
رياض سعد
مقدمة: حين تتحول المهنة إلى وسيلة للإهانة
حين يصف أحد المحاورين والاعلاميين ضيفه بالعتاك او الجايجي او ابو الحلاوة والدهن الحر … الخ ، في سياق بدا أنه ينطوي على انتقاص من شأن هذه المهنة أو تلك ، لم تكن المسألة مجرد زلة لسان أو مفردة عابرة في حوار إعلامي او مقالة صحفية ، بل انها تثير سؤالاً اجتماعياً وثقافياً أوسع: لماذا تتحول بعض المهن، على الرغم من ضرورتها للحياة اليومية، إلى وسيلة للتعيير والسخرية التنمر والتقليل من شأن أصحابها؟ وكيف نشأت هذه النظرة التي تجعل الإنسان موضع احترام أو ازدراء بناءً على طبيعة العمل الذي يمارسه، لا على أخلاقه وكفاءته ومساهمته في المجتمع؟
إن التعيير بالمهن ليس ظاهرة لغوية فحسب، بل هو انعكاس لمنظومة من التصورات الاجتماعية التي رتبت الأعمال والناس في درجات متفاوتة من المكانة، وربطت بعض المهن بالوجاهة والشرف، وأخرى بالدونية والخدمة، حتى غدت المهنة، في بعض البيئات والمجتمعات ، معياراً للحكم على الإنسان وتصنيف منزلته الاجتماعية.
والأخطر في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بالانتقاص من العامل أو الحرفي، بل تتجاوز ذلك إلى إهانة عائلته وأبنائه، وكأن طبيعة العمل الذي يمارسه الأب أو الأم تحدد القيمة الإنسانية لأفراد الأسرة، أو ترسم مسبقاً حدود طموحهم ومكانتهم في المجتمع.
أولاً: المهنة بين القيمة الاقتصادية والمكانة الاجتماعية
تقوم المجتمعات، في حقيقتها، على شبكة واسعة من الأعمال والمهن المتكاملة، التي لا يستطيع أي مجتمع الاستغناء عنها مهما بلغت درجة تطوره أو ثرائه.. , فالطبيب يحتاج إلى البنّاء، والمهندس يحتاج إلى النجار، والتاجر يحتاج إلى العامل، والموظف يحتاج إلى السائق، والمثقف يحتاج إلى من يطبع كتابه وينقله ويوفر مستلزمات حياته.
ومع ذلك، لا تتساوى المهن في المكانة الاجتماعية التي يمنحها لها الناس؛ إذ كثيراً ما تتقدم في سلم الاعتبار الأعمال المرتبطة بالسلطة أو المال أو التعليم أو النفوذ العائلي، بينما تتراجع مكانة الأعمال اليدوية والخدمية، على الرغم من أنها قد تتطلب خبرة ومهارة ودقة لا تقل عن غيرها.
وهنا يظهر التناقض الجوهري: المجتمع الذي يحتاج إلى العامل في كل تفاصيل حياته قد ينظر إليه، في الوقت نفسه، نظرةً دونية؛ والمجتمع الذي لا يستطيع الاستغناء عن الحرفي قد يجعل من حرفته مادةً للسخرية.
فالحلاق – مثلا – ليس مجرد شخص يقص الشعر، بل صاحب مهارة تتطلب معرفة بأدواته، ودقة في عمله، وقدرة على التعامل مع الناس.. , والخياط والحائك ليس مجرد عامل بالإبرة، بل صاحب خبرة في القياس والتصميم والتفصيل.. , والنجار والحداد والبنّاء والسباك والكهربائي والميكانيكي وسائر أصحاب الحرف ليسوا عناصر هامشية في المجتمع، وإنما هم من يصنعون، بجهدهم اليومي، جانباً أساسياً من شروط الحياة واستمرارها.
إن القيمة الحقيقية للمهنة لا تُقاس بمقدار ما تمنحه لصاحبها من وجاهة اجتماعية، بل بما تؤديه من منفعة، وما تتطلبه من معرفة ومهارة، وما تضمنه من كسب مشروع واستقلال اقتصادي.
ثانياً: الجذور التاريخية للنظرة الدونية إلى الحرف
لا يمكن فهم ظاهرة التعيير بالمهن من دون العودة إلى تاريخ المجتمعات البشرية، حيث ارتبط العمل، في مراحل كثيرة، بنظام الطبقات والعبودية والملكية والامتيازات الاجتماعية.
ففي المجتمعات القديمة، لم يكن تقسيم العمل مجرد توزيع للوظائف الاقتصادية، بل كان يرتبط أحياناً بتقسيم البشر أنفسهم إلى طبقات متفاوتة الحقوق والمكانة.. , وقد احتلت الفئات الحاكمة والمحاربة والمالكة للأرض مراتب متقدمة، بينما ارتبطت بعض الأعمال اليدوية والخدمية بالعبيد أو الفئات الأقل حظاً من الحقوق والامتيازات.
وفي بعض البيئات العربية القديمة، ولا سيما في سياقات اجتماعية معينة، ظهرت تصورات تنظر إلى الاشتغال بالحرف اليدوية بوصفه أقل وجاهة من الرعي أو التجارة أو الانتساب إلى جماعة ذات مكانة قبلية.. ؛ وقد تناولت كتب التاريخ والأدب هذه التصورات، وأشارت إلى أن بعض الأعراب كانوا يستنكفون عن عدد من الصناعات والحرف، ويعدّونها أعمالاً لا تليق بأصحاب المكانة والنسب ؛ كالحياكة .
لكن من الضروري هنا التمييز بين وصف بعض الأعراف التاريخية وبين تعميمها على جميع العرب أو البدو؛ فالتاريخ الاجتماعي أكثر تعقيداً من أن يُختزل في حكم واحد على جماعة بشرية بأكملها.. , كما أن المجتمعات العربية عرفت، منذ القدم، صناعات وحرفاً متعددة، وبرز فيها التجار والصناع والنساجون والحدادون والنجارون وغيرهم.
والأدق أن هذه النظرة نشأت، في بعض البيئات، من تداخل عوامل اقتصادية وثقافية وطبقية، لا من أصل سكاني أو عرقي ثابت.
ثالثاً: الرعي والترحال والحضر.. اختلاف أنماط الحياة لا تفاضل الكرامة
يذهب بعض الباحثين إلى أن أنماط الحياة الرعوية والبدوية أسهمت، في ظروف تاريخية معينة، في تشكيل تصورات مختلفة عن العمل والمكانة الاجتماعية، مقارنة بالمجتمعات الزراعية والمدينية المستقرة.
فالمجتمع الرعوي، الذي يقوم على تربية الحيوانات والتنقل والاعتماد على الموارد المتغيرة، قد يمنح قيمة كبيرة للفروسية والشجاعة وحماية الجماعة والقدرة على الحركة، في حين تعتمد المجتمعات الزراعية والمدينية على تقسيم أكثر تخصصاً للعمل، وتحتاج إلى أعداد كبيرة من الحرفيين والصناع والعمال.
وقد يؤدي اختلاف هذه الأنماط الاقتصادية إلى اختلاف في ترتيب المهن من حيث الوجاهة الاجتماعية، لكنه لا يبرر تحويل ذلك الاختلاف إلى حكم أخلاقي على أصحاب الأعمال.
فالبدوي ليس بالضرورة محتقراً للحرفة، والمديني ليس بالضرورة محترماً للعامل، كما أن المجتمعات المستقرة قد عرفت بدورها أنظمة طبقية ونظرات دونية إلى بعض الأعمال.
إن المشكلة لا تكمن في الرعي أو الترحال أو الاستقرار، بل في تحويل المكانة الاجتماعية إلى معيار لتقييم الكرامة الإنسانية، واعتبار بعض الأعمال أقل شأناً لمجرد ارتباطها بالخدمة أو الجهد البدني.
رابعاً: التراث الإسلامي وإعادة الاعتبار إلى العمل والكسب
على الرغم من وجود بعض الأعراف الاجتماعية التي انتقصت من شأن الحرف، فإن التراث الإسلامي يقدم منظومة أخلاقية مغايرة تقوم على احترام العمل والكسب المشروع، وعدم جعل النسب أو المال أو المهنة معياراً للتفاضل الإنساني.
اذ جاء في الآيات القرآنية : ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].. , و ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4].
وفي الحديث النبوي المشهور: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده».
وورد في التراث الإسلامي ما يدل على احترام أصحاب الحرف ومجالستهم، وعدم الاستنكاف عن قبول دعوتهم.. , وتذكر كتب السيرة أن النبي محمد كان يقبل دعوة أصحاب الأعمال، ومنهم الخياطون، في سياق يبرز التواضع الاجتماعي وتجاوز الحواجز المصطنعة بين الناس.
ومن الدلالات التاريخية المهمة أن كثيراً من العلماء والمحدثين والفقهاء عُرفوا بألقاب مهنية، مثل الغزّال والحدّاد والورّاق والقصّاب والنجّار والصبّاغ، ولم يكن الانتساب إلى الحرفة بالضرورة مانعاً من تحصيل العلم أو بلوغ المكانة الدينية والفكرية.
وفي بغداد العباسية، نشطت الحرف والصناعات، وظهرت تجمعات لأصحاب المهن، وأسهمت في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.. , كما شهدت مدن العالم الإسلامي تطوراً في الصناعات والمنسوجات والمعادن والجلود والورق وغيرها، بما يعكس أهمية العمل الحرفي في بناء الحضارة.
ولا ينبغي أن نتصور التاريخ الإسلامي مجتمعاً خالياً من التراتب المهني أو التمييز الاجتماعي؛ فقد وجدت فيه تفاوتات طبقية وأعراف متباينة.. , لكن هذه الوقائع لا تلغي وجود اتجاه أخلاقي وديني واضح نحو تكريم العمل الشريف، ولا تجعل احتقار الحرف قاعدة عامة ثابتة.
خامساً: الحرفيون في بناء الحضارة.. من بغداد إلى المدن الحديثة
إن الحضارات لا تُبنى بالأفكار وحدها، ولا بالسلطة أو المال فقط، وإنما تتجسد في أعمال البشر ومهاراتهم وقدرتهم على تحويل المعرفة إلى واقع مادي.
فبغداد العباسية لم تكن مدينة العلماء والفقهاء والأدباء فحسب، بل كانت أيضاً مدينة الأسواق والورش والصناعات، حيث عمل الورّاقون والنسّاخ والخياطون والحدادون والنجارون والصاغة وغيرهم، وأسهموا في تكوين اقتصاد حضري متنوع.
وفي المدن الإسلامية، كانت الأسواق تضم تخصصات مهنية متعددة، وتخضع بعض الأعمال لأعراف وتنظيمات خاصة، كما عُرفت في العهد العثماني طوائف حرفية لعبت دوراً مهماً في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
وقد ارتبطت بعض العائلات العربية بألقاب مهنية أصبحت جزءاً من هويتها الاجتماعية، مثل الحداد والنجار والخياط والعطار والصباغ والورّاق والصفار .. , وهذا دليل على أن المهنة لم تكن دائماً موضع انتقاص، بل كانت، في سياقات كثيرة، مصدراً للاعتراف الاجتماعي والانتساب العائلي.
وفي العصر الحديث، لم يعد البناء الحضاري ممكناً من دون العمال والفنيين وأصحاب الاختصاصات المهنية.. , فالمستشفيات لا تعمل من دون فرق الصيانة والنظافة والتجهيز، والمدارس لا تستمر من دون العاملين في خدماتها، والمدن لا تُبنى من دون البنّائين والمهندسين والفنيين وعمال النقل والخدمات البلدية.
ومن هنا، فإن التقليل من شأن هذه الأعمال لا يعكس ضعفاً في تقدير الأفراد فحسب، بل يعكس قصوراً في فهم طبيعة المجتمع الحديث، الذي يقوم على الاعتماد المتبادل بين مختلف المهن والاختصاصات.
سادساً: التعيير بالمهنة.. حين يتحول العمل إلى وصمة اجتماعية
من أخطر مظاهر هذه الثقافة أن تتحول أسماء المهن إلى ألفاظ للإهانة، فتُستخدم كلمات مثل: الحلاق، والحمّال، والكنّاس، والخادم، والزبّال، وغيرها، لا للدلالة على طبيعة العمل، بل للتقليل من شأن الشخص أو التشكيك في مكانته.
وهذا التحول يكشف عن انتقال اللغة من وظيفتها التعريفية إلى وظيفة اجتماعية تمييزية؛ إذ لا يعود الاسم وصفاً لمهنة، بل يصبح أداةً لإلحاق الوصمة بصاحبها.
وتتجلى هذه الظاهرة في صور متعددة، منها:
– تعيير الإنسان بمهنته، حتى لو كانت مهنة شريفة ومصدر رزق مشروع.
– الانتقاص من الأب أو الأم بسبب طبيعة عملهما، وكأن الأبناء مسؤولون عن اختيار والديهم المهني.
– السخرية من العاملين في النظافة والخدمات البلدية، أو من أصحاب الأعمال اليدوية.
– استخدام المهنة في سياق التشهير أو الإهانة أثناء الخصومات الاجتماعية والسياسية.
– اعتبار بعض الأعمال عائقاً أمام الزواج أو الوجاهة أو الانتماء إلى جماعة ذات مكانة.
– تصوير العمل البدني على أنه دليل على ضعف القدرات العقلية أو انخفاض المستوى الثقافي.
والمفارقة أن كثيراً ممن يمارسون هذا التعيير لا يترددون في الاستفادة من خدمات أصحاب المهن التي يحتقرونها، بل قد يكونون عاجزين عن القيام بأبسط أعمالها.
إن هذه السلوكيات لا تمثل مجرد إساءة شخصية، وإنما تعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي، وتغرس في الأجيال فكرة أن الإنسان ينبغي أن يخجل من عمله، لا أن يعتز بإتقانه.
سابعاً: علم الاجتماع ومفهوم الوصمة المهنية
تقدم الدراسات الاجتماعية الحديثة مفهوماً مهماً لفهم هذه الظاهرة، هو ( الوصمة المهنية ) ؛ ويشير إلى الصور النمطية والأحكام السلبية التي يفرضها المجتمع على بعض المهن، ثم ينقلها إلى الأشخاص الذين يمارسونها.
وقد تناول عالم الاجتماع إرفنغ غوفمان، في كتابه : الوصمة: ملاحظات حول إدارة الهوية المتضررة، كيفية تحول بعض الصفات الاجتماعية إلى علامات تنتقص من الاعتراف بالإنسان، وتؤثر في علاقاته وموقعه داخل الجماعة.
وفي مجال العمل، تناول الباحثان بليك أشفرث وغلين كراينر مفهوم الأعمال الموصومة اجتماعياً، وهي الأعمال التي قد ينظر إليها الآخرون باعتبارها غير مرغوبة أو مهينة أو منخفضة المكانة، رغم ضرورتها الاقتصادية والاجتماعية.
وتشمل هذه الأعمال، في بعض المجتمعات، النظافة العامة، وجمع النفايات، وخدمات الصيانة، وبعض الأعمال اليدوية والخدمية.
ولا يعني وصف هذه المهن بأنها موصومة أن العاملين فيها أقل كفاءة أو قيمة، بل يعني أن المجتمع قد ألصق بها حكماً سلبياً لا يستند بالضرورة إلى طبيعة العمل أو أهميته.
وهنا ينبغي التمييز بين أمرين:
الأول: طبيعة العمل وظروفه، فقد تكون بعض المهن شاقة أو خطرة أو غير صحية، وهو ما يستوجب تحسين شروطها وتوفير الحماية للعاملين فيها.
الثاني: المكانة الاجتماعية للعامل، وهي لا ينبغي أن تتأثر بمدى اتساخ العمل أو مشقته أو ارتباطه بالخدمة.
فمن الخطأ أن تتحول المشقة إلى عار، أو أن يصبح التعرض للأوساخ أو المخاطر سبباً لانتقاص كرامة من يؤدي عملاً ضرورياً للمجتمع.
ثامناً: النظافة العامة.. نموذج صارخ للتناقض الاجتماعي
تُعد مهن النظافة والخدمات البلدية من أكثر المجالات التي تكشف تناقض النظرة الاجتماعية إلى العمل.
فالعامل الذي ينظف الشوارع، ويرفع النفايات، ويزيل آثار الإهمال، يؤدي وظيفة أساسية في حماية الصحة العامة والمحافظة على البيئة والمظهر الحضاري للمدينة.. , ومع ذلك، قد يُنظر إليه في بعض البيئات نظرةً دونية، أو يُعامل كما لو أن طبيعة عمله تنزع عنه شيئاً من كرامته الإنسانية.
وهذا تصور بالغ الخلل؛ لأن النظافة ليست عملاً هامشياً، بل شرط من شروط الصحة والحياة المدنية.. , فالمدينة التي لا تجد من ينظف شوارعها تتعرض للتلوث والأمراض، مهما امتلكت من مؤسسات أو مبانٍ أو مظاهر عمرانية.
والأمر الأكثر تناقضاً أن بعض الأشخاص الذين ينتقصون من عمال النظافة هم أنفسهم من يلقون النفايات في الشوارع، أو يتركون مخلفاتهم في الأماكن العامة، ثم يتوقعون من العامل أن يعيد ترتيب الفوضى التي صنعوها.
إن احترام العامل لا ينبغي أن يكون مشروطاً بنظافة عمله، بل بكونه إنساناً يؤدي وظيفة مشروعة. كما أن احترام النظافة العامة يبدأ من احترام من يقوم بها، ومن تقدير الجهد الذي يبذله في خدمة المجتمع.
تاسعاً: المهنة والكرامة في المجتمعات العربية.. بين الإرث التقليدي والتحولات الحديثة
لا يمكن الحديث عن النظرة الدونية إلى المهن في المجتمعات العربية من دون الاعتراف بتنوع هذه المجتمعات وتفاوت تجاربها التاريخية.
فقد عرفت بعض البيئات العربية تقاليد طبقية ومهنية جعلت بعض الأعمال أقل اعتباراً من غيرها، وربطت المكانة الاجتماعية بالنسب والملكية والانتماء العائلي أو القبلي.. , وفي المقابل، عرفت بيئات أخرى تقديراً كبيراً للصناعة والتجارة والحرف، واحتفت بأصحابها، وورّثت أسماء المهن لأجيال من العائلات.
وقد أسهمت التحولات الاقتصادية الحديثة، واتساع التعليم، ونشوء المؤسسات الحكومية، والاعتماد على الوظائف الإدارية، في إعادة تشكيل نظرة الناس إلى العمل.
وفي بعض المجتمعات، أصبح الحصول على وظيفة حكومية أو مكتبية يُنظر إليه بوصفه علامة على النجاح الاجتماعي، في حين تراجعت مكانة بعض الأعمال المهنية والحرفية، حتى باتت الأسر تدفع أبناءها إلى تجنبها، لا بسبب ضعف مردودها الاقتصادي بالضرورة، بل خشية نظرة المجتمع.
وفي العراق، كما في عدد من البلدان العربية، تظهر هذه المفارقة في تفضيل بعض الأسر الوظائف المكتبية أو الحكومية على المهن الفنية والحرفية، حتى عندما يكون العامل الماهر أكثر استقلالاً اقتصادياً، أو أكثر قدرة على تحقيق دخل جيد.
وتشير تقارير سوق العمل والتدريب المهني في العراق إلى وجود احتياجات فعلية للمهارات الفنية والحرفية، وإلى تحديات تتعلق بنقص التدريب وفرص العمل والاختصاصات المطلوبة. وهذا يبرز أن النظرة الاجتماعية السلبية إلى بعض المهن لا تؤثر في كرامة العامل وحدها، بل قد تسهم أيضاً في إضعاف الإقبال على التدريب المهني، وتفاقم فجوات المهارات في الاقتصاد.
ومن هنا، فإن تغيير النظرة إلى العمل الحرفي ليس مسألة أخلاقية فقط، بل هو ضرورة اقتصادية وتنموية.
عاشراً: لماذا يحتقر بعض الناس المهن التي يحتاجون إليها؟
يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال مجموعة من العوامل الاجتماعية والنفسية المتداخلة:
1. وهم التفوق الاجتماعي
يستخدم بعض الأفراد المكانة المهنية وسيلةً لتعويض شعور داخلي بالنقص، أو لتأكيد تفوقهم على الآخرين.. , فيصبح احتقار العامل محاولةً رمزية لإثبات الذات، لا تعبيراً عن قيمة حقيقية.
2. ثقافة المظاهر والوجاهة
حين يصبح المظهر الخارجي، والمنصب، والمال، واللقب، والنسب، أهم من الكفاءة والعمل، تتراجع قيمة الإنتاج الحقيقي، ويصبح الإنسان أسير المقارنات الاجتماعية.
3. الإرث الطبقي
تستمر بعض التصورات القديمة عن المهن في الوعي الجمعي، حتى بعد تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي نشأت فيها.. , وقد تنتقل هذه التصورات من جيل إلى آخر عبر التربية والأمثال والنكات واللغة اليومية.
4. ضعف التربية على احترام العمل
عندما لا يتعلم الطفل أن كل عمل مشروع يستحق الاحترام، فإنه قد يكتسب مبكراً نزعةً إلى التمييز بين الناس بحسب وظائفهم، ويعيد إنتاجها في المدرسة والشارع ومكان العمل.
5. الخلط بين العامل والعمل
قد يكره الإنسان طبيعة عمل معين أو يراه شاقاً أو غير مناسب له، لكن ذلك لا يمنحه الحق في احتقار من يمارسه.. , فالتفضيل الشخصي شيء، والحكم على كرامة الآخرين شيء آخر.
6. الاستعلاء الطبقي أو القبلي
في بعض البيئات، قد تتداخل المهنة مع النسب أو الانتماء العائلي أو القبلي، فتتحول إلى أداة لترتيب الناس في مراتب اجتماعية.. ؛ وهنا لا يعود الحكم على العمل، بل على الشخص الذي يمارسه، وعلى الجماعة التي ينتمي إليها... ؛ كالحساوية والبَرَبرة في جنوبي العراق؛ فهم من زُرّاع الخضراوات وصائدي الأسماك.
الحادي عشر: احترام المهنة لا يعني تقديسها أو إلغاء النقد
إن الدعوة إلى احترام أصحاب المهن لا تعني أن جميع الأعمال متساوية من حيث المهارة أو المسؤولية أو الأجر أو الأهمية الاقتصادية، ولا تعني إلغاء الفروق المهنية أو العلمية.
فمن الطبيعي أن تختلف المهن في شروطها ومتطلباتها، وأن تتفاوت الأجور تبعاً للخبرة والاختصاص والمسؤولية والعرض والطلب.
لكن التفاوت في الأجر أو التخصص أو المكانة الوظيفية لا ينبغي أن يتحول إلى تفاوت في الكرامة الإنسانية .
كما أن احترام العامل لا يعني إعفاءه من المساءلة المهنية؛ فكل مهنة لها معاييرها، وكل عامل مسؤول عن جودة عمله وأمانته والتزامه.. , لكن النقد ينبغي أن يتوجه إلى الأداء أو السلوك أو الإخلال بالواجب، لا إلى المهنة بوصفها هويةً مهينة.
وهذا هو الفارق بين المجتمع الذي يقيّم العمل، والمجتمع الذي يصنف البشر.
الثاني عشر: نحو ثقافة اجتماعية جديدة تحترم العمل وتعيد الاعتبار إلى العامل
إن معالجة ظاهرة التعيير بالمهن لا تتحقق بمجرد الدعوة الأخلاقية إلى احترام الآخرين، بل تتطلب تغييراً في الثقافة الاجتماعية وفي السياسات التعليمية والإعلامية والاقتصادية.
ويمكن أن يبدأ ذلك من مسارات عدة:
– التربية الأسرية: تعليم الأطفال أن قيمة الإنسان لا تتحدد بمهنة والديه، وأن العمل الشريف مصدر اعتزاز لا خجل.
– المدرسة: إدخال ثقافة احترام المهن والمهارات العملية ضمن التربية المدنية والأخلاقية، وتعريف الطلبة بأهمية العمل الفني والحرفي.
– الإعلام: التوقف عن استخدام المهن بوصفها أدوات للسخرية أو الإهانة، وتقديم نماذج إيجابية للعاملين والحرفيين وأصحاب الخدمات.
– التعليم المهني: تطوير المعاهد الفنية والتقنية، وتحسين جودة التدريب، وربط المهن بسوق العمل، وتوفير مسارات حقيقية للترقي المهني.
– العدالة الاقتصادية: تحسين الأجور وظروف العمل والحماية الاجتماعية، لأن احترام العامل لا يتحقق بالشعارات وحدها.
– التشريعات: حماية العمال من الاستغلال والإهانة والتمييز، وضمان حقوقهم في الأجر والسلامة والضمان الاجتماعي.
– الثقافة العامة: مراجعة الأمثال والنكات والتعبيرات التي تكرّس التمييز المهني، والتعامل معها بوصفها ممارسات قابلة للنقد والتغيير.
كما ينبغي أن تتوقف الأسر عن النظر إلى التعليم المهني بوصفه خياراً اضطرارياً لمن لم ينجح في التعليم الأكاديمي؛ فالمهارة الفنية قد تكون مساراً ناجحاً ومتميزاً، وتحتاج المجتمعات الحديثة إلى الفنيين بقدر حاجتها إلى الأطباء والمهندسين والباحثين.
خاتمة: الإنسان أكبر من مهنته
إن المهنة ليست عاراً يلاحق الإنسان، ولا لقباً يمنحه تفوقاً على الآخرين، بل هي وسيلة للكسب والإنتاج والمساهمة في الحياة العامة.
ومن يعيّر الحلاق بحرفته، أو يحتقر الحداد والنجار والبنّاء والسباك والكهربائي وعامل النظافة، إنما يعبّر عن خلل في فهم معنى العمل، وعن تصور اجتماعي يخلط بين الوجاهة والكرامة، وبين المكانة الاقتصادية والقيمة الإنسانية.
فليس من الحضارة أن يتباهى الإنسان بمنصبه، ثم ينتقص من العامل الذي يخدمه؛ وليس من الرقي أن يطلب المرء النظافة، ثم يحتقر من ينظف؛ وليس من الأخلاق أن يعتز بملابسه، ثم يسخر من الخياط؛ أو يسكن بيتاً بناه البنّاء، ثم ينظر إليه نظرةً دونية.
إن المجتمعات لا تنهض باحتقار العمل، بل بتقديره، ولا تتقدم بإهانة أصحاب الحرف، بل بتطوير مهاراتهم، ولا تحقق العدالة بتصنيف الناس إلى مراتب من الكرامة، بل بتوفير فرص متكافئة للاعتراف والاحترام.
والمعيار الحضاري الحقيقي ليس نوع المهنة التي يمارسها الإنسان، وإنما نزاهته في العمل، وإتقانه لما يؤديه، واحترامه لحقوق الآخرين، وقدرته على أن يكون عضواً نافعاً في المجتمع.
فالعامل الذي يكتسب رزقه بعرق جبينه ليس أدنى من صاحب المكتب أو المنصب؛ والحرفي الذي يتقن صنعته ليس أقل قيمة من صاحب الشهادة؛ وعامل النظافة الذي يحافظ على صحة المدينة ليس أقل شأناً من المسؤول الذي يديرها.
إن كرامة الإنسان لا تُقاس بيده التي تحمل القلم أو المطرقة أو المكنسة، بل بما تحمله تلك اليد من أمانة، وما تقدمه من عمل، وما تصونه من كرامة.
وحين يتعلم المجتمع احترام المهنة، فإنه لا ينصف العامل وحده، بل ينصف نفسه، ويعيد بناء علاقته بالعمل والإنسان والحضارة.





