فاضل حسن شريف
جاء في موقع عربي 21 عن حميدتي والبرهان على فوهة البركان للكاتب غسان شربل: تاريخ السودان الحديث رجراج ومكلف. بعد عامين من استقلاله في 1956 قاد الفريق إبراهيم عبود انقلابا أطاح الحكومة المدنية. وفي 1964 ستطيح انتفاضةٌ حكمَ عبود، سيتشاجر المدنيون طويلا حول الدستور ومرجعياته، وفي 1969 سيطيح العسكريون المدنيين المتصارعين على السلطة. سيقيم جعفر نميري طويلا، لكنّ انتفاضة ستطيح حكمه في 1985. زعمت الأحزاب والنقابات أنها تعلمت من الماضي، وأنها لن تسقط مجددا في الفخ القديم. في 1989 أطاح انقلاب برئاسة الفريق عمر البشير حكومةَ رئيس الوزراء الراحل الصادق المهدي، وسيقيم البشير طويلا، وفي عهده الشائك سيختار جنوب السودان الطلاق، فتولد للبلاد خريطة جديدة أقل من تلك التي كانت يوم الاستقلال. تشارك البشير مع الترابي وأدى السودان أدوارا إخوانية تفوق قدرته على الاحتمال. تشارك البشير مع الترابي ثم تشاجر معه، وفي الحالين خرج السودان خاسرا. رقص البشير بالعصا محتفلا وتوهّم مناعة لم تكن. وفي 2019 وعلى وقع انتفاضة جديدة، تشارك الجنرالان عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي) في إطاحة الرجل الذي صعدا في ظله. كان الحديث عن مرحلة انتقالية وحكم مدني، لكنّ الجنرالين تشاركا مجددا في 2021 في إطاحة الحكومة المدنية. في 15 أبريل (نيسان) الحالي، باحت المدافع بما تخفيه الصدور، تحول الشريكان السابقان عدوين لدودين. معركة بلا رحمة انتقلت إلى المدن والأحياء. ليست مجرد كراهية فاضت بين جنرالين، إنها أبعد وأخطر. المؤسف أنَّ الجنرالين يتصرفان كأن السودان انزلق إلى مرحلة فوات الأوان. قال البرهان، إنه لن يخرج إلا في نعش. حميدتي يفكر بالأسلوب نفسه. إنها مدرسة القصر أو القبر. يتصارع حميدتي والبرهان على فوهة البركان.
يتصور الطاغية أن حياة الدنيا باقية لا تزول “َاوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ” (إبراهيم 44). ومن افعال الطغاة القتل واستباحة الاعراض والفوقية على الاخرين وهو جزء من الفساد في الارض “قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ” (الأعراف 127).
جاء في صفحة الالوكة الشرعية عن الكوارث و التفسيرات المادية للشيخ إبراهيم بن صالح العجلان: ها هي المحن من حولكم تستعتبكم، فتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون. استدفعوا البلاءَ بكثرة الاستغفار، “وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ” (الأنفال 33). واتقوا كوارث الدَّهر بالتغيير والإصلاح، “وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ” (هود 117). كونوا من أولي البقية الذين ينهوَن عن الفساد في الأرض، أكثروا من صدقة السر، فهي تطفئ غضبَ الرب، تبرعوا للمستضعفين المحتاجين والأنِّين. ارجعوا إلى ربكم حقًّا وصدقًا، كما رجع خيار أمتكم، الذين جمعوا العملَ الصالح مع الخوف من الله في أزماتهم. ونعوذ بالله أن نكونَ مِمَّن جمع الخطايا مع الأمن من مكر الله. نعوذ بالله أن نكون ممن عَمِيَت بصائرهم، فغرَّتْهم الدنيا عن الدين. نعوذ بالله أن نكون ممن قال الله فيهم: “أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ” (التوبة 126).
يقول الاعلامي عبد الخالق الفلاح عن السودان والحل الصعب: المعارك بالأسلحة الثقيلة تتواصل في السودان في مناطق عديدة، فيما يتدخّل سلاح الجو بانتظام حتى داخل الخرطوم لقصف مقار لقوات الدعم السريع، وينتشر مقاتلون باللباس العسكري مدجّجون بالأسلحة في شوارع العاصمة التي تملأها أيضا الآليات العسكرية، في وقت يصعب فيه تشخيص الوضع على الأرض. وهكذا يجري تدمير السودان وهدر دماء مواطنيه في ظل المعارك المشتعلة بين أصحاب المصالح الشخصية في الجانبين، ويتجه السودان بسرعة نحو الدولة الفاشلة الصوملة، في ظل مخاوف أن تغذيها جهات دولية بما يطيل أمد الحرب، بينما تشح الأغذية، وتنقطع مياه الشرب والكهرباء والأنترنت، ليصبح من ينجو من القتال ضحية كارثة إنسانية. وهكذا عندما تفقد الوطنية مفهومها ويغلب صراع فقدان الضمير في أي بلد يحرق الأخضر واليابس وعندما تطغى المصالح الشخصية في الحكومات على حماية مؤسسات البلد يكون سلاح الدم هو الحاكم ونحن في العراق عشنا مثل هذه المرحلة ولازلنا نتذوق مرارتها وما يجري اليوم من تدمير للسودان وهدر دماء مواطنيه في ظل المعارك المشتعلة بين أصحاب المصالح الشخصية في الجانبين، ويتجه السودان بسرعة نحو الدولة الفاشلة المتهاوية في ظل مخاوف أن تغذيها جهات دولية بما يطيل أمد الحرب، و تشح الأغذية، وتنقطع مياه الشرب والكهرباء والأنترنت، ليصبح من ينجو من القتال ضحية كارثة إنسانية، والحل عبر حوار أمراء الحرب لن تجدي نفعا، ولن تجد دعوات الحوار أي صدى من أصحاب المصالح، وفي حالة إنتصار أي منهما لن تتوقف المأساة، فلو إنتصرت قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي ستواصل وحدات من الجيش القتال، لرفضها تولي حميدتي، وفي الة إنتصار الجيش لن يستطيع بسط سيطرته على الأطراف وكثير من المناطق، ولا حل إلا بحراك شعبي يدعو للسلام والحكم الوطني الديمقراطي، ويطالب بتنحية كل من أشعلوا الحرب، وامتداداتها المدنية، وكل من يتلقون التمويل سواء من دول الخليج أو أوروبا، ورغم صعوبة هذا الطرح فإنه الطريق الصعب هو الحل الوحيد لخروج السودان من محنته القاسية.
الفساد هو الابتعاد عن الصواب، وعكسه الصلاح هو الاقتراب من الصواب. وصيغة فعل الفساد ذكرت في القرآن في عدد من الآيات. وجاء في القرآن الكريم بصيغتي الفعل والاسم. والمفسد عكس المصلح. وهذا يدل على خطورة الفساد وضرورة مكافحته لأنه أساس البلاء والفتنة. ومن الايات التي جاء فيها الفساد بصيغة الفعل “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ” (البقرة 11)، و”لَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ” (المؤمنون 71)، و “لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا” (الأنبياء 22)، و “وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا” (البقرة 205)، و “قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا” (النمل 34). وأكثر الأفعال في القرآن الكريم هي عن فساد الأرض. وكاشف الفساد عليه ان يعرف ان الله تعالى ربط الفساد بالارض في ايات عديدة منها “وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ” (الرعد 25). و “لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ” (الاسراء 4) وربما يتكرر الفساد من الشخص او المجموعة اكثر من مرة. و (الكهف 94)، و “وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ” (المؤمنون 71) لم يذكر الفساد في السماوات الا قليلا، و “الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ” (الشعراء 152)، و “وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ” (النمل 48). و “وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ” (القصص 77) وعليك ان لا تبغي الفساد في الارض. و من ايات فساد الارض “نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا” (القصص 83)، و “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ” (الروم 41)، و “أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ” (ص 28)، و “إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ” (غافر 26)، و “فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ” (محمد 22).
من الفساد القضاء غلى النسل واستحياء النساء “يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ” (القصص 4). تعاطي المخدرات والتعامل معها نوع من الفساد. كما جاء في الكافي (إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُحَرِّمِ الْخَمْرَ لِاسْمِهَا وَلَكِنْ حَرَّمَهَا لِعَاقِبَتِهَا فَمَا فَعَلَ فِعْلَ الْخَمْرِ فَهُوَ خَمْرٌ). وأنها مضرة بصحة الجسم والعقل وكما جاء في الحديث الشريف (لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ). ولو يعلم الفاسد ان الله يراقبه لعله يرتدع “وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا” (الإسراء 13) حيث أعمال الأنسان الفاسدة تسجل وتعرض عليه يوم القيامة. وعدم الركض وراء هوى النفس هي من ركائز مكافحة الفساد “يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ” (ص 26) والاية دعوة ورسالة داوود عليه السلام إلى قومه بعدم اتباع الهوى عن سبيل الله وهو سبيل الأمانة وليس اتباع الهوى الذي يؤدي إلى الفساد.
وفي مقال منشور في صحيفة الصنداي تلغراف البريطانية، تقريرا عن نائب رئيس المجلس العسكري في السودان محمد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي تحت عنوان (من تاجر جمال إلى الحاكم المقبل للسودان أقدم لكم حميدتي قائد الميليشيا الدموي الساعي إلى تدمير الثورة). ويروي التقرير قصة عن أحد الشباب السودانيين ويدعى احمد قائلا إنه توقف في إحدى نقاط التفتيش في العاصمة الخرطوم وبينما يتفحص الجندي سيارته قام فجأة من الخلف بجذب شعر رأسه بقوة واضعا سكينا على عنقه قائلا (السودان ملكنا الأن وبعد ثوان معدودة تركه الجندي يرحل مذهولا وهو يردد قائلا “نحن نملك هذا البلد). ويضيف أنه عندما أطلق المجلس العسكري السوداني ميليشيات الدعم السريع لفض الاعتصامات وإنهاء الحراك الثوري في شوارع العاصمة والمدن المختلفة رفض تجمع المهنيين السودانيين، الذي أطلق الحركة الاحتجاجية، الاستسلام معلنا الاستمرار في المعركة وبدء عصيان مدني كامل. واشار إلى أن الجميع ينظرون إلى اللواء دقلو على أنه تاجر جمال سابق وينحدر من إحدى القبائل التشادية الذي لم يحصل على أي نوع من انواع التعليم أو التدريب العسكري وبالتالي فهو مرشح رئاسي غير مرغوب فيه ناقلا عن رئيس جهاز الاستخبارات السوداني السابق قوله في حميدتي إنه (لص تدرج حتى سرقة سيارات تويوتا). وأوضح أن (حميدتي انضم لميليشيات الجنجويد عام 2003 عندما اندلعت الحرب في دارفور وقامت هذه الميليشيا لاحقا بارتكاب جرائم حرب ضد ابناء الإقليم من العرقيات غير العربية واتهمت الوحدة التي كان يقودها حميدتي في ذلك الوقت بارتكاب جرائم اغتصاب وقتل جماعي، لكن ضابط الاستخبارات المحلي السابق في دارفور يؤكد أن هدف حميدتي الأساسي كان الحصول على الأموال والتجارة مع أطراف القتال بكل بساطة). ولفت إلى أن الجنجويد تحولت عام 2013 إلى قوات الدعم السريع وقام البشير بترقية حميدتي الذي وعلى غير ظن الكثيرين انقلب على سيده عندما بدأت الاحتجاجات ضده نهاية العام الماضي وخرج علنا ليؤكد أن قواته لن تطلق النار على المتظاهرين وأنه على الحكومة أن تبحث مظالم المواطنين.