فاضل حسن شريف
جاء في کتاب مسلم بن عقيل عليه السلام للشيخ محمد البغدادي: والحال في مسلم كذلك فهو وإن لم يكن معصوماً إلاّ أنّه لم يُخطئ في خطوةٍ ولو كان أيّ أحدٍ من المؤمنين الخُلّص مكانه لما فعل في كلّ حدث إلاّ ما صنعه مسلم؛ إذ تصرّفه هو التصرّف الأحسن في وقته ومن يدّعِ غير هذا فليدفع عن نفسه الآثار السيئة لأعماله. “وَ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَ ما مَسَّنِيَ السُّوءُ” (الاعراف 188). وأخيراً أقول: الرجاء ممّن يكتب أو يتحدّث عن قادة الأمّة ولم يكن له غرض سيّئ يدفعه إلى هذا النحو من التحليل فليتّق الله ربّه، وليخف يوم الحساب، وليتأكّد من صحّة أدلّته ووجاهة تحليلاته. “فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمين” (الحجرات 6). وقال تعالى: “أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرين” (الزمر 56). الأمّة تمرّدت على الأصنام وعلى زعماء مكّة لأجل الله، ثمّ عادت تخنع تحت نفس أولئك الزعماء بنفس الأفكار والمحتوى غير أنّ المظاهر بقيت مظاهر إسلامية. انظر إلى هذه المحاورة بين معاوية وابن عباس: يقول معاوية: فإنّا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليّ وأهل بيته فكُفّ لسانك. فقال: يا معاوية، أتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا. قال: أفتنهانا عن تأويله؟ قال: نعم. قال: فنقرؤه ولا نسأل عمّا عنى الله به؟ ثمّ قال ابن عبّاس: فأيّهما أوجب علينا، قراءته أو العمل به؟ قال: العمل به. قال: فكيف نعمل به ولا نعلم ما عنى الله به؟ قال معاوية: سَلْ عن ذلك من يتأوّل على غير ما تتأوّله أنت وأهل بيتك. قال: إنّما أنزل الله القرآن على أهل بيتي، أفأسأل عنه آل أبي سفيان؟ يا معاوية، أتنهانا أن نعبد الله بالقرآن بما فيه من حلال وحرام، فإن لم تسأل الأمّة عن ذلك حتّى تعلم تهلك وتختلف. قال: اقرؤوا القرآن وتأوّلوه ولا ترووا شيئاً ممّا أنزل الله فيكم، وارووا ما سوى ذلك. قال: فإنّ الله يقول في القرآن: “يُريدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُون” (التوبة 32). قال: يا ابن عبّاس، إربع على نفسك، وكُفّ لسانك، وإن كنت لابدّ فاعلاً فليكن ذلك سرّاً، لا يَسْمعه أحدٌ علانية. هذا مثال والأمثلة لا تُعدّ ولا تُحصى على نهج بني أميّة مع الأمّة. إنّ هدف إزاحة بني أميّة بالخصوص له ما يبرّره. عن الإمام الباقر عليه السلام: (محنة الناس علينا عظيمة، إن دعوناهم لم يجيبونا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا). فماذا يفعل الإمام وقد استصرخته الأمّة، كما عاهدته على النهوض معه وعلى مؤازرته ونصرته حتّى تحقيق الهدف من النهضة. وكتاب الله يقول: “وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في سَبيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصيراً” (النساء 75). حَزَمَ الإمام الحسين عليه السلام أمره، وأرسل مسلماً رائداً له، يستطلع الأوضاع وصمّم على مواجهة بني أميّة.
وعن البيعة يقول الشيخ البغدادي في كتابه مسلم بن عقيل عليه السلام: على مستوى الكتاب وسنّة النبيّ وآله الأطهار فقد ورد ذكر البيعة في الكتاب العزيز كما أخذ النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم البيعة على الناس في موارد عدّة، وأخذها الإمام سيّد الأوصياء، وكذا الإمام الحسن السبط، والإمام الحسين السبط سيّد الشهداء. وورد في النصوص أنّ الإمام المهدي سيُبايع عند إعلان دعوته، وقيام دولته، عجّل الله سبحانه ظهوره ورزقنا رضاه في ظهوره وغيبته. قال الله سبحانه: “إِنَّ الَّذينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْديهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتيهِ أَجْراً عَظيما” (الفتح 10). وقال جلّ جلاله: “لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَريبا” (الفتح 18). وقال تعالى: “يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَ لا يَسْرِقْنَ وَ لا يَزْنينَ وَ لا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَ لا يَأْتينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرينَهُ بَيْنَ أَيْديهِنَّ وَ أَرْجُلِهِنَّ وَ لا يَعْصينَكَ في مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحيم” (الممتحنة 12). ونحن نعلم من مضمون هذه الأدلّة وجوب إطاعة النبيّ والإمام المعصوم على كلّ حال سواء أكانت هناك بيعة في المقام أم لا. إلاّ أنّ البيعة ليست بلا أثر، بل هي عقد صحيح معتبر له واقعية، وهذا ظاهر من الآية المباركة: “إِنَّ الَّذينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْديهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ” (الفتح 10).