علاء اللامي
بدأتُ منذ أيام كتابة مقالة جديدة حول المسلسل التلفزيوني الجديد “معاوية” الذي تبثه شبكة قنوات “أم بي سي” السعودية. سأحاول فيها توضيح وإثبات أن هذا المسلسل عن هذه الشخصية التأريخية المهمة في التاريخ الإسلامي إنما يهدف – بين ما يهدف إليه – إلى ترويج وشرعنة الانقلاب الأموي الذي قاده معاوية بن أبي سفيان على الخلافة الشوروية ذات البيعتين، الخاصة والعامة، التي جاء بها الإسلام وتحويلها إلى مُلك وراثي عضوض (حكم فيه ظلم وعسف واستبداد). ولأن المقالة طالت أكثر مما توقعت وقد تتحول إلى دراسة في الموضوع فسوف أقتبس لكم منها فقرات بين الفينة والأخرى خلال مدة عرض المسلسل خلال شهر رمضان ولنبدأ من هذه الفقرات:
1- حين راج خبر انتاج مسلسل “معاوية” قبل سنتين، ناقشت هذا الموضوع في مقالة بعنوان” مسلسل “معاوية”: بين محاذير الفتنة ولا جدوى المنع/ الأخبار – 26 شباط 2023، الرابط1و 2، ناقشت فيها التداعيات الاجتماعية والسياسية المحتملة لتسويق وبث هذا المسلسل وقارنت بين رفض جهات ثقافية وروحية شيعية لإنتاج مسلسل تمجيدي لقاتل الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب والمعروف بأبي لؤلؤة المجوسي وبين ردود الفعل على مسلسل “معاوية” وخلصتُ إلى أن من العبث بعد الآن اعتماد طريقة المنع والحظر للأعمال الفنية في زمن الفضاء الإعلامي المفتوح. وإلى أن الجهد التثقيفي النقدي والمنهجي الذي يواجه أعمالاً كهذه يبقى أكثر فائدة وجدوى عملياً، وأصح من حيث المشروعية المدافعة عن الإبداع الفني والأدبي من قرارات التحريم والمنع.
واليوم، وقد أُنتج مسلسل معاوية بميزانية ضخمة فاقت، كما قيل، مائة مليون دولار وشرعت شبكة قنوات سعودية هي (MBC) ببثه، أعود ضمن الجهد التثقيفي النقدي الذي دعوت إليه إلى التطرق إلى هذا الموضوع تطرقاً استباقياً، من خلال تسجيل بعض الانطباعات الأولية حوله بعد مشاهدة حلقات قليلة على أمل العود إليه بعد اكتمال عرض جميع حلقاته خلال شهر رمضان الجاري.
2- المسلسل من إخراج الفلسطيني الأميركي طارق العريان، وتأليف وسيناريو الإعلامي ومقدم البرامج المصري خالد صالح أي إن الرجل لا علاقة له بالتأريخ وخاصة الإسلامي ودقائقه إلا من باب الثقافة العامة. ولنبدأ مما قبل البداية:
إنَّ معاوية بن أبي سفيان شخصية إسلامية – بمعنى من داخل السردية الإسلامية بكل ما فيها من شخصيات وأحداث إيجابية وسلبية كأية سردية حضارية أخرى – وهي شخصية من الوزن الثقيل بالمعنى التأريخي النقدي المحايد ومن حيث المساحة الحَدَثيَّة التأريخية وليس بالمعنى الديني المذهبي والفقهي فلا يدخل هذا المعنى ضمن اختصاصي واهتماماتي لأنه من مشمولات رجال المذاهب والفقهاء.
3- ومعاوية بن أبي سفيان، هو أيضا، شخصية استثنائية بالمعنى الجوهري والمضموني؛ لأنه أول حاكم “مَلك” عربي ساد بالقوة الغاشمة والدهاء بعد ظهور الإسلام وحوَّل نوع الحكم الشوروي القائم على البيعتين الخاصة والعامة إلى حكم ملكي وراثي مع كل مظاهر الحكم الكسروي الهرقلي الاستبدادي العنيف الذي كان قائما آنذاك، وجاءت الموجة العربية المسلمة من جزيرة العرب لتكتسحه وتدمره. ومن الواضح أن الهدف الأساسي والعميق لهذا العمل التلفزيوني هو ترويج نوع شبيه بهذا الحكم الملكي الوراثي الاستبدادي الذي أسسته الأسرة الأموية ومن بعدها العباسية والفاطمية، ترويجه في عصرنا الحاضر على حساب إقصاء وتشويه حكم الشورى التراثي الأقرب إلى مفهوم الديموقراطية المعاصر. وعلى أساس هذه الفكرة الجوهرية، فكرة التفريق بين الخلافة الشورية والمُلك العضوض قام كتاب “الخلافة والمُلك” بقلم أحد أركان السلفية الإسلامية المعاصرة هو أبو الأعلى المودودي. وفي هذا الكتاب نجد نقداً لاذعاً وعميقاً لا هوادة فيه لمعاوية بن أبي سفيان حيث يعتبره المؤلفُ مسؤولاً عما حدث مع أنه لم يكن من لاعنيه كعبيد الله بن موسى العبسي شيخ البخاري، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني وهو أستاذ الإمام أحمد وصاحب “المصنف” و “المسند” كما ذكر الباحث عدنان إبراهيم، بل كان المودودي يترضى عليه أحيانا. ويسجل المودودي في هذا الكتاب أن أكبر خطأ ارتكبه الخليفة الرابع علي بن أبي طالب هو أنه تأخر كثيراً في عزل عامله على الشام معاوية بن أبي سفيان وكان عليه أن يعزله قبل أن يستفحل خطره…. يتبع قريبا.
*رابطان يحيلان إلى مقالتي السابقة حول “مسلسل -معاوية-: بين محاذير الفتنة ولا جدوى المنع”!