نوفمبر 8, 2026
ثثثثثثثثثثثث

رياض سعد

//من صراع النفوذ وتقاسم الثروة إلى استعادة بغداد لدورها الاتحادي.. وحدة العراق فوق حسابات الأحزاب

ما من عراقي يؤمن بوحدة بلاده، ويعتز بهويته الوطنية، إلا ويشعر بالارتياح حين يرى مؤشرات على تماسك الأراضي العراقية، وتعزيز الروابط بين محافظات الوطن، وتراجع مظاهر الانقسام السياسي والإداري التي أضعفت الدولة ومؤسساتها لعقود.

فالعراق، بتاريخه وجغرافيته وتنوعه القومي والثقافي، ليس مجموعة مناطق متنازعة، ولا إقطاعيات سياسية تتقاسمها الأحزاب والعوائل والطوائف والعشائر ، وإنما وطن واحد يفترض أن تجمع أبناءه المواطنة المتساوية، وأن توحدهم سلطة دستورية ومؤسسات اتحادية.

ومن هذا المنطلق، أثارت تصريحات رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني، وما أعقبها من إعلان انسحاب حزبه من حكومة إقليم كردستان، ورفضه الاعتراف بمخرجات جلسة برلمان الإقليم الأخيرة، وتلويحه بتشكيل مؤسسات سياسية موازية في السليمانية، اهتماماً واسعاً في الأوساط العراقية.

فقد رأى بعض المراقبين والمواطنين في هذه التطورات فرصةً لإعادة طرح قضية العلاقة بين بغداد والمحافظات الشمالية، وضرورة إنهاء الانقسامات الإدارية والمالية، وإعادة الاعتبار لسلطة الدولة الاتحادية، فيما ذهب آخرون إلى التشكيك في دوافع هذا التحرك، وعدّوه امتداداً للصراع الحزبي على النفوذ والثروة، أو محاولةً لإعادة ترتيب موازين القوى وفق حسابات داخلية وإقليمية.

وبين هذين الموقفين تبرز أسئلة سياسية جوهرية: هل نحن أمام تحول حقيقي في اتجاه تعزيز وحدة الدولة العراقية، أم أمام جولة جديدة من صراع الأحزاب على السلطة والموارد؟ وهل يمكن أن تتحول الخلافات بين أربيل والسليمانية إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة مع بغداد على أسس دستورية ومؤسساتية، بدلاً من استمرار منطق الإدارات المتنافسة ومراكز النفوذ المتعددة؟

أولاً: أزمة أربيل والسليمانية.. صراع يتجاوز حدود الخلاف الحزبي

لم يكن الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وليد اللحظة، بل يمتد إلى جذور سياسية وتاريخية عميقة، شهدت مراحل من التنافس والصدام، بل وصلت في تسعينيات القرن الماضي إلى الاقتتال الداخلي ووجود إدارتين منفصلتين في الإقليم.

واليوم، تعود ملامح تلك التجربة إلى الواجهة، ولكن في ظروف سياسية واقتصادية مختلفة.

ففي الخامس من تشرين الثاني 2026، أعلن بافل طالباني انسحاب الاتحاد الوطني من حكومة إقليم كردستان، ورفض الاعتراف بجلسة البرلمان التي عُقدت في أربيل، ولوّح بأن حزبه سيمضي في تسمية رئيس للإقليم ورئيس للحكومة في السليمانية، إذا مضى الحزب الديمقراطي في تشكيل مؤسسات الحكم من دون التوافق معه.

وهذه التطورات تعكس انتقال الخلاف من مستوى التنافس على المناصب والحقائب الوزارية إلى احتمال إنشاء مؤسسات سياسية وإدارية موازية، بما يهدد بإعادة إنتاج تجربة الانقسام الإداري التي عرفها الإقليم سابقاً.

لكن ما يهم العراقيين هنا ليس انتصار هذا الحزب أو ذاك، ولا انتقال مركز النفوذ من أربيل إلى السليمانية، وإنما معرفة ما إذا كانت هذه الأزمة ستفضي إلى تعزيز مؤسسات الدولة العراقية، أم ستتحول إلى مجرد إعادة توزيع للنفوذ بين قوتين سياسيتين.

 ثانياً: رواتب الموظفين والثروة النفطية.. أين تذهب موارد السليمانية؟

من أبرز القضايا التي تحضر في خلفية هذا التصعيد مسألة الرواتب والموارد المالية، وما يثار بشأن التفاوت في توزيع الاستحقاقات والمشاريع والخدمات بين مناطق الإقليم.

فقد تراكمت لدى قطاعات من المواطنين في السليمانية وحلبجة مشاعر استياء من طريقة إدارة الموارد، ومن الخلافات المستمرة بشأن الرواتب والمستحقات المالية، ومن الشعور بأن مركز القرار الاقتصادي والإداري يتركز في أربيل.

وتتردد في الخطاب الشعبي والسياسي اتهامات تتعلق بتوزيع عائدات النفط، والمنافذ الحدودية، والمشاريع الاستثمارية، ومدى استفادة المحافظات المختلفة من الموارد المتحققة فيها.

وهنا لا بد من طرح السؤال الذي ينبغي ألا يخضع للمزايدات الحزبية: كيف يمكن أن تكون هناك موارد وثروات ومنافذ اقتصادية، فيما يظل الموظف والمواطن رهينة الخلافات السياسية، ينتظر راتبه ومستحقاته، ويعيش تحت ضغط الأزمات المعيشية؟

إن رواتب الموظفين ليست منّةً من حزب، ولا هبةً من زعيم، ولا وسيلةً لشراء الولاءات السياسية؛ إنها حقوق مالية لا يجوز تحويلها إلى أوراق ضغط في صراع الأحزاب.

كما أن الثروة النفطية والمنافذ الحدودية ليست ملكاً لحزب أو عائلة سياسية أو مدينة بعينها، بل يجب أن تخضع للقانون والرقابة والشفافية، وأن توزع الموارد وفق الدستور والآليات المالية العادلة.

ومن هنا، فإن إعادة تنظيم العلاقة المالية بين بغداد والمحافظات الشمالية، وضمان وصول المستحقات إلى المواطنين بعيداً عن التجاذبات الحزبية، تمثلان مطلباً وطنياً يتجاوز الخلاف بين الحزبين.

 ثالثاً: العودة إلى بغداد.. استعادة الدولة أم استبدال مركز نفوذ بآخر؟

إن أكثر ما يستحق الاهتمام في هذه الأزمة هو إعادة طرح دور الحكومة الاتحادية في إدارة العلاقة بين بغداد والمحافظات التابعة لإقليم كردستان.

فإذا كانت الخلافات الحزبية قد بلغت مرحلة تعجز فيها المؤسسات الإقليمية عن ضمان الاستقرار الإداري والمالي، وإذا كانت رواتب الموظفين وحقوق المواطنين تتحول إلى موضوع للمساومة السياسية، فإن من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى بغداد، بوصفها العاصمة الاتحادية ومركز الدولة الدستورية.

لكن العودة إلى بغداد لا ينبغي أن تكون مجرد انتقال من تبعية سياسية إلى أخرى، ولا أن تتحول إلى وسيلة لإضعاف طرف وتقوية طرف آخر.

إن المطلوب هو العودة إلى الدولة ومؤسساتها، لا إلى زعاماتها وأحزابها؛ والعودة إلى الدستور، لا إلى التفاهمات المؤقتة؛ والاحتكام إلى القانون، لا إلى موازين القوة الحزبية.

ومن الضروري التمييز هنا بين المطالبة بإدارة اتحادية مباشرة لبعض الملفات، وبين إعلان الانفصال الإداري أو السياسي عن إقليم كردستان.. ,  فهذه مسائل مختلفة من الناحية الدستورية والقانونية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها قراراً واحداً.

كما أن الحديث عن دخول القوات الاتحادية إلى السليمانية، أو استعادة بغداد السيطرة الأمنية الرسمية على المحافظة، يحتاج إلى توضيح رسمي بشأن طبيعته وحدوده الدستورية؛ فلا ينبغي تحويل الشائعات أو التوقعات إلى وقائع سياسية محسومة.

إن السليمانية ليست مدينة غريبة عن العراق حتى تعود إليه، ولا أربيل خارج الجغرافيا العراقية حتى تصبح استعادتها شعاراً سياسياً… ؛  كلتا المحافظتين جزء من العراق، والمطلوب أن تكون سلطة الدولة وسيادة القانون حاضرتين فيهما وفي سائر المحافظات.

 رابعاً: لا انتصار وطنياً من دون إنهاء منطق الإقطاعيات الحزبية

لقد عانى العراق طويلاً من ظاهرة تعدد مراكز القرار، وتغليب الولاءات الحزبية على المؤسسات الدستورية، حتى تحولت بعض المواقع والمنافذ والموارد والوظائف إلى مناطق نفوذ تتنافس عليها القوى السياسية.

وهذه المشكلة لا تقتصر على إقليم كردستان، بل عرفتها مناطق ومؤسسات أخرى في العراق، بدرجات وأشكال مختلفة.

إن الدولة التي تُدار بمنطق الحصص الحزبية تفقد تدريجياً قدرتها على تحقيق المساواة بين المواطنين؛ لأن المواطن لا يعود يتعامل مع مؤسسة عامة محايدة، وإنما مع جهة سياسية قد ترتبط حقوقه برضاها أو نفوذها.

ولهذا، فإن أي خطوة تعيد القرار المالي والأمني والإداري إلى مؤسسات الدولة الاتحادية، وتضع الموارد تحت رقابة قانونية شفافة، يمكن أن تمثل مكسباً وطنياً مهماً.

لكن لا ينبغي أن نستبدل إقطاعية حزبية في أربيل بإقطاعية حزبية في السليمانية، أو أن نحتفل بانتقال النفوذ من جهة إلى أخرى، ثم نكتشف أننا لم نغادر المربع الأول.

فالوطنية لا تُقاس بعدد المؤسسات التي يمتلكها الحزب، ولا بحجم المناطق التي يسيطر عليها، بل بمدى احترامه للدولة وحقوق المواطنين والدستور.

 خامساً: بافل طالباني.. هل نحن أمام تحول وطني أم مناورة سياسية؟

من الطبيعي أن يتفاعل العراقيون إيجابياً مع أي تصريح أو موقف سياسي يفتح الباب أمام تعزيز العلاقة مع بغداد، أو يطالب بإنهاء احتكار الموارد والقرار، أو يرفض تحويل المحافظات إلى مناطق نفوذ حزبي.

وقد رأى بعض العراقيين في خطاب بافل طالباني، ولا سيما ما رافقه من إشارات إلى العلاقة مع بغداد، مؤشراً يستحق الترحيب والتفاؤل.

غير أن الموقف السياسي لا ينبغي أن يُقيّم من خلال التصريحات العلنية وحدها، مهما كانت عباراتها جذابة أو متوافقة مع تطلعات الجمهور.

فالفارق كبير بين أن يتخذ السياسي موقفاً وطنياً ثابتاً، وبين أن يستخدم مفردات الوطنية في لحظة اشتداد الصراع على السلطة.

وهنا لا بد من طرح أسئلة مشروعة: هل سيتحول هذا الموقف إلى خطوات عملية تعزز سلطة المؤسسات الاتحادية؟ وهل ستُدار الموارد المالية بشفافية؟ وهل ستُضمن رواتب الموظفين وحقوق المواطنين؟ وهل سيقبل الاتحاد الوطني بتطبيق القواعد نفسها على مناطق نفوذه، أم أن الاعتراض يقتصر على طريقة إدارة الحزب المنافس؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة السياسية الحقيقية للتحرك، لا الصور الإعلامية أو الخطابات الحماسية.

كما أن وضع العلم العراقي في خطاب سياسي أو مؤتمر لا ينبغي الاستهانة بدلالته الرمزية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات التحول الوطني.. ,  فالعلم يُحترم حين تتحول رمزيته إلى التزام بالدستور والسيادة والمواطنة، لا حين يبقى خلفيةً للصور والتصريحات.

 سادساً: التدخلات الخارجية.. هل يجري تفكيك المجزأ أم إعادة ترتيب النفوذ؟

ثمة من ينظر إلى التطورات الأخيرة بعين الريبة، ويربطها بتدخلات خارجية وإقليمية، ويرى أن الصراع بين أربيل والسليمانية قد لا يكون محصوراً في الحسابات الحزبية الداخلية، بل ربما يتقاطع مع مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى إلى إعادة ترتيب موازين النفوذ في شمال العراق.

وهذا الاحتمال يستحق البحث والتحليل، خصوصاً أن إقليم كردستان يقع في منطقة شديدة الحساسية، تتداخل فيها المصالح التركية والإيرانية والأميركية وغيرها ، فضلاً عن حسابات القوى المحلية.

لكن الإنصاف السياسي يقتضي ألا نحول الشكوك إلى حقائق، أو أن ننسب كل تحرك إلى جهة خارجية من دون أدلة موثقة.

فالتدخلات الخارجية قد تستفيد من الانقسامات الداخلية، وقد تدعم أطرافاً على حساب أخرى، لكن المسؤولية الأولى عن صيانة الوحدة الوطنية تقع على القوى العراقية نفسها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الخلاف على إدارة الموارد والسلطة إلى مدخل لإعادة إنتاج الانقسام، أو أن تصبح المحافظات ساحةً لتصفية حسابات إقليمية، بحيث لا يعود المواطن معنياً بحقوقه بقدر ما يصبح جزءاً من معادلة نفوذ لا يملك قرارها.

ولهذا، ينبغي أن يكون الموقف العراقي واضحاً: لا نريد تجزئة المجزأ، ولا تقسيم المناطق إلى دويلات حزبية، ولا نقل التبعية من محور إلى آخر؛ بل نريد دولةً عراقيةً موحدة، ذات سيادة كاملة، وعلاقات متوازنة مع محيطها، لا تسمح لأي طرف خارجي بأن يحدد مصير محافظاتها أو يوجه إرادة مواطنيها.

 سابعاً: السليمانية وأربيل.. مواطنون عراقيون قبل أن يكونوا جمهوراً حزبياً

من الضروري ألا تختزل هذه الأزمة في صراع الزعامات أو أن يُنظر إلى مواطني السليمانية وحلبجة وأربيل ودهوك باعتبارهم مجرد قواعد انتخابية لهذا الحزب أو ذاك.

فهؤلاء مواطنون عراقيون لهم الحقوق نفسها التي يتمتع بها بقية العراقيين، ومن حقهم الحصول على رواتبهم وخدماتهم وفرص العمل والأمن والتعليم والرعاية الصحية، بعيداً عن الخلافات الحزبية.

كما أن من حق سكان السليمانية وحلبجة أن يطالبوا بإدارة عادلة لمواردهم، وبإنصاف محافظاتهم، وبإنهاء أي تمييز أو احتكار اقتصادي أو إداري يتعرضون له.

لكن هذه المطالب ينبغي أن تقود إلى تعزيز المواطنة والدولة، لا إلى تكريس الانقسام الجغرافي والسياسي.

فالمواطن الكردي في السليمانية ليس أقل عراقيةً من المواطن الكردي في أربيل أو دهوك، كما أن المواطن العربي في بغداد أو البصرة أو الموصل ليس أكثر عراقيةً منه.

إن وحدة العراق لا تتحقق بإلغاء خصوصية المحافظات أو تجاهل حقوق سكانها، وإنما بضمان المساواة بينها، واحترام تنوعها، وإخضاع إدارتها للدستور والقانون.

 خاتمة: نريد عودة العراق.. لا انتصار حزب على حزب

إن ما يجري بين أربيل والسليمانية قد يكون بداية مرحلة سياسية جديدة، وقد يكون مجرد فصل آخر من فصول الصراع على السلطة والثروة.. ,  لكن المؤكد أن العراق لا يحتاج إلى المزيد من الانقسامات، ولا إلى إعادة إنتاج تجربة الإدارتين، ولا إلى تحويل المحافظات إلى ساحات تتنافس فيها الزعامات على النفوذ.

وإذا كان بافل طالباني قد اختار العودة بخطابه إلى بغداد، فإن المطلوب أن تتحول هذه العودة إلى مشروع سياسي ومؤسساتي حقيقي، لا إلى ورقة ضغط في مواجهة الحزب الديمقراطي الكردستاني.

نريد أن تعود الرواتب إلى مسارها القانوني، وأن تخضع الثروات للرقابة الاتحادية والدستورية، وأن تتساوى المحافظات في الحقوق والموارد، وأن تكون المؤسسات الأمنية والإدارية خاضعة للدولة، لا للأحزاب والتشكيلات المتنافسة.

ونريد أن يشعر المواطن في السليمانية وحلبجة وأربيل ودهوك بأنه يعيش في دولة واحدة، لا في مناطق نفوذ تتغير حدودها السياسية تبعاً لموازين القوة بين الزعامات.

أما الوطنية، فلا تُثبتها صورة علم، ولا خطاب عابر، ولا خلاف مع حزب منافس؛ وإنما تثبتها المواقف العملية التي تصون سيادة العراق، وتحمي حقوق مواطنيه، وتضع المصلحة العامة فوق المصالح الحزبية والإقليمية.

إننا لا نريد انتصار بافل على بارزاني، ولا انتصار السليمانية على أربيل، ولا انتقال مركز النفوذ من مدينة إلى أخرى؛ إنما نريد انتصار العراق على الانقسام، وانتصار الدولة على الإقطاعيات الحزبية، وانتصار المواطنة على الولاءات الضيقة.

فليكن ما يجري فرصةً لإعادة بناء الدولة العراقية، لا مناسبةً لإعادة توزيع مناطق النفوذ؛ وليكن طريقاً إلى بغداد، لا طريقاً إلى انقسام جديد.

فالعراق أكبر من الأحزاب، وأبقى من الزعامات، وأوسع من الحسابات الإقليمية؛ ووحدة أرضه وسيادته وكرامة مواطنيه ينبغي أن تكون المعيار الذي تُقاس به مواقف الجميع.