحدثت روايات أخرى عن نقل بعض الجثامين بواسطة طائرات الهليكوبتر وإلقائها في مناطق صحراوية قرب الحدود العراقية السورية، لتصبح عرضة للضياع والافتراس، بعيداً عن أعين ذوي الضحايا وعن أي إمكانية للتعرف إلى هوياتهم… ؛ وهذه الجرائم المروعة تكشف عن مستوى بالغ من الوحشية والاستخفاف بحرمة الإنسان وحقه في الدفن الكريم، حتى بعد أن يفارق الحياة.
ولم تكن هذه الجرائم، وفقاً للشهادات المنقولة، تجري في أجواء من الخوف والصمت فحسب، بل كان بعض الحراس والجلادين يتعاملون مع موت المعتقلين بقدر من الاستهتار والسخرية وانعدام الإحساس الإنساني. فقد نقل بعض الشهود أن حراس الرضوانية وزبانية المعتقل كانوا يقهقهون ويضحكون كلما مات أحد المعتقلين، ويرددون بعبارات تنمّ عن أقصى درجات الاحتقار للإنسان: «يموت جلب ويجي جلب بمكانه!!»، أي إن موت معتقل لا يعني لهم شيئاً، لأن معتقلاً آخر سيأتي ليحل محله، وهكذا تستمر دوامة الاعتقال والتعذيب والقتل، وكأن الإنسان ليس سوى رقم قابل للاستبدال في سجلات الجلادين.
إن هذه العبارة، على قسوتها وانحطاط دلالتها، تختزل جانباً من العقلية المريضة والنفسية الحاقدة التي حكمت بعض مراكز الاحتجاز في تلك المرحلة؛ عقلية نزعت عن الضحية إنسانيتها، وحوّلت الموت إلى واقعة اعتيادية لا تستحق التوقف أو الأسى.. , فحين يصبح موت الإنسان مناسبة للضحك، وتُعامل الجثامين بوصفها عبئاً ينبغي التخلص منه، نكون أمام انهيار كامل للقيم الإنسانية والأخلاقية، وأمام منظومة قمع لم تكتفِ بسلب الناس حرياتهم، بل سعت إلى سحق كرامتهم وإلغاء وجودهم حتى بعد موتهم.
ومن هنا، فإن دراسة المقابر الجماعية المرتبطة بمعتقل الرضوانية لا ينبغي أن تقتصر على تحديد مواقع الدفن أو تقدير أعداد الضحايا، على أهمية ذلك، بل يجب أن تتناول أيضاً منظومة الإخفاء والتعتيم التي أحاطت بعمليات الاعتقال والإعدام والتخلص من الجثامين.. , فكل قبر جماعي مجهول يمثل مأساة أسرة لا تعرف أين انتهى مصير ابنها، وكل رفات لم تُعرّف هويته تمثل إنساناً سُلب حقه في أن يُعرف ويُذكر ويُدفن بكرامة.. , ولذلك فإن الكشف عن هذه المقابر، وتحديد هويات الضحايا، وإعادة رفاتهم إلى ذويهم، وتوثيق شهادات الناجين، ليست مجرد مهمات تاريخية أو جنائية، بل هي واجبات أخلاقية وإنسانية وحقوقية، وحقوق لا تسقط بالتقادم.
الفصل الرابع: منظومة التعذيب وتدمير الإنسان
المبحث الأول: التعذيب الجسدي
تتكرر في شهادات الناجين أوصاف لأساليب تعذيب قاسية، منها:
– الضرب بالعصي والهراوات والقضبان المعدنية والخراطيم.
– الجلد بالسياط وأدوات مختلفة.
– الضرب على باطن القدمين، المعروف بالفلقة.
– تعليق المعتقلين من الأيدي أو الأرجل لساعات طويلة.
– الصعق الكهربائي في مناطق مختلفة من الجسد.
– الحرق بالسجائر والمواد الحارقة.
– نزع الأظافر أو ثقب الأطراف بالأدوات الكهربائية.
– وضع الملح والفلفل الحار على الجروح.
– الحرمان من الطعام والماء والنوم.
– التعريض للشمس والحرارة الشديدة.
– الإذلال الجنسي والاعتداءات الجنسية.
– التهديد بالإعدام وتنفيذ الإعدام الوهمي.
وتصف إحدى الشهادات تجريد معتقلين من ملابسهم وتعليقهم في أوضاع مؤلمة، فيما تذكر أخرى أن بعضهم كان يُجبر على الوقوف حافيًا فوق صفائح معدنية ساخنة تحت أشعة الشمس.
وترد أيضًا روايات عن استخدام مادة التيزاب، أي الأحماض الحارقة، في الاعتداء على بعض المعتقلين .
إن التعذيب في هذه الروايات لا يظهر بوصفه وسيلة لانتزاع الاعترافات فحسب، بل بوصفه وسيلة لإخضاع الإنسان وكسر إرادته وتحويله إلى شخص خائف عاجز عن الاعتراض.
المبحث الثاني: التعذيب النفسي والإذلال المنظم
لم تكن الآلام الجسدية وحدها هي التي طبعت تجربة المعتقلين؛ فقد تعرض كثير منهم لأساليب إذلال نفسي متعمدة.
وتتحدث الشهادات عن إجبار المعتقلين على تقليد أصوات الحيوانات، والرقص والبكاء والضحك بأوامر الحراس، وإقامة مشاهد تمثيلية مهينة، وإجبار بعضهم على تمثيل أدوار العريس والعروس وسط التصفيق والسخرية.
كما تذكر إجبار بعض السجناء على الضحك ساعة، ثم البكاء واللطم ساعة أخرى، ثم تقليد أصوات الحيوانات، في محاولة لاستنزاف طاقتهم النفسية وإحداث اضطراب في سلوكهم.
وكان الإعدام الوهمي من الأساليب التي وردت في بعض الشهادات والتقارير؛ إذ تُعصب عينا المعتقل، ويُربط إلى عمود، ثم يتلى عليه قرار إعدامه، وتُطلق طلقات في الهواء أو بالقرب منه.
إن المقصود من هذه الأساليب يتجاوز إيلام الجسد إلى تحطيم الشعور بالأمان والسيطرة على الذات، وجعل المعتقل عاجزًا عن التمييز بين التهديد والتنفيذ الفعلي.
المبحث الثالث: الماء والغذاء بوصفهما أداتين للتعذيب
من أكثر الصور الإنسانية إيلامًا في شهادات الرضوانية صورة المعتقل الذي لا يملك حتى حق شرب الماء بإرادته.
ففي شهادة الكاتب قاسم البريسم، وكذلك في رواية كاظم حسن سعيد، ترد أوصاف لتوزيع الماء بطريقة مهينة؛ إذ يُطلب من السجناء فتح أفواههم والانتظار حتى يقطر الحارس الماء فيها.
وكان الحارس، بحسب الشهادة، يقرر كمية الماء التي يحصل عليها كل معتقل وفق مزاجه، وقد يوقف الصنبور فجأة أو يوجه الماء إلى أذن السجين أو عينه بدلًا من فمه.
أما الطعام، فتصف شهادات أخرى تقديم نصف صمونة أو ربعها، مع كميات محدودة من الشاي والرز والمرق المخفف.
وهكذا لم يعد الماء والغذاء حقين أساسيين، بل تحولا إلى وسيلتين للإذلال والتهديد والمساومة.
المبحث الرابع : شهادات عن قتل الرضّع وتعذيب الأطفال وحرق العائلات والمعتقلين في الرضوانية
وتتضمن بعض الشهادات المنقولة عن ناجين من معتقل الرضوانية روايات بالغة الفظاعة عن الانتهاكات التي طالت الأطفال والرضّع، فضلاً عن حرق العائلات والمعتقلين باستخدام مادة البنزين… ؛ وهي روايات، إن ثبتت تفاصيلها، تكشف عن مستوى بالغ من الوحشية والتجرد من أبسط القيم الإنسانية، إذ لم تقتصر ممارسات التعذيب على الرجال والنساء البالغين، بل امتدت، بحسب تلك الإفادات، إلى الأطفال الذين لا يملكون من أمرهم شيئاً، ولا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في أسر وقعت تحت سطوة آلة القمع.
تصوّر، عزيزي القارئ، أن الضابط المجرم جمال التكريتي، المكنّى بأبي مصطفى، من أهالي مدينة العَلَم، أمسك بقدم طفل رضيع في إحدى غرف التحقيق أو التعذيب في الرضوانية، ثم أخذ يضرب برأسه الحائط حتى تهشّم أمام عيني والديه المكبّلين بالأصفاد، فيما كانت السياط تنهال على جسديهما… ؛ إنها صورة مأساوية، تنقلها إحدى الروايات المنسوبة إلى شهود على تلك الوقائع، وتكشف عن قسوة لا يمكن للعقل الإنساني أن يستوعبها بسهولة؛ إذ تحوّلت براءة الطفل الرضيع إلى هدف للعنف، وأُجبر والداه على مشاهدة مقتله وهما عاجزان عن حمايته أو إنقاذه.
ومن بين الأسماء التي ترد في بعض الروايات المتعلقة بجرائم الرضوانية، محمد بدي التكريتي، شقيق المخرج حسين التكريتي؛ إذ تنسب إليه إحدى الشهادات قيامه بحرق عائلة جنوبية علوية باستخدام مادة البنزين، أمام أنظار المعتقلين، الذين وقفوا مذهولين إزاء هول المشهد وفظاعة الجريمة… ؛ ولم يكن إحراق عائلة بأكملها، وفقاً لهذه الرواية، مجرد فعل قتل، بل صورة من صور التعذيب الجماعي والإرهاب النفسي الذي استهدف المعتقلين، من خلال إجبارهم على مشاهدة احتراق بشر أمام أعينهم، من دون أن يمتلكوا القدرة على التدخل أو إنقاذ الضحايا.
إن استهداف الأطفال والرضّع، وحرق العائلات والمعتقلين، يمثل، إذا ثبتت هذه الإفادات، وجهاً بالغ القتامة من وجوه الجرائم التي ارتُكبت في معتقل الرضوانية… ؛ فالتعذيب هنا لم يكن موجهاً إلى الجسد وحده، بل امتد إلى تحطيم الروابط الأسرية، وإذلال الوالدين، وإرهاب بقية المحتجزين، وتحويل مشاهد الموت والعجز إلى أدوات للضغط النفسي والترويع.. , وهكذا لم تكن الرضوانية، في شهادات بعض الناجين، مجرد مكان للاحتجاز، بل فضاءً لانتهاك الكرامة الإنسانية واستباحة الحياة، من دون اعتبار لعمر الضحية أو جنسها أو صلتها بالمعتقلين.
الفصل الخامس: شهادات الناجين والشهود
إن القيمة الكبرى لهذه الشهادات والتقارير والدراسات لا تكمن في وصف الجدران والأسوار وحدها، بل في أصوات الذين دخلوا المعتقل، وعاشوا تفاصيله، وشاهدوا ما وقع لرفاقهم، ثم خرج بعضهم ليحملوا تلك الذاكرة طوال حياتهم.
وفيما يأتي شهادات حية عن ما كان يجري في معتقل الرضوانية .
المبحث الأول: شهادة الشيخ رحيم صحن الأزيرجاوي
ينقل الشيخ رحيم صحن الأزيرجاوي مشاهد من داخل المعتقل، فيصف عددًا من السجناء وهم معلقون من أقدامهم بحلقات خشبية تتدلى من أعمدة حديدية، تحت أشعة الشمس اللاهبة.
وكانت ملامحهم، بحسب وصفه، توحي بالذهول والانقطاع عن العالم المحيط، نتيجة ما تعرضوا له من آلام وإرهاق.
كما يذكر أن بعض الضباط المحسوبين على الأغلبية العراقية تعرضوا للتعرية والاعتداء على ظهورهم بالحراب الحادة، ثم وضع الملح والفلفل الحار على الجروح.
ويتحدث عن مجموعة من المعتقلين جرى حصرهم في زاوية محاطة بالأسلاك الشائكة، وهم عراة، ثم تعرضوا للضرب بالعصي الخشبية والحديدية والبلاستيكية.
ويضيف أن بعض المعتقلين كانوا يُعصبون وتُقيد أيديهم وتُعلق أجسادهم في أوضاع ملتوية، ويتعرضون للصعق الكهربائي والجلد والحرق بالسجائر ونزع الأظافر.
ويؤكد في شهادته أن وتيرة التعذيب كانت تشتد عندما يقال إن «الواجب قد جاء»، في إشارة إلى زيارة المجرم صدام أو بعض أفراد أسرته للمعتقل.
وتتضمن شهادته : بأن صدام وعدي وقصي كانوا يزورون المعتقل ويشاهدون بعض عمليات التعذيب بأنفسهم .
المبحث الثاني: شهادة الدكتور حميد الطرفي وقصة هادي الشوكي
يروي الدكتور حميد الطرفي أن عددًا من السجناء في أبي غريب كانوا قد أمضوا سنوات طويلة في الاعتقال، وأن بعضهم قضى عشر سنوات أو ثماني سنوات في ظروف من التعذيب والجوع والحرمان.
وبعد انتفاضة عام 1991، دخلت قوات الحرس الرئاسي والأمن الخاص والأمن العام إلى السجن، واقتادت مجموعة من المعتقلين إلى الرضوانية، وكان من بينهم خطيب المنبر الحسيني الراحل هادي الشوكي.
وإليك هذه القصة المؤلمة التي يرويها لنا السجين الحر، الدكتور حميد الطرفي:
((أتذكر عندما كنا في سجن أبي غريب، وبعد أن أمضى بعضنا عشراً، وبعضنا ثماني سنين عجاف، طحنتنا تعذيباً وألماً وفراقاً وجوعاً وعطشاً، وبالتحديد بعد انتفاضة شعبان عام 1991، صال الحرس الرئاسي والأمن الخاص والأمن العام على سجننا أيضاً، ليأخذوا مجموعة من السجناء إلى معتقل الرضوانية الرهيب. فكان من بين من تم اقتيادهم إلى هناك أحد خطباء المنبر الحسيني، المرحوم هادي الشوكي. فحدثنا، بعد عودته وإعدام عدد من إخوانه، أنه ذات ليلة تم استدعاؤه إلى غرفة التحقيق، ليجد هناك صدام كامل، صهر الديكتاتور صدام حسين، وشقيقه حسين كامل، صهره الثاني، وكان معه عدد من ضباط التحقيق، يقهقهون ويضحكون في حفلة تعذيب وإعدامات لهوية للمعتقلين، فسأل صدام كامل السيد هادي الشوكي: ماذا كنت تعمل عندما كنت خارج السجن؟ فأجابه: خطيب منبر وطالب دين. فأخذ يناقشني في قضية الحسين عليه السلام وسبب خروجه، وأنا أستمع فقط، ثم قهقه بصوت عالٍ، وقهقه معه الحاضرون من الجلاوزة. ثم قال صدام كامل، يلوك كلامه، وهو أشبه بالثمل من تناول الخمرة: إذن فصوتك جميل وتجيد الغناء، أنا سأقرأ لك تعزية، وأنت ردد كل ما أقول، وهذا المسدس بيدي، وبشرف الرئيس القائد صدام، سأطلق عليك النار إن لم تردد ما أقول. ثم أخرجه من الغرفة ومعه الجلاوزة ومسدسه بيده، فأطلق طلقةً فوق رأسه تحذيراً وإنذاراً، وأخذ يردد بما يشبه اللحن: (طب حسين بالكوفة … يدور سمجة مسكوفه)، ويطلب من السيد الشوكي ترديد هذه النكتة المقرفة …))
وتكشف هذه الشهادة، عن توظيف الإهانة الدينية والمذهبية في سياق التعذيب، وتحويل المعتقد الديني إلى أداة للضغط النفسي على المعتقل.
المبحث الثالث: قصة جواد كحن من السماوة
ومن أكثر الروايات إيلامًا في الشهادات والتقارير قصة الشاب جواد كحن، الذي اعتُقل خلال قمع الانتفاضة في مدينة السماوة أواخر آذار 1991، ثم نُقل إلى الرضوانية مع أعداد كبيرة من المعتقلين... ؛ وتُنسب تفاصيل الحادثة إلى شاهد من أهالي الشامية نجا من المعتقل.
واليكم تفاصيلها : جواد كحن اعتُقل على يد ما يُسمّى قوات القدس، التابعة للحرس الجمهوري الصدّامي، إبان دخولها مدينة السماوة في أواخر شهر آذار من عام 1991، لقمع انتفاضة شعبان، وذلك بعد مصادمات مسلّحة انتهت بإلقاء القبض عليه. ثم اقتادوه إلى معتقل الرضوانية في بغداد، مع أعداد غفيرة من المعتقلين القادمين من محافظات الوسط والجنوب المنتفضة.
(( يسولف صديق من أهل الشامية، كتب الله له الحياة، وخرج بأعجوبة من سجن الرضوانية، وكان شاهداً على الحادثة.
يگول، والحديث لابن الشامية: لما دخل المقبور (صدام كامل)، حماية صدام الملعون بذاك الوكت.
يگول: وگف بنص المعتقلين، شاهر مسدسه، وإحنا بحدود أربعة آلاف معتقل، وصار يغلط على أخواتنا وأمهاتنا، ويسبّ الشيعة، ويگول: تردون الحكم يصير الكم؟ ومن هالكلام الطائفي، وإحنا لاحول ولا قوة النه.
وبهالاثناء، صاح: «اليحب الحسين يصير على صفحة اليمين، والما يحب الحسين يصير على صفحة اليسار». وكان المسدس بيده، وقبل هذا الكلام رمى أربع طلقات، وقتل أربعة من المعتقلين بصورة عشوائية.
يگول: كلّ إحنا صرنا بصفحة اليسار، باعتبار ما نحب الحسين، حتى نخلّص أرواحنه… وبقى بس جواد الگحن على صفحة اليمين، وسط ذهول الجميع وتعجّب قوات النظام الصدّامي.
التفت صدام كامل لجواد، وگاله: «يعني انته تحب الحسين مو!!!»
«(عجل يابه) اليوم أسويك عبره، وأخلي الما يشتري يتفرج…»
ردّ جواد بصوت عالٍ، وصاح: «شتسوي سوي، وشغلة أعوف الحسين وأنكر محبته، هاي سالفة؟؟؟»
صاح صدام كامل: «جيبولي تاير مال لوري!» (إطار سيارة حمل كبير جداً).
وربطوا جواد، وخلوه وسط التاير، وداروا بانزين على التاير، وجواد مربوط بنصّه. واشتعلت النار بيه شويّة شويّة، لحد ما التهب التاير. وبعد ما عدنا نشوف جواد، لأن النار علت والدخان أخذ مساحة المكان، بس نسمع جواد يصيح: «يا أبا عبد الله، يا حسين، يا حسين!»
وظلّ صوته يضعف ويضعف ويضعف، وتالي سكت الصوت، وعرفنا أن جواد مات، وأن آخر كلماته كانت صيحاته: «يا حسين، يا حسين».
ولما تيقّن المقبور صدام كامل أن جواد مات، سأل المعتقلين وگال: «هذا جواد من أي ولاية؟؟؟»
گالوا: «من أهل السماوة».
تالي دار وجهه وطلع…!!
كل المعتقلين تندّموا على موقفهم المخزي، وبقوا يلومون بأرواحهم: ليش ما سوّينه مثل جواد؟ مع العلم إحنا أول وتالي معدومين…)) .
إن هذه الرواية، بما تحمله من تفاصيل، لا تمثل مجرد قصة عن قتل معتقل، بل تكشف عن توظيف الهوية الدينية في اختبار الولاء، وتحويل الانتماء المذهبي إلى ذريعة للإذلال والانتقام.
المبحث الرابع: شهادات الاعتداء على رجال الدين
تورد التقارير والمصادر والشهادات ؛ رواية عن استجواب السيد محمد سعيد الحكيم، وأفراد من أسرة آل الحكيم، في سجن أبي غريب، بحضور صدام كامل.
وتذكر أن الأخير عرض مكافأة على أحد الجلادين مقابل انتزاع اعتراف من السيد محمد سعيد الحكيم، وأن أحد الحراس تطوع للمهمة، ثم استخدم الضرب واللكم والركل والتعليق بالمروحة وأساليب أخرى من التعذيب (3).
كما تشير الشهادات إلى اعتقال السيد محمد محمد صادق الصدر وبعض أولاده في الرضوانية، وتعرضهم للإهانة والضرب... ؛ وتذكر اعتقال السيد علي السيستاني بعد الانتفاضة، إلى جانب عدد من رجال الدين، ومنهم الشيخ مرتضى البروجردي، والسيد الخلخالي، والقزويني، وإبراهيم الخوئي، وعز الدين بحر العلوم، والشيخ علي الرحيماوي... ؛ وتشير إلى تعرض بعض هؤلاء للضرب والتعذيب في فندق السلام ومعتقل الرضوانية، وإلى مقتل عدد منهم أو اختفاء جثامينهم .
كما تتحدث عن إعادة التحقيق مع سجناء أبي غريب بعد اتهامهم بالمشاركة في تحريك الانتفاضة من داخل السجن، ونقل بعضهم إلى الرضوانية، حيث أُعدم عدد منهم أو اختفوا.
المبحث الخامس: شهادة الشاعر عبد السادة البصري
يقول الشاعر عبد السادة البصري إنه اعتُقل في مدينة البصرة عام 1992، ثم نُقل معصوب العينين وموثوق اليدين إلى بغداد.
ويذكر أن عملية نقله رافقتها الضربات والشتائم، وأنه لم يكن يعرف التهمة الموجهة إليه.
وعند وصوله، خضع للتحقيق تحت التعذيب، وكانت عملية الاستجواب، بحسب شهادته، تجري بإشراف صدام كامل.
وتوضح هذه الشهادة أن الاعتقال لم يتوقف بانتهاء الانتفاضة، بل استمر في السنوات اللاحقة، واستهدف أشخاصًا لم تكن لهم بالضرورة صلة مباشرة بالأحداث العسكرية والانتفاضة الشعبانية .
المبحث السادس: شهادة الشاعر نصير غدير
يروي الشاعر نصير غدير أن الرضوانية تحولت عام 1991 إلى مركز واسع لاستقبال المعتقلين القادمين من المدن المنتفضة.
ويقول إن الأرتال كانت تصل محملة بالمعتقلين من الجنوب والفرات الأوسط، وإن عملية توزيعهم كانت تتم بإشراف شخصيات نافذة، منها حسين كامل وصدام كامل وأرشد ياسين وغيرهم.
وكان المعتقلون يُنقلون إلى جهات لا يعرفون طبيعتها، قبل أن يتضح لبعضهم أن تلك المسارات تقود إلى أماكن احتجاز وتعذيب، أو إلى مواقع دفن جماعي.
وتختصر شهادته حالة الغموض التي كانت تحيط بمصير المعتقلين، إذ لم يكن السجين يعرف إن كان سينتهي إلى قاعة احتجاز أو غرفة تحقيق أو مقبرة.
المبحث السابع: شهادة حيدر العلاق عن معاقبة الجنود
ينقل حيدر العلاق، الذي خدم في الحرس الجمهوري خلال فترة التجنيد الإلزامي في التسعينيات، أن آمر وحدته أمر الجنود بكنس فناء المقر.
وبعد إتمام المهمة، تبادل بعض الجنود النكات وضحكوا، فشاهدهم آمر الوحدة وأمر بمعاقبتهم في الرضوانية لمدة يومين.
ويقول إنهم استُقبلوا بالركلات والسياط، ثم أُجبروا على أداء تمارين بدنية مرهقة، منها تمرين الضغط نحو مئة وخمسين مرة.
وبعد ذلك أُمروا بالاستلقاء على الأرض، وهم لا يرتدون سوى الملابس الداخلية، ثم تعرضوا للضرب بالسياط حتى تمزقت جلود ظهورهم.
ويضيف أنهم أُجبروا على الوقوف حفاة فوق خزانات معدنية تحت شمس تموز، كما شاهدوا معتقلين آخرين يتعرضون للتعذيب والإذلال الجنسي والحرق بالمواد الحارقة، وانتزاع الأظافر والإعدام الوهمي.
ويذكر كذلك إجبار بعض المعتقلين على تمثيل مشاهد مهينة، والرقص والضحك والبكاء وتقليد أصوات الحيوانات، في محاولة لتحطيمهم نفسيًا.
وهذه الشهادة مهمة لأنها تشير إلى أن سلطة العقاب لم تكن تستهدف المعارضين السياسيين وحدهم، بل امتدت إلى أفراد من المؤسسة العسكرية نفسها، عندما خرجوا عن قواعد الطاعة التي فرضتها السلطة.
المبحث الثامن: تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة
تنقل الدراسة عن المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعراق، ماكس فان دير شتول، أن الحكومة العراقية أعدمت أكثر من ألف وخمسمئة معتقل سياسي في سجني أبي غريب والرضوانية خلال شهري تشرين الثاني وكانون الأول 1997، في إطار ما عُرف بحملة تطهير السجون.
وتذكر الرواية أن الحملة جاءت بعد زيارة قصي صدام للسجنين، وأن من بين الذين شملتهم الإعدامات سجناء محكومًا عليهم بالسجن لمدد تتراوح بين خمس عشرة وعشرين سنة.
كما ورد أن بعض الجثث التي أعيدت إلى أسر أصحابها كانت تحمل آثار تعذيب.
وتبرز أهمية هذا التقرير في أنه ينقل القضية من نطاق الشهادات الفردية إلى نطاق المتابعة الدولية، ويشير إلى أن الانتهاكات لم تكن مرتبطة بأحداث عام 1991 وحدها، بل استمرت خلال سنوات لاحقة.
المبحث التاسع: شهادة الكاتب قاسم البريسم
تُعد شهادة الكاتب البصري قاسم البريسم من أطول الشهادات ، وأكثرها تفصيلًا في وصف رحلة المعتقل من البصرة إلى الرضوانية.
اذ يبدأ البريسم حديثه بوصف الفوضى التي أصابت سجن البصرة المركزي، وانتشار الوساطات والعلاقات بين بعض الضباط والمنتسبين، ثم ظهور محاولات لتغيير الإفادات والاعترافات بغية تخفيف العقوبات أو النجاة من الموت.
ويذكر أن الأمن والمخابرات توليا فرز ملفات آلاف المنتفضين، وتحديد طبيعة نشاطاتهم، ثم إرسال أصحاب الملفات التي اعتُبرت مهمة أو معقدة إلى الرضوانية في بغداد.
وكان من بين المنقولين أبرياء لم تثبت بحقهم تهم حقيقية، كما مات كثيرون، وبقي آخرون في السجون.
ويصف البريسم خذلان أحد أقرب الناس إليه، الذي أدلى باعترافات ضده، وألقى عليه مسؤولية نشاطات لم يكن يتحملها وحده، الأمر الذي وضعه في طريق الرضوانية.
ويقول إنه اختار تحمل العذاب وحده، ولم يشأ أن يزج بأشخاص آخرين في الاعترافات، رغم قدرته على تحميلهم المسؤولية.
وفي الأسبوع الأخير من نيسان 1991 بدأت قوافل المعتقلين تغادر سجن البصرة المركزي باتجاه الرضوانية، وكان اسمه ضمن الوجبة الثانية التي غادرت في الساعة الثالثة فجرًا من يوم 26 نيسان.
ويصف الحافلة التي نقلتهم بأنها كانت تحمل رائحة الموت، وأنهم ودعوا بصمت شوارع البصرة وأماكن ذكرياتهم، مثل العشار وساحة أم البروم وشط العرب.
وكانت أعينهم معصوبة، وأيديهم مقيدة، وكل واحد منهم يتساءل عن مصيره.
ويصف البريسم الصراع النفسي بين الخوف من الموت والتعلق بالحياة، وكيف ظلت الذكريات الجميلة تقاوم الصور المرعبة التي كانت تقتحم ذهنه.
وعندما وصلت الحافلة إلى الرضوانية، وجدوا في استقبالهم حراسًا يحملون العصي والهراوات والأسلحة، وبدأ ما سُمّي باستقبال المعتقلين، وهو في الحقيقة اعتداء جماعي عليهم.
ويقول إن كل واحد منهم تلقى ضربة عند الدخول، ثم اقتيدوا إلى قاعة مكتظة بالمعتقلين.
وبعد فترة قصيرة دخل الحراس وانهالوا عليهم بالضرب، ثم غادروا تاركينهم يضمدون جراحهم بأنفسهم.
أما الماء، فيصفه البريسم بأنه كان يُوزع وفق قواعد مهينة؛ إذ يُطلب من المعتقل فتح فمه والانتظار حتى يقطر الحارس الماء فيه.
وكان الحارس يستطيع أن يمنحه قطرات قليلة أو يوقف الماء عنه أو يسكبه على الأرض، وفق مزاجه.
ويصف البريسم كيف كان المعتقلون يستحضرون دجلة والفرات وهم ينتظرون قطرات الماء، وكيف تحول أبسط حق إنساني إلى وسيلة للسخرية والتعذيب.
ومن أكثر مشاهد شهادته إيلامًا قصة شاب من الهارثة، لم يتجاوز العشرين، كان يعاني مرضًا ونزيفًا في الكليتين نتيجة التعذيب السابق في البصرة.
وعندما وضع الحارس صنبور الماء في فمه، تشبث به الشاب بصورة غريزية لشدة عطشه، فانهال الحراس عليه بالضرب.
ثم دُفع الماء إلى فمه بالقوة حتى خرج من أنفه وفمه، بينما كان الحراس يضحكون، إلى أن فارق الحياة أمام المعتقلين.
وظل جسده ممددًا في القاعة حتى الصباح، قبل أن يُسحب مع جثث أخرى، وتأتي سيارة لنقل الجثث التي وصفها السجناء بسيارة النفايات (4).
كنا نراقب دون حراك؛ كان المشهد يذبحنا ألماً، ولكن ماذا نفعل، وأمل النجاة الضئيل يشدّنا إلى الحياة، ويصادر ما تبقّى من شجاعتنا. ومهما يكن، فلا قيمة للشجاعة في أرض الرضوانية، ولا مجال للاحتجاج أو الرفض، ما دام قانون الرضوانية يبيح القتل والموت بنسبة 100% في صفوف المنتفضين.
ماذا يفعل المظلوم أمام سيف الظالم، والمقيّد بالأصفاد أمام الجلاد؟ إنها ليست مواجهة عادلة أو متكافئة، وليست مواجهة حرّة.. , وحينما كانت المواجهة حرّة، شهدت بطولات أولئك الذين كانوا يموتون دون حراك.
كان الشاب يستسلم للموت، ويسبل يديه له، عندما وضع الحرس صوندة الماء في فمه انتقاماً منه. وحين سقط، دفعها مرة ثانية بقوة إلى عمق فمه، وأمسك الحارس بالصوندة كي يمتلئ جوف صاحبنا، الميت الحي، بالماء. وظل الحارس ممسكاً بصوندة الماء، والماء يتدفق إلى جوفه، حتى بدأ يفيض من أنفه وفمه.
كنا نراقب ذلك الحزن البشري والفزع الإنساني، ونموت وجعاً، في الوقت الذي كان فيه الحرس يضحكون على مشهده، ويسبّون ويشتمون. وبين ضحكات الحراس واستهزائهم، وبين صمتنا الحزين الدامي، غادرت روح صاحبنا القاعة والحياة.
كان أول ضحية نقدّمها سماداً إنسانياً لأرض الرضوانية ومزارعها، وأول درس نتلقّاه في مشاهدة التطبيق الحيّ لموت الإنسان، الذي لم يكن يساوي شيئاً في قاموس النظام العراقي؛ إذ كانت قيمته صفراً.
إن هذه الشهادة تقدم صورة شديدة القسوة عن المعنى النفسي للمعتقل، حيث يصبح السجين شاهدًا على موت رفيقه، ولا يستطيع تقديم المساعدة، خوفًا من أن يكون هو الضحية التالية.
المبحث العاشر: رواية فاضل الغانمي عن الأخوين سعيّد وعبد الله
في الفصل الثالث من رواية «من ذاكرة المعتقلات»، المؤرخ في 17 نيسان 1992، يروي فاضل الغانمي قصة الأخوين سعيّد وعبد الله.
ويبدأ حديثه بالتأمل في طبيعة الذاكرة الإنسانية، وكيف تظل بعض الأحداث محفورة في النفس، مهما مرت عليها السنوات.
ثم ينتقل إلى وصف يوم الجمعة 17 نيسان 1992، حين فُتح باب المحاجر الانفرادية في الرضوانية، وأُدخل الأخوان إلى مكانين منفصلين.
كان الأخوان من أهل البادية، وقد أمضيا طفولتهما وشبابهما في البراري والصحارى الواسعة، بعيدًا عن تعقيدات الحياة المدنية.
وكانت صدمة الانتقال من فضاء الصحراء المفتوح إلى زنزانة مظلمة ضيقة شديدة القسوة عليهما.
أخذ سعيّد، الأصغر سنًا، يبكي ويندب حظه، ويتذكر البراري ومواشيه وأصدقاء طفولته.
وحين سمعه أخوه الأكبر عبد الله، أخذ يناديه من الزنزانة المجاورة، محاولًا تهدئته، ويعده بأنهما سيخرجان قريبًا، وأنه سيشتري له الكعك والشاي.
وكان يعتقد، ببساطته، أن السجن قد يضم متجرًا صغيرًا يستطيعان شراء ما يحتاجانه منه.
ويصف الغانمي معاناة الأخوين في التحقيق والجوع والظلام والحرمان من الشمس، وكيف ظلت علاقتهما الأخوية مصدرًا للتخفيف عن بعضهما.
وبعد فترة، نُقلا إلى القاعات المركزية، حيث عاشا مع بقية المعتقلين ظروفًا صحية بالغة السوء.
ويصف الكاتب القاعات والحمامات المتهالكة، وانتشار القمل والقراد، وابتكار المعتقلين وسائل بسيطة لخياطة ملابسهم باستخدام عظام رقيقة بوصفها إبرًا، وانتزاع الخيوط من البطانيات.
كما يصف كيف كان المعتقلون يتقاسمون الطعام القليل، ويستقبلون السجناء الجدد، ويخصصون لهم مكانًا للاغتسال والراحة.
وكان الطعام في معظم الأحيان لا يتجاوز نصف رغيف وكمية قليلة من الشاي المخفف، أو بضع ملاعق من الرز والمرق.
ويخلص الغانمي إلى أن الأخوين كانا مثالًا للإنسان البسيط الذي لم تكن له خبرة بالصراعات السياسية المعقدة، ومع ذلك وجد نفسه في سجن يتعامل معه بوصفه خطرًا على النظام، ويشتبه في أنه يملك أسلحة يهربها من دول الجوار لدعم المنتفضين.
وتكشف هذه الرواية عن وجه آخر للاضطهاد: تحويل الإنسان البسيط إلى متهم سياسي، ثم اقتلاعه من بيئته الطبيعية، وإلقاؤه في عالم لا يعرف قوانينه ولا يملك القدرة على فهم دوافعه.
المبحث الحادي عشر: شهادة الشاعر محمد العيساوي
يروي الشاعر محمد العيساوي أنه كان عسكريًا هاربًا من الخدمة عندما دخل الجيش إلى مدينته بعد قصفها بالمدفعية والطائرات خلال أحداث عام 1991.
ويقول إن القوات اعتقلت السكان من دون تمييز بين كبير وصغير أو رجل وامرأة، ثم نقلتهم بشاحنات كبيرة تجاوز عددها عشرين شاحنة باتجاه بغداد، مرورًا بالطريق الاستراتيجي في صحراء النجف.
ويشير إلى أنه شاهد عمليات دفن أو إخفاء لأشخاص قبل وصولهم إلى بغداد، بحسب ما يرويه في شهادته.
وعند وصولهم إلى مخازن الجملونات الخاصة بقطع غيار الطائرات، احتجزوا ثلاثة أيام من دون طعام أو شراب، ثم نُقلوا إلى اللجان المشتركة في الرضوانية.
ويقول إن الطعام لم يكن يتجاوز ربع صمونة كل أربع وعشرين ساعة، وإن تشابه اسمه مع اسم أحد المطلوبين جعله عرضة للتعذيب مدة سبعة أيام، كان خلالها معلقًا في موضع يُعرف باسم «سوباط العنب»، مع معتقلين أكراد.
ويضيف أنه كان يعتقد أنه فارق الحياة، حتى إن اثنين من أصدقائه جلسا عند رأسه يقرآن سورة الفاتحة اعتقادًا منهما أنه مات.
وبعد انتهاء التحقيق، أُعيد مع العسكريين الهاربين، لكنه بقي يتذكر تلك الأيام بوصفها سلسلة من الموت النفسي والجسدي المتكرر.
المبحث الثاني عشر: شهادة الشاعر كريم جخيور
تقدم مذكرات الشاعر كريم جخيور صورة أخرى عن التناقض بين حدائق القصور الرئاسية ومراكز التحقيق المحيطة بها.
يقول إنه نُقل إلى حديقة تابعة للقصور الرئاسية، وكان يسمع أصوات النساء والضحكات، ويرى حركة العاملين في المكان، في حين كان هو ورفاقه يعيشون الخوف والترقب.
ويتذكر هجوم ديك رومي عليه في الحديقة، بينما كان الحراس يضحكون من ارتباكه.
ثم بدأت عملية التحقيق، وكان معصوب العينين ومقيد اليدين.
وعندما سأله الضابط عن اسمه وعمله، أجابه بأنه كريم جخيور، شاعر وبائع كعك في سوق البصرة، ومتزوج وله أربعة أطفال.
وحاول المحقق إقناعه بأنه مرتبط بجهة سياسية، وأنه تلقى أموالًا وسافر إلى إيران، وطالبه بالاعتراف بأسماء الأشخاص الذين استدرجوه.
وكان يكرر له أنه مواطن وطني وطيب، وأن الاعتراف سيعيده إلى زوجته وأطفاله.
لكن الشاعر أنكر تلك الاتهامات، وأكد أنه لم يتلق أموالًا ولم يذهب إلى إيران.
وعندما سأله المحقق عن كنيته «أبو عمر»، اعتقد أنها اسم حركي، فأوضح له أن عمر هو اسم ابنه.
ثم دخل المحقق في حديث عن انتمائه المذهبي، وحين عرف أنه شيعي، استمر في إهانته وتهديده.
وتحول الاستجواب إلى الضرب، ثم عُلّق جخيور من يديه، وأُجبر على الاعتراف بتهمة لم يكن يقر بها.
وفي الجزء الثاني من مذكراته، يروي أنه ظل يصرخ تحت الضرب، بينما كان المحقق يطالبه بالاعتراف بالانتماء إلى جهة سياسية.
وكان المحقق يقول له إنه يعلم أنه ليس من تلك الجهة، لكنه يريد منه أن يعترف عليها.
وبعد إنزاله من التعليق، أُخرج إلى الحديقة، ثم نُقل مع مجموعة من المعتقلين إلى جهة مجهولة، وأعيد التحقيق معه صباحًا.
وخلال التحقيق، قيل له إن صديقه عبد السادة اعترف عليه، فطلب أن يواجهه.
وعندما حضر عبد السادة البصري، سأله المحقق إن كان كريم جخيور ينتمي إلى حزب الدعوة، فأجاب بأنه صديقه، لكنه ليس عضوًا في الحزب.
وتنتهي المذكرات بذكر أسماء عدد من الأشخاص الذين كانوا معه، وهم عبد السادة البصري، وكاظم حسن سعيد، وحمدي حداد، وعبد الغفار العطوي، وأسامة جاسم.
وتكشف هذه المذكرات كيف يمكن للتحقيق الأمني أن يتحول إلى عملية صناعة اعترافات، لا إلى وسيلة للبحث عن الحقيقة.
المبحث الثالث عشر: مذكرات محمد السعدي
ينقل محمد السعدي، الذي يذكر أنه كان نزيلًا في الشعبة الخامسة، تجربته في إحدى ليالي الرضوانية.
ويصف الجملون بأنه كان مكتظًا بالبشر، وأنه شاهد أشخاصًا ممددين على الأرض، بعضهم يلفظ أنفاسه الأخيرة، وآخرون يستغيثون ويئنون من شدة الألم.
وكان الخوف يمنع المعتقلين من النظر إلى بعضهم أو التحدث فيما بينهم؛ لأن مجرد إظهار التعاطف قد يعرّض صاحبه للعقاب.
ويقول إنه كان حديث العهد بالمكان، ولم يدرك في البداية أن النظر إلى سجين آخر قد يسبب له عواقب وخيمة.
ويصف أثر الضرب على يده اليمنى وأذنه، وكيف بقي يعاني من فقدان الإحساس والرنين والصفير في أذنيه بعد خروجه.
واستمر التعذيب معه حتى الفجر، رغم أن هناك قرارًا بنقله سرًا إلى مبنى الشعبة الخامسة في الاستخبارات العسكرية بمدينة الكاظمية.
ويؤكد أن ما تعرض له لم يكن تحقيقًا بالمعنى المعروف؛ إذ لم يُسأل حتى عن اسمه، ولم يُفتح معه ملف استجواب حقيقي.
ويضيف أنه كان يحمل هوية باسم عبود خلف، طالب في أكاديمية الفنون الجميلة، قسم المسرح، وأنه ظل منتحلًا هذه الهوية خلال تلك المرحلة.
ثم نُقل مع معتقل آخر بسيارة أجرة، وعُصبت عيناهما ووُضعت نظارات سوداء عليهما، في رحلة وصفها بأنها كانت توحي بأن نهايته باتت قريبة.
وتبرز هذه الشهادة أن التعذيب قد يُمارس حتى من دون استجواب أو محاولة لانتزاع معلومات، وهو ما يجعل العقوبة نفسها غاية مستقلة.
المبحث الرابع عشر: شهادة لطيف يحيى
تورد المصادر والتقارير والشهادات ؛ رواية لطيف يحيى، الذي عُرف إعلاميًا بارتباط اسمه بقصة الشبيه بعدي صدام.
ويذكر أنه تعرض لمشكلة مع إحدى صديقات عدي، وأنها نقلت عنه كلامًا مغايرًا لما حدث، فاستدعاه عدي من منزله، وأُخذ إليه وهو بملابس النوم.
وبعد مواجهته، أمر بإرساله إلى الرضوانية.
ويصف يحيى لحظة وصوله إلى المعتقل، حيث استقبله عدد من الحراس الذين يحملون الكيبلات السوداء، ومن بينهم أشخاص عُرفوا بألقاب مثل أبي ذيبة وأبي درع وعبد الحسين.
ويقول إنه جُرّد من ملابسه، وأُلبس بنطالًا عسكريًا، وأُجبر على أداء تمرين الضغط حتى الإنهاك، ثم ضُرب ووُضع الملح على جروحه.
وبعد ذلك أُدخل في حفرة أو موضع قذر يصفه باسم «الدوش»، حيث كانت تتجمع المياه الملوثة والفضلات والحيوانات النافقة.
ويضيف أنه قضى فترة من الاحتجاز مع ضباط من جهاز الأمن الخاص وحمايات القصر وشخصيات مقربة من النظام، وأن بعضهم كان يحمل آثار الضرب والتعذيب.
ويصف الروتين اليومي الذي يبدأ في ساعات الفجر بالضرب والهرولة والعقوبات، ويقول إن عدي زاره لاحقًا، وحلق شعره وحاجبيه وشاربه، قبل أن يسمح بخروجه.
كما يذكر أنه شاهد جملونات مكتظة بالمعتقلين خلال الانتفاضة، وكان بينهم أطفال وأشخاص عراة أو شبه عراة، وأن كثيرين كانوا يسقطون من شدة التعذيب.
وتتضمن شهادته ادعاءً بأن نصف المعتقلين كانوا أبرياء، وأن الجثث كانت تُنقل يوميًا إلى أماكن مجهولة (5).
المبحث الخامس عشر: حكايات غلوبي
يتناول الصحفي هادي جلو مرعي شخصية حارس عُرف باسم «غلوبي»، ويصفه بأنه كان مكلفًا بتعذيب بعض أفراد الحمايات الرئاسية وعناصر الأفواج الخاصة، فضلًا عن لاعبي كرة القدم والصحفيين والمثقفين والعاملين في المؤسسات الرياضية والفنية.
وتروي المقالة قصة شاب وقع في خلاف مع إحدى صديقاته، ثم تورط في إطلاق النار على شقتها، قبل أن تتدخل علاقات داخل الدائرة الأمنية وتُرسله إلى غلوبي في الرضوانية.
وتصف الرواية غلوبي بأنه لم يكن يتردد في تعذيب الأشخاص مهما كانت مكانتهم أو صلاتهم بالسلطة.
كما تذكر أنه كان يضع بعض المعتقلين في مواضع تتعرض فيها أجسادهم للكلاب الجائعة، وأنه استخدم أساليب تعذيب تقوم على إسقاط قطرات الماء على الرأس بصورة متواصلة، فضلًا عن الاعتداء بالمواد الحارقة.
وتطرح هذه الحكاية سؤالًا عن طبيعة الوظائف التي أنشأتها الدولة الأمنية، وكيف تحول التعذيب لدى بعض العاملين إلى مهنة ومصدر نفوذ.
المبحث السادس عشر: شهادة تتعلق بعبد حمود
تذكر التقارير والمصادر والشهادات ؛ أن بعض الشهود أدلوا أمام المحكمة – بعد عام 2003 – بشهادات تفيد بأن عبد حمود، سكرتير صدام ، شارك بنفسه في تعذيب سجناء من محافظتي ميسان والبصرة داخل الرضوانية... ؛ وتنقل في المقابل إنكاره زيارة المعتقل أو المشاركة في تلك الممارسات الاجرامية ... ؛ وكالعادة هم ينكرون ما اقترفته ايديهم من جرائم بشعة .
المبحث السابع عشر: اللاعبون والرياضيون في قبضة عدي صدام
تحوّل معسكر الرضوانية، الواقع غربي بغداد، خلال حكم النظام البعثي إلى أحد مراكز الاحتجاز والتعذيب التي استُخدمت لإرهاب المعارضين وإخضاع شخصيات من مختلف الفئات الاجتماعية، بما فيها الوسط الرياضي العراقي. ولم يكن الرياضيون بمنأى عن منظومة القمع، بل امتد إليهم بطش عدي صدام حسين، الذي ارتبط اسمه بممارسات الإذلال والعنف بحق لاعبي المنتخب الوطني والأندية العراقية.
اذ لم تقتصر سلطة عدي صدام على المجال السياسي والأمني، بل امتدت، وفق شهادات عديدة، إلى المجال الرياضي.
وتذكر الشهادات : أن لاعبين دوليين أُرسلوا إلى الرضوانية بسبب إخفاقات رياضية أو مواقف داخل الملاعب لم ترضَ عنها السلطة أو عدي صدام .
ومن بين الأسماء التي وردت اللاعب حبيب جعفر، الذي تعرض لعقوبات وتعذيب في المعتقل.
كما تتحدث عن اللاعب أحمد محمد حسن عبد الأمير الفلوجي، المعروف باسم حمادة.
ويروي الفلوجي أنه كان يلعب ضمن نادي النفط في مباراة منقولة تلفزيونيًا، وحدثت مشادة كلامية بينه وبين حكم المباراة... ؛ وبعد أن شاهد عدي صدام الواقعة، اتصل بالملعب وأمر باستدعائه واعتقاله.
ويقول الفلوجي إنه نُقل إلى الرضوانية، وفُصل من الجامعة، وتعرض للتعذيب، وكان عدي يشرف على بعض ما يجري معه عبر الهاتف.
ومن صور العقوبة التي يذكرها حلق شعره ولحيته وشاربه وحاجبيه.
ويضيف أن ضربة تعرض لها أثناء التعذيب أصابت إحدى ركبتيه، وكانت سببًا في توقفه عن ممارسة كرة القدم.
وهكذا خسر الفلوجي مسيرته الرياضية في مرحلة كان فيها في ريعان شبابه، بينما واصل أقرانه مسيرتهم، ومن الأسماء التي تذكرها الشهادات : ليث حسين ومعد إبراهيم وراضي شنيشل وأحمد راضي وسعد قيس ويونس محمود ونور صبري.
وتوضح هذه الشهادة أن الرياضة لم تكن بمنأى عن الاستبداد، وأن السلطة الشخصية قد تمتد إلى حياة الرياضي ومستقبله، من دون أن تكون هناك وسيلة قانونية لحمايته.
المبحث الثامن عشر: شهادة سعد قيس ومحمود مجيد
ينقل عن اللاعب الدولي سعد قيس أنه أمضى شهرًا في معتقل الرضوانية مع اللاعب محمود مجيد، وأنهما تعرضا للتعذيب... ؛ ويقول إن حبيب جعفر تعرض لعقوبات أشد منهما.
ويربط سعد قيس اعتقاله باعتقال محمود مجيد بنتيجة مباراة نادي الشرطة أمام كوبتداج التركمنستاني في عشق آباد، ضمن بطولة كأس الكؤوس الآسيوية عام 1998، حين خسر الفريق العراقي بأربعة أهداف من دون مقابل.
وبعد عودة الفريق إلى بغداد، تعرض اللاعبان للاعتقال والتعذيب مدة شهر، وفق روايته.
وتكشف هذه الشهادة عن مدى تغول السلطة في حياة الرياضيين، وتحويل النتائج الرياضية إلى أسباب للعقاب الأمني.
# شهادة اللاعب الدولي السابق شرار حيدر: الرضوانية بوصفها أداة للإذلال والعقاب
وفي هذا السياق، تبرز شهادة اللاعب الدولي السابق شرار حيدر، نجم المنتخب العراقي ونادي الرشيد، بوصفها إحدى الإفادات التي تكشف جانباً من طبيعة الانتهاكات التي تعرض لها الرياضيون في عهد النظام البعثي.
وبحسب شهادته، بدأت معاناته إثر رفضه تمثيل المنتخب الوطني، في محاولة منه لتجنب ممارسات الإذلال والعقوبات التي كان يشاهدها بحق زملائه الرياضيين.. , غير أن هذا الموقف لم يُعامل باعتباره قراراً شخصياً أو اعتراضاً رياضياً، بل استُخدم ذريعة لمعاقبته وإخضاعه لأساليب قاسية من التعذيب والانتقام.
ويذكر حيدر أنه تعرض خلال احتجازه في الرضوانية للضرب المبرح والفلقة والسحل على الحصى، فضلاً عن إجباره على القفز في خزان للمياه العادمة، إلى جانب حرمانه من النوم والطعام. وهي ممارسات، إذا ما وضعت في سياق الشهادات الأخرى المتعلقة بالمعتقل، تكشف عن نمط من العقوبات البدنية والنفسية التي لم يكن الغرض منها مجرد الإيذاء، وإنما تحطيم إرادة المحتجز وإذلاله وانتزاع خضوعه.
ولم تنتهِ آثار تلك التجربة عند حدود الإفراج عنه؛ إذ قرر شرار حيدر اعتزال كرة القدم ومغادرة العراق، بعدما أصبحت البيئة الرياضية، في ظل تلك الممارسات، مرتبطة بالخوف والإكراه بدلاً من التنافس والإنجاز. وفي عام 1999، طلب اللجوء السياسي في بريطانيا، حيث أتاح له وجوده خارج العراق المجال للكشف عن الانتهاكات التي تعرض لها الرياضيون العراقيون.
كما نقل إفاداته وقدم وثائق إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم واللجنة الأولمبية الدولية بشأن ممارسات التعذيب والانتهاكات التي شهدها الوسط الرياضي العراقي في عهد النظام البعثي.
وتكتسب شهادة شرار حيدر أهميتها من كونها لا توثق تجربة فردية فحسب، بل تسلط الضوء على جانب من العلاقة بين السلطة السياسية والرياضة في العراق آنذاك؛ إذ تحولت المؤسسات الرياضية، في بعض الحالات، من فضاءات للإنجاز والمنافسة إلى أدوات للهيمنة والإخضاع، وأصبح اللاعب معرضاً للعقاب لا بسبب إخفاق رياضي، بل بسبب موقف شخصي أو رفض الانصياع لإرادة السلطة.
وبذلك، تمثل هذه الشهادة إحدى الإفادات التي تسهم في توثيق طبيعة معتقل الرضوانية، وتكشف عن امتداد منظومة القمع إلى الوسط الرياضي، وعن الثمن الإنساني الذي دفعه بعض الرياضيين العراقيين نتيجة رفضهم الخضوع لممارسات الإذلال والتعذيب.
# شهادة قاسم خنجر: اعتقال منتخب الشباب للمصارعة الحرة في الرضوانية
يروي قاسم خنجر واقعة تعكس جانباً من طبيعة التعامل القمعي للنظام البعثي مع الرياضيين العراقيين، إذ يشير إلى أن منتخب شباب العراق للمصارعة الحرة، الذي أحرز المركز الأول في البطولة العربية التي أُقيمت في المغرب عام 1994، لم يحظَ بالتكريم الذي يليق بإنجازه الرياضي، بل تعرّض أعضاؤه للاعتقال والإيداع في معتقل الرضوانية.
وبحسب إفادته، أُودع أفراد المنتخب في المعتقل لمدة شهر كامل، بدلاً من تكريمهم والاحتفاء بالنتيجة التي حققوها باسم العراق. ويعبّر خنجر عن هذه الواقعة بمرارة، مستحضراً التناقض الصارخ بين الإنجاز الرياضي الذي كان يفترض أن يكون موضع فخر واعتزاز، وبين ما انتهى إليه اللاعبون من احتجاز ومعاناة.
وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة في سياق توثيق الانتهاكات التي طالت الوسط الرياضي العراقي في عهد النظام البعثي؛ فهي تكشف عن مفارقة مؤلمة تمثّلت في تحويل الإنجاز الوطني إلى مناسبة للعقاب، وإخضاع الرياضيين لسلطة لا تتعامل معهم بوصفهم أصحاب إنجاز، بل أفراداً واقعين تحت هيمنتها وإرادتها.
الفصل السادس: شهادات أخرى عن الرضوانية وما ارتبط بها من انتهاكات
المبحث الأول: شهادة كاظم حسن سعيد
تتضمن هذه الشهادة ؛ رواية أخرى للأديب والكاتب العراقي كاظم حسن سعيد، يصف فيها دخوله إلى الرضوانية في شهر نيسان، في أجواء شديدة الحرارة، بينما كان المعتقلون يعانون العطش.
ويقول إن الحراس جلبوا صنبور الماء، لكنهم لم يسمحوا للسجناء بالشرب بصورة طبيعية، بل أجبروا كل واحد منهم على فتح فمه وانتظار قطرات الماء... ؛ كما ينقل عن أحد الحراس قوله إنه عُيّن جلادًا لكي يحلل رزقه بتعذيب المعتقلين.
وتروي الشهادة أن حارسًا دخل ذات مرة حاملًا مقصًا وسلاحًا، وهدد بقص آذان من يراها كبيرة أو معوجة، وعندما حاول أحد المعتقلين مقاومته، أطلقوا النار عليه وقتلوه.
وتختصر هذه الرواية صورة المعتقل الذي لم يكن يملك حق الاعتراض على أبسط صور الاعتداء على جسده.
المبحث الثاني: شهادة وليد عبد الحسين الطائي
يروي السجين السياسي السابق وليد عبد الحسين الطائي أنه نُقل عام 1991 مع أخيه الأكبر من تسفيرات الديوانية إلى الرضوانية.
ويقول إن الرحلة بدأت ليلًا، وإنهم وصلوا إلى المعتقل نحو الساعة الرابعة فجرًا، حيث استُقبلوا بالضرب المبرح.
وكان الحراس يصفونهم بالغوغائيين، فيما لم يكن نصيب المعتقل الواحد يتجاوز نصف صمونة وجرعة ماء محدودة.
ويصف الطائي مشاهد التعذيب في مبنى التحقيق، حيث كان المعتقلون يُعلقون من أيديهم إلى الخلف، ويُرفعون إلى الطوابق العليا باستخدام تجهيزات المبنى من رافعات وحبال وسلاسل حديدية ، لإجبارهم على الاعتراف.
كما يذكر أنه شاهد شبابًا من عائلة واحدة في الحلة يتعرضون للضرب حتى تكسرت عظام أحدهم، وظهرت إصابة بالغة في ساقه أمام عينيه.
وبعد عشرين يومًا، كُتب في ملفه أنه لم يشارك في أحداث الشغب، فشمله العفو، لكنه نُقل بعد ذلك إلى أبي غريب.
ويصف هناك شدة الجوع، حتى إنه اضطر إلى مضغ أعشاب الأرض في باحة السجن.
وبعد الإفراج عنه، وصل إلى كراج النهضة بسيارة ريم قديمة، واستعان بأجرة استعارها من أحد السجناء، ثم ساعده الطبيب الراحل هاشم محمد طنش في الوصول إلى أسرته.
لكن الملاحقات والظروف الاقتصادية والسياسية دفعته إلى مغادرة الديوانية والتوجه إلى أم قصر لإعادة بناء حياته.
ويؤكد الطائي أنه لم يكن يرغب في استغلال تجربته أو المطالبة بمكاسب شخصية بسبب ما تعرض له، وأنه ترك حساب من آذاه إلى الله.
وتنتهي شهادته بالتنبيه إلى وجود مشاهد لم يستطع روايتها كاملة، لأن بعض الوقائع كانت فوق قدرة الإنسان على التصديق والتحمل.
المبحث الثالث: شهادة حسين جاسم المنصوري
يقول حسين جاسم المنصوري إنه اعتُقل مع أخيه سنة 1991 في محافظة البصرة، وكان حينها طالبًا في الصف الثالث المتوسط، فيما كان أخوه طالبًا في المعهد الفني.
ويذكر أنهما نُقلا إلى الرضوانية، وخضعا للتحقيق والتعذيب، ثم سُفّرا إلى سجن رقم واحد.
وبعد ذلك أُفرج عنهما نتيجة شمولهما بالعفو.
ويصف تلك الأيام بأنها كانت تعادل عشرات السنين من شدة ما حملته من ألم وخوف وحرمان.
المبحث الرابع: شهادة فلاح حسن
يروي فلاح حسن أنه شاهد تلك الظروف بنفسه عندما كان طفلًا في السابعة من عمره، إذ اعتُقل مع والده في الرضوانية .
ويذكر أن والده أُعدم، فيما بقي هو مع سجناء آخرين، ومن بينهم سجناء فيليون وعائلات تضم نساء وأطفالًا.
ويختصر جانبًا من معاناتهم بالإشارة إلى أن سقف المكان كان مغطى بمواد عاكسة للحرارة، الأمر الذي جعل الاحتجاز أشبه بالوجود داخل خيمة مغلقة تحت حرارة شديدة.
وتكتسب شهادته أهميتها من كونها شهادة طفل عاش تجربة الاعتقال مع والده، وظلت تفاصيلها عالقة في ذاكرته بعد مرور سنوات طويلة.
المبحث الخامس: شهادة ناظم جعفر
يقول ناظم جعفر إنه لم يسمع، بحسب معرفته، بخروج كثير من المعتقلين من الرضوانية، باستثناء بعض العسكريين الذين أُطلق سراحهم بأوامر من صدام كامل.
ويضيف أن التحقيق لم يكن يتضمن اعترافًا ببراءة المعتقل، بل كان يسير في اتجاه محدد سلفًا.
ويذكر مثالًا لصديق له أُفرج عنه رغم أن تهمته كانت تتعلق بسيطرة وهمية، ويعزو ذلك إلى امتلاكه وساطات وعلاقات في تكريت، على الرغم من أن مسقط رأسه كربلاء.
وتثير هذه الشهادة مسألة تفاوت فرص النجاة بحسب العلاقات والوساطات، في نظام لم تكن فيه الإجراءات القانونية وحدها هي التي تحدد مصير الإنسان.
المبحث السادس: شهادة محمود صبار الدلفي
يذكر محمود صبار الدلفي أنه اعتُقل في 19 آذار 1991، وخرج في 28 نيسان من العام نفسه، بعد تجربة وصفها بالنجاة العجيبة من سجن رقم واحد والرضوانية.
ويقول إنه كتب مذكرات تقارب مئة صفحة، تناول فيها ما جرى له ولرفاقه، وما شاهده من ضحايا دُفنوا في أراضي الرضوانية.
وقد أطلق على مذكراته عنوان «القسوة تتكلم وحدها»، وجعلها سجلًا لما تعرض له المعتقلون من اعتقالهم من الشوارع العراقية وحتى سجون الرضوانية.
ويذكر أنه أتاح تلك المذكرات لأبنائه وأحفاده، لكي يعرفوا الخلفية المأساوية التي عاشها جيل من العراقيين.
المبحث السابع: شهادة محمد علي النجفي
يتحدث محمد علي النجفي عن شهداء أمن الحلة وقضاء الكفل والرضوانية، ويخص بالذكر الطبيب محمد نصر الله الخلخالي، الذي كان معه في المعتقل.
ويقول إن الخلخالي كان يعالجه ويعالج عددًا من المعتقلين، على الرغم من أنه طبيب أطفال، وإنه لم يتخل عن واجبه الإنساني رغم ظروف السجن القاسية.
وتكشف هذه الشهادة عن حضور التضامن الإنساني داخل المعتقل، إذ لم يستطع السجن، على قسوته، أن يمحو كل أشكال الرحمة والتكافل بين السجناء.
المبحث الثامن: شهادة علي محمد ناصر
يروي علي محمد ناصر أنه اعتُقل في قضاء الكفل بعد أن أخبر أحد البعثيين عن تحركاتهم أثناء خروجهم من النجف باتجاه الكفل سيرًا على الأقدام مع نسائهم.
ويقول إنه نُقل إلى أمن الحلة، حيث بقي نحو شهرين أو أكثر، ثم اقتيد إلى الرضوانية، ومكث فيها قرابة خمسة أو ستة أشهر... ؛ وبعد ذلك نُقل إلى الحارثية مدة قصيرة، ثم سُفّر إلى وحدته العسكرية.
ويذكر أن زيارة لجان الأمم المتحدة إلى الرضوانية أدت إلى نقل بعض المعتقلين إلى الحارثية، وأن السلطات أجبرتهم على ارتداء الملابس الصفراء، بحجة أنهم عسكريون هاربون من الخدمة.
ويعبر عن أسفه لعدم حصوله على حقوقه، ولأن كثيرًا من الضحايا الذين أُعدموا لم تُعرف تفاصيل مصائرهم.
المبحث التاسع: شهادة رائد سالم الشعلان
تورد التقارير والشهادات والمصادر ؛ شهادة مطولة لشخص يعرّف نفسه بأنه رائد سالم الشعلان، ويذكر أنه كان محتجزًا مع زوجته وبناته علياء ونجلاء وأولاده حيدر وعمار وابنته مريم، التي كان عمرها سنة ونصف.
ويقول إن الأسرة نُقلت إلى الرضوانية بعد تعرضها للتعذيب في الأمن العسكري.
ويصف احتجازهم في غرفة شديدة الضيق والظلام، اذ لا يستطيعون فيها معرفة الليل من النهار، ولا يُسمح لهم بالخروج إلا مرة كل عشرة أيام للاغتسال.
كما يذكر أنهم كانوا يُخرجون للتحقيق مساء، ويُجبرون على الوقوف ووجوههم إلى الحائط وأيديهم إلى الخلف حتى الصباح، ثم يعادون معصوبي الأعين بعد تعرضهم للضرب.
ويقول إن مصيره تغير عندما حضر المذيع غازي فيصل لإجراء مقابلات مع المعتقلين، وكان ذلك في إطار عمله، فتعرف إليه الشعلان بسبب صلات اجتماعية سابقة.
ويذكر أن غازي فيصل حاول مساعدته بطريقة ذكية، من خلال السؤال عن صلته بشخص آخر يحمل اسمًا قريبًا من اسمه، فاستطاع أن يوضح اختلاف النسب والمنطقة.
ثم أشار غازي إلى أنه يبدو مظلومًا، وطلب نقله إلى صدام كامل، وبعد الحديث معه نُقل إلى قاعة أخرى تضم سجناء من الديوانية.
ويصف الشعلان حالته الجسدية عندئذ بأنها كانت بالغة السوء، وأن أحد الضباط الموجودين في القاعة حاول توفير سروال له بعد أن رآه بملابس ممزقة.
كما يتحدث عن رؤية زوجته وأطفاله من النافذة وهم محتجزون في الكرفانات.
ويختتم شهادته بالتساؤل عن مصير الأشخاص الذين شاركوا في تعذيب المعتقلين، وعن استمرار بعضهم في مواقع وظيفية أو تقاعدهم من دون مساءلة قانونية ؟!
الفصل السابع: شهادات عن الاعتقال خارج سياق الانتفاضة
المبحث الأول: قصة عاصم وسوء فهم عبارة عابرة
تتضمن المصادر والتقارير والشهادات ؛ شهادة نقلها سامي التميمي عن صديق له كان يعمل ضمن حماية عدي صدام.
ويذكر الشاهد أنه شاهد بندقية من نوع برنو في متحف عدي، وكانت مرصعة بالذهب والعاج والجواهر.
وأخبره زميل من تكريت بأن البندقية تحتوي على أربعة عشر كيلوغرامًا من الذهب الخالص.
فاستغرب الشاهد من المبالغة، وقال بلهجة عراقية عبارة «شدعوة»، أي إنه يستبعد صحة الرقم.
ويبدو أن الحديث وصل إلى عدي، فاستدعاه مخفورًا إلى مكتبه، وسأله باستهزاء إن كان يتحدث عن البندقية التابعة له.
وأوضح الشاهد أنه لم يقصد الإساءة، وأنه شخص بسيط لم يألف مثل تلك المقتنيات.
لكن عدي أهانَه وأمر الحراس بإرساله إلى الرضوانية.
ويصف الشاهد زنزانة مظلمة ذات إضاءة حمراء خافتة، وصوت قطرات ماء مستمر، بما يجعل المعتقل يعيش شعورًا متواصلًا بالموت البطيء والقلق.
ويقول إنه بقي هناك ثمانية أشهر، تعرض خلالها للتعذيب والإهانات، ثم أُخرج وفُصل من الخدمة.
وتكشف هذه القصة عن جانب من الاستبداد الشخصي، حين تتحول كلمة عابرة أو تعليق غير مقصود إلى سبب للاعتقال الطويل والتعذيب.
المبحث الثاني: رواية المعتقلين الخمسة الهاربين
تورد الشهادات ؛ إفادة بعض الشهود بأن خمسة معتقلين تمكنوا من الهرب من الرضوانية بطريقة لم تتضح تفاصيلها، ثم أُلقي القبض عليهم سريعًا وأُعدموا أمام بقية المحتجزين.
وتندرج هذه الشهادة ضمن شهادات تتحدث عن استخدام الإعدام العلني كوسيلة لترهيب السجناء ومنع أي محاولة للهروب.
المبحث الثالث: نساء وأطفال في محيط الرضوانية
تتضمن شهادة وليد عبد الحسين الطائي وصفًا لمشهد شاهده عند مغادرته المعتقل باتجاه أبي غريب.
فقد انكشف جزء من عصابة عينيه، فرأى بيوتًا متهدمة بلا أسقف على أطراف منطقة الرضوانية، وفيها نساء وأطفال محتجزون... ؛ ويصف النساء بأن أجسادهن كانت هزيلة، وأن رؤوس بعضهن كانت محلوقة، وقد لوحن بأيديهن للمغادرين ورفعن أكفهن بالدعاء لهم.
إن هذه الصورة لا تتعلق بالمعتقل وحده، بل تكشف امتداد القمع إلى الأسرة، وإلى النساء والأطفال الذين لم يكونوا طرفًا في الصراع السياسي أو العسكري.
الفصل الثامن: الرضوانية وعلم النفس السياسي
المبحث الأول: الخوف بوصفه نظام حكم
لم يكن الخوف في الدولة الأمنية نتيجة جانبية للقمع، بل أصبح إحدى أدوات إدارة المجتمع.
فعندما يعرف المواطن أن كلمة عابرة قد تقوده إلى الاعتقال، وأن ضحكة بين الجنود قد تتحول إلى عقوبة، وأن خلافًا رياضيًا قد يهدد مستقبله، فإنه يبدأ بمراقبة نفسه قبل أن يراقبه الآخرون.
وهكذا يتحول الخوف إلى رقابة ذاتية، ويتعلم الفرد الصمت حتى عندما يرى الظلم.
وتكشف شهادات المعتقلين أن هذه الرقابة كانت تمتد إلى داخل السجن نفسه؛ فالمعتقل يخشى النظر إلى رفيقه، أو إظهار التعاطف معه، أو محاولة مساعدته في لحظة احتضاره.
إنها عملية تفكيك للعلاقات الإنسانية، تقوم على جعل كل فرد يشعر بأنه وحيد في مواجهة السلطة.
المبحث الثاني: الأثر النفسي طويل الأمد للتعذيب
لا تنتهي آثار التعذيب عند خروج السجين من المعتقل.
فقد يحمل الناجي آثارًا جسدية دائمة، مثل إصابات المفاصل والكسور وفقدان السمع أو الحركة، كما يحمل آثارًا نفسية قد تظهر في صورة اضطراب النوم والكوابيس والقلق والخوف المزمن وصعوبة استعادة الثقة بالآخرين.
وتصف شهادة قاسم البريسم كيف ظل يتذكر رحلة الموت، بينما يذكر محمد السعدي استمرار الرنين والصفير في أذنه وآثار إصابته في يده.
أما وليد عبد الحسين الطائي فيصف اضطراره إلى مغادرة مدينته وإعادة بناء حياته في مكان آخر.
وهذه الأمثلة توضح أن السجن قد ينتهي إداريًا، لكن تجربة السجن قد تستمر داخل الإنسان سنوات طويلة.
المبحث الثالث: أثر القمع في الأسرة والمجتمع
عندما يُعتقل الأب أو الأخ أو الابن، لا تكون الأسرة مجرد طرف ينتظر الإفراج عنه، بل تصبح هي الأخرى ضحية غير مباشرة... ؛ فالزوجة تتحمل عبء غياب المعيل، والأطفال ينشؤون في بيئة من الخوف والحرمان، والأهل يقضون سنوات في البحث عن أخبار أبنائهم.
وقد يؤدي غياب المعتقل أو إعدامه إلى تفكك الأسرة، وفقدان مصادر الدخل، وتعطل تعليم الأطفال، وانتقال الصدمة النفسية من جيل إلى آخر.
ولذلك فإن دراسة الرضوانية لا ينبغي أن تقتصر على أعداد المعتقلين أو أسماء الجلادين، بل يجب أن تشمل الآثار الاجتماعية التي امتدت إلى آلاف العائلات العراقية.
المبحث الرابع: تحويل الإنسان إلى رقم
من أبرز ما تكشفه الشهادات أن السجين لم يكن يُعامل بوصفه إنسانًا له اسم وأسرة وحقوق، بل كان يوصف بعبارات تحط من كرامته، ويُحشر في قاعات مكتظة، ويُترك من دون رعاية صحية.
وعندما يموت، قد يبقى جسده في مكانه ساعات طويلة، ثم يُنقل مع جثث أخرى من دون مراعاة لكرامته أو لمشاعر رفاقه.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة المستبدة هو أن تنزع عن الإنسان صفته الإنسانية في نظر منفذي أوامرها، فتجعله مجرد ملف أو رقم أو جسد قابل للعقاب.
الفصل التاسع: الدعاية وتزييف الذاكرة ومشكلة الشهادات المتعارضة
المبحث الأول: رواية سعد الأوسي عن الرضوانية
يذكر سعد الاوسي رواية عن معتقل الرضوانية طوباوية ولا تمت للواقع والحقيقة بصلة ؛ بل هي مقتبسة من الفيلم المصري ( احنا ابتاع الاوتبيس ) .
أن هذه الرواية لا تعكس حقيقة ما عاشه معتقلو الرضوانية، ولا سيما الذين أُرسلوا إليها بعد انتفاضة عام 1991.
ومن الضروري هنا التمييز بين فترتين مختلفتين: معسكر الضبط في الثمانينيات، ومراكز الاحتجاز التي توسعت بعد الانتفاضة.
فوجود رواية عن احتجاز أشخاص من الحرس الخاص والإعلام والرياضة في سنة 1987 لا ينفي وجود شهادات عن تعذيب المعتقلين في سنة 1991 وما بعدها.
كما أن اختلاف التجربة بين سجين وآخر لا يكفي وحده لإثبات كذب أحدهما، بل يتطلب الأمر مقارنة تواريخ الاعتقال، وطبيعة الأقسام، والجهات المشرفة، والظروف التي عاشها كل شاهد.
نعم ؛ كل هذه الحقائق الدامغة، وآلاف الشهادات التي تؤكد حقيقة هؤلاء العملاء الأوغاد، تقابلها أقلامٌ منكوسة تأتي لتقلب الحقائق والوقائع رأساً على عقب، من دون أن تخجل من ملايين الضحايا من العراقيين الأصلاء؛ وذلك لكي تجمّل حقيقة الفئة الهجينة والطغمة الصدامية.. , وإليك هذا المثال للمدعو سعد الأوسي، الذي كتب مقالاً تافهاً بعنوان: «يظل عالي العراق اوعالية اسواره.. وبحدوده الزلم عالتفك نطارة»، تحدّث فيه عن تجربته الخرافية الطوباوية في سجن الرضوانية.. , ولعل افتراءاته هذه وأكاذيبه السمجة مستوحاة من الفيلم السياسي المصري «إحنا بتوع الأوتوبيس».. , وإليك نص هذه الأكاذيب السمجة والافتراءات الباطلة: ((أنشدها المعتقل والسجان: (يظل عالي العراق اوعالية اسواره.. وبحدوده الزلم عالتفك نطارة) – رواية من سجون الرضوانية في ذكرى يوم الهجوم على الفاو-/ بقلم: سعد الأوسي ::
في شهر نيسان من عام 1987 وأثناء الهجوم على مدينة الفداء والبطولة، البصرة الصامدة، من خلال محور مدينة الفاو، كنت سجيناً في إحدى زنزانات معسكر الرضوانية، حينها بدأنا نسمع أناشيد وأغاني وطنية.. نصغي لها بدقة، والتي رافقتها البيانات العسكرية التي كانت تصدر من القيادة العامة للقوات المسلحة، كان معي في السجن مصور صدام حسين (طه) و(وائل سعدون حمادي)! وغيرهم من أفراد سرايا الحماية الخاصة والحرس الخاص ومهندسين يعملون في القصر الجمهوري وإعلاميين ورياضيين من نادي الرشيد الرياضي كانوا يقضون معي فترة العقوبة في سجون الرضوانية عرفنا آنذاك من خلال الإذاعة الداخلية للمعسكر الذي كنا معتقلين فيه أن إيران بدأت هجومها على مدينة الفاو الحبيبة! وأخذت مشاعر جميع السجناء تتوحد شيئاً فشيئاً حتى وصلت ذروتها عندما لاحت في أسماعنا أنشودة (هاه خوتي النشامة.. عليهم يالنشامة)! فوقف شعر رؤوس السجناء واقشعرت الأبدان وجميعنا بدأ ينشد بأعلى صوته (يا كاع اترابج كافوري.. عالساتر هلهل شاجوري)! فقد تصورنا أن ثرى العراق الطاهر يناشدنا لنلبي الدعوة لحماية الوطن من العدوان الإيراني، فحدثت ضجة كبرى داخل المعتقل بسجنه العام وزنزاناته الانفرادية وظل الجميع يكبر باسم الله وينادي (الله أكبر يا عراق)! إلى أن حضر السجانون إلينا فطلبنا منهم حضور آمر السجن وما أن حضر حتى أكدنا له رغبتنا وإصرارنا بأن حدود العراق أولى بنا من قضبانه ونحن نطالب بإرسالنا إلى جبهات القتال للمشاركة في المعركة.. فاستمع الرجل إلينا وأكد أنه سيسعى بنقل طلبنا إلى مراجعه العليا! ولم تمر سوى 48 ساعة فقط حتى جاء أمر الرئيس بإطلاق سراح جميع سجناء معسكر الرضوانية لموقفهم الوطني. الأمر كان مفاجأة لنا جميعاً حيث لم يخطر ببالنا إطلاق سراحنا بل كنا نتوقع بالفعل إرسالنا إلى جبهات القتال! لأن الوضع كان عصيباً للغاية! فخرجنا نرقص جميعاً إلى ساحة المعسكر (العرضات) الذي كان فيه المعتقل (بالهوسات)! ونردد الأغاني الوطنية الحماسية أتذكر منها على سبيل المثال (يظل عالي العراق اوعالية اسواره.. وبحدوده الزلم عالتفك نطارة)! ودموعنا امتزجت مع دموع السجانين الذين ودعونا باعتزاز مؤكدين لنا أن المشاكل والعقوبات تذوب عندما تتوحد المشاعر والأواصر وعندما يتصاعد نداء الوطن داعياً أبناءه البررة للدفاع عنه.. اليوم ونحن نرى العراق يذبح من الوريد إلى الوريد ودخول النكرات ممن كان يتمنى دخول البلاد بات اليوم يدنس تراب حدوده وأصبحت له أقدام ومكاتب وأغطية ومؤسسات وقام بشتى الأعمال القذرة تجاه الشعب العراقي ويسفك الدماء منذ خمس سنوات ويزهق أرواح أبنائه دون وجه حق ودون رد أو عقوبة! فهل هناك من يلبي نداءات واستغاثات الوطن ويضمد جراحاته وآهاته التي أثخنها هؤلاء الأعداء الذين يغرسون خناجرهم في عراقنا الحبيب بعد أن ترجل الرجال الرجال عن صهوات جيادهم تاركين الوطن لمن هب ودب يبيعون به حيثما يشاؤون !ومن اليوم يعيد صولات أبناء الوطن لطرد كل غاصبيه والداخلين إليه من غير الشرفاء ليعود العراق معافى عصياً على كل العملاء والخونة؟! وعندما نجد هؤلاء الرجال سنصرخ حينها ونقول (هاه خوتي النشامه.. عليهم يالنشامة) )) (8) …!!
إن هذه المقالة التافهة، وهذه الكذبة السمجة التي حوّلت جلادي الرضوانية إلى ملائكة رحمة، وضباع المعتقل إلى حمائم سلام، ليست إلا كذبة واحدة بسيطة من بحر أكاذيب الفئة الهجينة والبعثية والطغمة الصدامية وأصحاب الأقلام المنكوسة.. , ومن أشنع أكاذيب هؤلاء الأوغاد ادعاؤهم نظافة اليد واللسان والضمير والتاريخ، وبعضهم يزيد على ذلك ادعاء الإيمان بالديمقراطية وحرية الرأي الآخر والعدالة والمساواة، وخدمة العراق والعراقيين على حد سواء. إن كتّاب وإعلاميي الخط المنكوس تعلّموا الكذب من سياسيي الفئة الهجينة.
المبحث الثاني: صناعة الصورة الإعلامية
إن الأنظمة الاستبدادية لا تكتفي بإدارة السجون، بل تحاول أيضًا إدارة الرواية التي تُكتب عنها... ؛ فقد تستخدم الإعلام لتجميل صورة المعتقل، أو لتقديم السجان بوصفه موظفًا يؤدي واجبه، أو لتصوير المعارضين على أنهم مجرمون يستحقون العقاب.
وفي المقابل، قد تظهر بعد سقوط الأنظمة روايات متضاربة أو مبالغات أو ادعاءات غير موثقة، الأمر الذي يجعل العمل التوثيقي مسؤولية أخلاقية وعلمية.
ولا ينبغي أن تتحول ذاكرة الضحايا إلى مادة للتشهير العشوائي أو الانتقام الجماعي، بل يجب أن تكون أساسًا لكشف الحقيقة ومساءلة المسؤولين عن الأفعال التي ثبتت بحقهم.
الفصل العاشر: العدالة الانتقالية وواجب الذاكرة
المبحث الأول: لماذا يجب أن نتذكر الرضوانية؟
إن استعادة ذاكرة الرضوانية ليست دعوة إلى الثأر أو الانتقام، بل هي ضرورة تاريخية وأخلاقية لحماية المجتمع من تكرار التجربة ومحاسبة الجلادين وانزال القصاص العادل بالقتلة السفاحين .
فالشعوب التي لا توثق ماضيها تترك المجال مفتوحًا أمام تزييفه، والأجيال التي لا تعرف ما جرى قد تجد نفسها أمام روايات تجمل الاستبداد وتبرر جرائمه.
ومن هنا تبرز أهمية شهادات الناجين، لا بوصفها حكايات شخصية فحسب، بل بوصفها جزءًا من الذاكرة الوطنية العراقية.
المبحث الثاني: المحاسبة الفردية لا العقاب الجماعي
إن المسؤولية عن جرائم التعذيب والإعدام والاختفاء القسري تقع على الأشخاص والجهات التي ارتكبت تلك الجرائم أو أمرت بها أو ساعدت على تنفيذها، وفق ما تثبته الأدلة.
ولا يجوز تحميل جماعة سكانية أو مدينة أو عشيرة أو مذهب مسؤولية جماعية عن أفعال أشخاص ينتمون إليها.
فالمعيار الحقيقي للعدالة هو تحديد الفاعل والمسؤول وصاحب الأمر، ومحاسبته وفق الأدلة والقانون، وحماية الأبرياء من الانتقام والتمييز.
إن مواجهة الاستبداد لا تكون بإنتاج استبداد مضاد، بل ببناء دولة لا يستطيع فيها مسؤول أو قائد أو ضابط تحويل مواطن إلى ضحية لمجرد اختلافه معه.
خاتمة: الرضوانية ليست مكانًا فقط، بل ذاكرة وطنية
لقد كانت الرضوانية، كما ترسمها الشهادات والتقارير والدراسات ، أكثر من مجرد معسكر عسكري أو سجن أمني.. , لقد تحولت إلى رمز مكثف لدولة استبدادية استطاعت أن تجمع بين مظاهر الثراء والترف في قصورها، وبين مظاهر القسوة والحرمان في معتقلاتها.
في جانب من المكان كانت البحيرات والحدائق والقصور والولائم، وفي الجانب الآخر كانت قاعات مكتظة بالمعتقلين، وأجساد منهكة من الجوع والعطش والضرب، وأسر تنتظر خبرًا قد لا يصل أبدًا.
وكانت انتفاضة عام 1991 واحدة من أكثر المحطات مأساوية في تاريخ العراق الحديث، ليس بسبب المواجهات العسكرية وحدها، بل بسبب ما أعقبها من حملات اعتقال وانتقام وتصفية واختفاء قسري، طالت أعدادًا كبيرة من العراقيين.
وتكشف الشهادات التي جمعناها عن تنوع الضحايا: رجال دين، وشعراء، ورياضيون، وعسكريون، وطلاب، وأطفال، ونساء، وأناس بسطاء لم تكن لهم صلة مباشرة بالعمل السياسي.
وتكشف كذلك عن تنوع دوافع الاعتقال، من الاشتباه السياسي إلى الانتقام الشخصي، ومن الخلاف الرياضي إلى الوشاية، ومن الانتماء المذهبي إلى مجرد تشابه الأسماء.
إن قصة الرضوانية تضع أمامنا سؤالًا أكبر من سؤال السجن والجلاد: كيف استطاعت دولة أن تصل إلى هذه الدرجة من الانفصال عن مجتمعها، حتى يصبح المواطن في نظر بعض أجهزتها عدوًا محتملًا، ويصبح التعذيب ممارسة اعتيادية، وتتحول كرامة الإنسان إلى أمر لا قيمة له؟!
والجواب لا يكمن في شخص الحاكم وحده، بل في منظومة كاملة من الاستبداد، وغياب الرقابة، وتغول الأجهزة الأمنية، وتسييس القضاء، وإخضاع مؤسسات الدولة لإرادة العائلة الحاكمة والدائرة الضيقة المحيطة بها.
ولذلك فإن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي ألا نسمح بطمس هذه الذاكرة، وألا نختزل الضحايا في أرقام، وألا نترك شهاداتهم عرضة للنسيان أو التلاعب.
فالذين خرجوا من الرضوانية حملوا معهم جراحًا لم تلتئم، والذين لم يخرجوا منها تركوا وراءهم أسرًا ظلت تبحث عن مصائرهم، وأسماءً ينبغي أن تُستعاد، ومقابر ينبغي أن تُكشف، وحقوقًا لا تسقط بالتقادم الأخلاقي.
إن الرضوانية ليست مجرد فصل من تاريخ البعث، بل درس عراقي قاسٍ في خطورة الدولة حين تتحول من حامية للإنسان إلى أداة لإذلاله، وحين يصبح القانون خادمًا للسلطة بدلًا من أن يكون حارسًا لحقوق المواطنين.
ولكي لا تتكرر المأساة، يجب أن تبقى الحقيقة أعلى من الدعاية، والعدالة أعلى من الانتقام، وكرامة الإنسان أعلى من كل سلطة.
……………….
ملحق: المصادر والشهادات الواردة في الدراسة
1. شهادة أحد معتقلي حملة «أسبوع الضبط» في معسكر الرضوانية سنة 1987، بشأن الاعتقال العشوائي وتلفيق التهم.
2. شهادة الدكتور حميد الطرفي بشأن تجربة خطيب المنبر الحسيني الراحل هادي الشوكي في معتقل الرضوانية.
3. الرواية المتعلقة بتعذيب السيد محمد سعيد الحكيم، والمنقولة ضمن المادة الأصلية.
4. قاسم البريسم، شهادة «طريق الموت: رحلة المنتفضين إلى سجون الرضوانية».
5. لطيف يحيى، روايته عن احتجازه في الرضوانية، وما شاهده من أحوال المعتقلين.
6. هادي جلو مرعي، مقالة «حكايات غلوبي».
7. حيدر الفلوجي، مادة «اللاعب المظلوم أحمد الفلوجي».
**شهادات ومذكرات أخرى أُدرجت في متن الدراسة:**
8. الشيخ رحيم صحن الأزيرجاوي: مشاهد التعذيب داخل المعتقل.
9. الشاهد المنقول عنه في قضية جواد كحن من السماوة.
10. رواية الاعتداء على رجال الدين وأفراد أسرة آل الحكيم.
11. الشاعر عبد السادة البصري: ذكرياته عن الاعتقال عام 1992.
12. الشاعر نصير غدير: روايته عن نقل المعتقلين من المدن المنتفضة.
13. حيدر العلاق: شهادته عن معاقبة الجنود في الرضوانية.
14. ماكس فان دير شتول، المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالعراق: المعلومات المتعلقة بإعدامات سجني أبي غريب والرضوانية في أواخر عام 1997.
15. فاضل الغانمي، رواية «من ذاكرة المعتقلات»، الفصل الثالث، 17 نيسان 1992، بشأن الأخوين سعيّد وعبد الله.
16. الشاعر محمد العيساوي: شهادته عن اعتقاله ونقله من مدينته إلى الرضوانية.
17. الشاعر كريم جخيور: مذكرات معتقل، القسمان الخامس والسادس.
18. محمد السعدي، نزيل الشعبة الخامسة: مذكراته عن ليلة الرضوانية.
19. سعد الأوسي: روايته عن احتجازه في معسكر الضبط سنة 1987.
20. رواية الشهود عن إعدام خمسة معتقلين بعد محاولتهم الهرب.
21. هادي جلو مرعي: رواية غلوبي وأساليب التعذيب المنسوبة إليه.
22. إفادات الشهود أمام المحكمة بشأن عبد حمود.
23. اللاعب أحمد محمد حسن عبد الأمير الفلوجي: شهادته عن الاعتقال والتعذيب.
24. اللاعب الدولي سعد قيس: شهادته عن اعتقاله مع محمود مجيد سنة 1998.
25. شهادة الأديب كاظم حسن سعيد: بشأن العطش والتعذيب وقطع الآذان.
26. وليد عبد الحسين الطائي: مذكراته عن رحلته من تسفيرات الديوانية إلى الرضوانية.
27. حسين جاسم المنصوري: شهادته عن اعتقاله مع أخيه في البصرة سنة 1991.
28. فلاح حسن: شهادته عن اعتقاله مع والده وهو طفل.
29. ناظم جعفر: شهادته عن الاعتقال والوساطات والإفراج.
30. محمود صبار الدلفي: مذكراته «القسوة تتكلم وحدها».
31. محمد علي النجفي: شهادته عن الطبيب محمد نصر الله الخلخالي ورفاقه في المعتقل.
32. علي محمد ناصر: شهادته عن اعتقاله في الكفل والحلة والرضوانية والحارثية.
33. رائد سالم الشعلان: شهادته عن اعتقاله مع زوجته وأبنائه.
34. سامي التميمي: رواية عاصم عن اعتقاله بسبب تعليقه على بندقية عدي صدام.
35. مشعان الجبوري: الرواية المنقولة عن حديثه مع صدام كامل بشأن عمليات القتل في الرضوانية.
36. رواية سعد الأوسي المتعلقة بمعتقلي معسكر الضبط ومحتجزي الحرس الخاص.
– «أنشدها المعتقل والسجان: يظل عالي العراق أو عالية أسواره، وبحدوده الزلم عالتفك نطارة»، رواية من سجون الرضوانية في ذكرى يوم الهجوم على الفاو، بقلم سعد الأوسي.
– قراءة الدكتور حميد الطرفي للرواية المذكورة.
– *موسوعة عن قتل واضطهاد مراجع الدين وعلماء وطلاب الحوزة الدينية لشيعة بلد المقابر الجماعية – العراق*، الجزء الثالث، الصفحات 2447–2449.
– قاسم البريسم، «طريق الموت: رحلة المنتفضين إلى سجون الرضوانية».
– قناة يحيى لطيف على يوتيوب، حلقة «عدي صدام بسببه تركت العراق».
– هادي جلو مرعي، «حكايات غلوبي».
– حيدر الفلوجي، «اللاعب المظلوم أحمد الفلوجي».



