نوفمبر 7, 2026
عععععععععع

رياض سعد

 من سلطة الكلمة إلى تجارة النفوذ والفضائح والكومشنات

ليس أخطر ما يمكن أن يحدث للإعلام أن يفقد استقلاليته فحسب، بل أن يتحول إلى وسيلة للابتزاز، ومنصة للمساومة، وسوق لتصفية الحسابات الشخصية والسياسية والمالية.. ,  فحين تصبح سمعة الإنسان ورقة ضغط، وخصوصياته مادة للتهديد، والفضائح سلعة قابلة للتداول مقابل المال أو المنافع أو الامتيازات، فإننا لا نكون أمام ممارسة صحفية منحرفة فحسب، بل أمام إساءة استخدام متعمدة لسلطة الكلمة والنفوذ الإعلامي.

وتتجلى خطورة الابتزاز الإعلامي حين تُستخدم القنوات الفضائية والمنصات الإلكترونية والصفحات الإخبارية وسيلة للضغط على الأشخاص والساسة والمؤسسات، عبر التلويح بنشر ملفات أو تسجيلات أو معلومات محرجة، أو إطلاق حملات تشهير منظمة، أو التلميح بامتلاك أسرار ومواد مسيئة، بهدف انتزاع مكاسب مالية أو سياسية أو شخصية، أو فرض مواقف معينة، أو دفع المستهدف إلى تقديم تنازلات لا علاقة لها بالمصلحة العامة.

وفي هذه الحالة، لا يعود الأمر متعلقاً بحرية التعبير أو بحق الجمهور في المعرفة، بل يصبح استغلالاً للقوة المعنوية التي يمنحها الإعلام لصاحبه… ؛  فالصحفي الذي يساوم على النشر مقابل منفعة شخصية لا يمارس عملاً صحفياً، والمنصة التي تجعل من سمعة الناس وسيلة للمقايضة لا تؤدي وظيفة إعلامية، وإنما تتحول إلى أداة ضغط وإكراه، تتستر خلف شعارات الحرية والمهنية.

والأخطر أن الابتزاز لا يتخذ دائماً صورة التهديد المباشر؛ فقد يأتي في هيئة تلميحات مبطنة، أو حملات إعلامية متدرجة، أو استهداف انتقائي لشخصية معينة، أو نشر أجزاء من معلومات مع حجب أجزاء أخرى، أو إثارة قضية ثم إخمادها بعد حصول تسوية أو منفعة… ؛  وفي مثل هذه الحالات، يصبح النشر ذاته جزءاً من عملية مساومة، ويغدو الصمت سلعة، والتشهير وسيلة للتحصيل، والسمعة رأسمالاً يُستثمر في سوق النفوذ.

ومن هنا، فإن الحديث عن الابتزاز الإعلامي في العراق لا يمكن فصله عن ظاهرة ((الكومشنات والعمولات والمنافع غير المشروعة)) التي يُشتبه في ارتباط بعض الممارسات الإعلامية بها، ولا عن العلاقة الملتبسة بين بعض المنابر الإعلامية ومراكز النفوذ السياسي والمالي.. ,  فحين تتداخل المصالح التجارية مع التغطية الصحفية، وتصبح الإعلانات والتمويل والامتيازات وسيلة للتأثير في المواقف التحريرية، يبرز خطر تحول الإعلام من مؤسسة رقابية إلى وسيط مصالح، ومن صوت للجمهور إلى أداة لخدمة أصحاب المال والسلطة.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن بعض من يتصدرون المشهد الإعلامي ويتحدثون يومياً عن الفساد والنزاهة ومحاسبة المسؤولين، قد تحيط بهم، في المقابل، شبهات الثراء غير المتناسب مع مصادر دخلهم المعلنة، أو تضارب المصالح، أو الانتفاع من علاقات مالية وسياسية غامضة… ؛  وهنا لا يتعلق الأمر بإدانة كل إعلامي ميسور، ولا باعتبار النجاح المالي دليلاً على الفساد، وإنما بضرورة إخضاع تضارب المصالح والتمويل غير الشفاف والمنافع المشبوهة لمعايير واضحة من الإفصاح والمساءلة.

فليس من المقبول أن تتحول بعض المنابر إلى أدوات لتسقيط هذا المسؤول أو ذاك، فيما تُغلق ملفات مسؤولين آخرين بمجرد تغير المصالح أو اتجاه التمويل.. ,  وليس من المنطقي أن يصبح الفساد مادة إعلامية انتقائية، تُستثمر ضد الخصوم، ويُتغاضى عنها حين يكون أصحابها شركاء أو ممولين أو حلفاء. فالعدالة الإعلامية لا تعني توزيع الفضائح بحسب الولاءات، وإنما تطبيق معيار واحد على الجميع.

ولم تعد هذه الظاهرة، في بعض صورها، حكراً على الصحفيين أو المؤسسات الإعلامية التقليدية؛ فقد اتسعت دائرة النفوذ الرقمي لتشمل بعض مشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، والبلوكرات، والفاشنستات، وصناع المحتوى، الذين باتوا يمتلكون جمهوراً واسعاً وقدرة كبيرة على التأثير في الرأي العام.. ,  ومع هذا التحول، ظهرت أنماط من الاستغلال التجاري والإعلاني والسياسي، وأحياناً ممارسات يُشتبه في ارتباطها بالابتزاز أو الترويج مقابل منافع غير معلنة.

وهكذا أصبح بعض المشاهير يتحولون، في زمن قصير، من أصحاب محتوى محدود إلى شخصيات ذات نفوذ مالي واجتماعي لافت، تتجلى مظاهره في السيارات الفارهة، والشقق الفخمة، والإقامة في المجمعات السكنية الراقية، وأنماط الحياة الباذخة التي تُعرض يومياً أمام جمهور واسع.

وليس الثراء في ذاته جريمة، ولا يجوز اتخاذ المظهر الخارجي دليلاً على فساد صاحبه، لكن السؤال المشروع يبدأ حين تتضخم الثروات بصورة لا تتناسب مع النشاط الاقتصادي المعلن، أو حين تُستخدم الشهرة لفرض الإعلانات المضللة، أو للترويج لمصالح سياسية وتجارية خفية، أو لابتزاز الأفراد والساسة والمسؤولين والمؤسسات تحت غطاء التأثير الجماهيري.

إن المشكلة لا تكمن في وجود مشاهير أو إعلاميين ناجحين، وإنما في غياب الشفافية والمساءلة عن مصادر التمويل، وفي احتمال تحول الشهرة إلى وسيلة لاحتكار النفوذ، أو استغلال الجمهور، أو الحصول على منافع غير مستحقة… ؛  فحين تختلط الإعلانات بالمواقف التحريرية، والعمولات بالمحتوى، والابتزاز بالتشهير، يصبح من الصعب على الجمهور التمييز بين الخبر والإعلان، وبين النقد المهني والحملة الممولة، وبين كشف الحقيقة وتصفية الحسابات.

أما الكومشنات والعمولات غير المعلنة، حين ترتبط بقرارات التغطية أو الترويج أو إخفاء المعلومات، فإنها تمثل أحد أخطر أشكال فساد الإعلام؛ لأنها لا تسرق المال وحده، بل تسرق ثقة الجمهور أيضاً… ؛  فالمنبر الذي يتلقى مقابلاً لإخفاء الحقيقة أو تضليل الناس أو استهداف خصوم مموله، يفقد استقلاليته، ويصبح جزءاً من منظومة المصالح التي كان يفترض أن يراقبها.

ومع ذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بإطلاق الاتهامات الجماعية، ولا بالتشهير المضاد، ولا باستهداف الأفراد على أساس مظاهرهم أو ثرواتهم، وإنما بتأسيس منظومة قانونية ومهنية قادرة على كشف مصادر التمويل، ومحاسبة الابتزاز، وضمان استقلال المؤسسات الإعلامية، وحماية ضحايا التهديد والتشهير، وإخضاع المحتوى الممول والإعلانات السياسية والتجارية لقواعد واضحة من الإفصاح والشفافية.

إن العراق لا يحتاج إلى إعلام يبتز الفاسدين، بل إلى إعلام يكشف فسادهم بالأدلة؛ ولا يحتاج إلى من يساوم على الفضائح، بل إلى من يضع الحقائق أمام القضاء والرأي العام؛ ولا يحتاج إلى مشاهير يتاجرون بوعي الجمهور، بل إلى صناع محتوى يضيفون قيمة معرفية وثقافية واجتماعية حقيقية.

إن أخطر أشكال الفساد أن يتحول كشف الفساد نفسه إلى تجارة، وأن تصبح محاربة الفاسدين وسيلة للثراء، وأن تتحول الحقيقة إلى ورقة مساومة في سوق المصالح.

ولعل العراق اليوم بحاجة إلى رجال دولة ومؤسسات رقابية وقضائية وإعلامية تمتلك الشجاعة والنزاهة، وتضع سيادة القانون فوق الولاءات والمصالح، وتواجه الابتزاز والفساد من دون انتقائية أو انتقام، ولا تأخذها في الحق لومة لائم. فالوطن لا يُحمى بتبادل الفضائح، ولا تُستعاد كرامته بتشهير مقابل تشهير، وإنما بإقامة دولة لا يخاف فيها المواطن من صاحب المنصة، ولا يخضع فيها المسؤول لابتزاز الإعلام، ولا يفلت فيها المبتز من المحاسبة مهما كان نفوذه أو جمهوره.

فحين يصبح الإعلام وسيلة للابتزاز، لا يعود السؤال: من يملك الحقيقة؟ بل: من يملك القدرة على بيعها، ومن يملك الشجاعة لاستعادتها من سوق الفاسدين؟