يحيى هركي
الإيزيديون… الأصل الذي أهمله الفرع: نداء الى حكومه اقليم كردستان؟؟؟
بقلم : الكاتب والصحفي يحيى هركي/ المانيا
مقدمة:
ما دفعني لإعادة كتابة هذا المقال، ليس حبّ الظهور ولا السجال، بل ما واجهته من كمٍ هائل من الشتائم والتجريح عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد مقالي الأول حول الفجوة بين الكرد المسلمين والإيزيديين. وجدت نفسي متّهمًا بالخيانة تارة، وبالعمالة تارة أخرى، وبالانتماء للديانة الإيزيدية كأنها جريمة! كل ذلك لأنني دافعتُ عن مظلومية جزء أصيل من الشعب الكردي. لم أكتب لأرضي أحدًا، بل كتبت لأن الحقيقة لا تُقال غالبًا في زمن التملّق. واليوم أكتب مرة أخرى، لا ردًا على الشتائم، بل تكريمًا لما هو أسمى منها: الحقيقة.
في زمن الأقمار الصناعية والإنترنت، لم تعد الكلمات تخفى، ولا الحقائق تُطمس. وفي وطن تتعدد فيه الانتماءات الدينية، لا يمكن أن نتحدث عن وحدة كردية حقيقية بينما نصف شعبنا يشعر بالإقصاء. نحن، الكرد المسلمون، نردد دائمًا بأن الإيزيديين هم “الأصل” ونحن “الفرع”، فهل خدمنا هذا الأصل كما ينبغي؟
هل منحناهم الثقة، والعدالة، والمكانة التي يستحقونها؟ أم بقينا ننتظر منهم الطاعة دون أن نمنحهم حتى أبسط حقوقهم في الإعلام أو القرار؟
هل يعقل أن نمتلك نحن مئات القنوات التلفزيونية والإذاعات والمنصات الإعلامية بينما لا يملك الإيزيديون قناة مرئية واحدة تديرها كفاءات إيزيدية حرة، تعبّر عن واقعهم؟
هل يعقل أن نطالب من بغداد أكثر من نسبتنا الديموغرافية (نحو 18% من سكان العراق)، بينما لا نعترف بحقوق شركائنا في الإقليم الذين نسبتهم تُعادل نسبتنا تقريبًا داخل كردستان؟
تمنحنا الذاكرة لحظة من العزّ الإعلامي: إذاعة كردية في يريفان عاصمة أرمينيا، بدأت عام 1955 بدعم سوفييتي، رغم أن غالبية الأكراد هناك كانوا من الطائفة الايزيدية. منحتهم موسكو وقتًا للبث بلغ 30 دقيقة ثم امتد إلى 90 دقيقة، لا لأنهم ايزيديون أو تابعون لحزب معيّن، بل لأنهم أكراد، ولأن هويتهم تستحق البث.
واليوم، وبعد مرور أكثر من سبعين عامًا، نتساءل نحن: ماذا منحت حكومة إقليم كردستان للكرد الإيزيديين منذ عام 2003، أي منذ سقوط النظام في بغداد وحتى الآن؟ أين إذاعاتهم؟ أين قنواتهم؟ أين تمثيلهم الإعلامي الحقيقي؟
إذا كان الأتراك يفتخرون بأن تركيا وأذربيجان هما “جسدان في روح واحدة”، رغم اختلاف المذهب والثقافة واشياء اخرى بينهما، فماذا نقول نحن عن الكرد المسلمين والإيزيديين، الذين يتشاركون الأرض واللغة والدم والدموع؟ هل نُجسد نحن هذه الروح الواحدة؟ أم أن الشِعارات فقط تُقال وقت الحاجة وتُنسى بعد المكاسب؟
منذ فاجعة 2014، خسر الإيزيديون الالاف من الارواح البشرية منهم 6000 امرأة وفتاة، ولا يزال مصير أكثر من 2000 منهن مجهولًا. نعم، نُشيد بما بذلته حكومة الإقليم من جهود مشكورة في تحرير المئات، لكن ألم يحن الوقت لأن نُعطي هذه الأرض وأهلها ما هو أكثر من دموع الحزن؟
هل يمكن لأمير الإيزيديين والمجلس الرحاني أن يقنع أبناء طائفته بالولاء لحكومة الإقليم، إن لم تُمنَح له ولهم صلاحيات حقيقية، مادية ومعنوية، لبناء مؤسساتهم الثقافية والإعلامية والتعليمية والدينية؟ لا يمكن ذلك. لأن الزمن قد تغيّر، ولم يعد هناك مكانٌ للخطاب الأبوي أو الوصاية. الطفل الإيزيدي اليوم يرى ويسمع ويتابع كل شيء عبر الإنترنت. ومن لا يملك أدوات العصر، لا يمكنه قيادة أحد.
إذا لم تبادر حكومة إقليم كردستان الآن، فستملأ هذا الفراغ أطراف أخرى او ربما بدا مثل حزب العمال الكردستاني، او الحكومة المركزية، او فصائل “الحشد الشعبي” أو “الولائي”، أو حتى قوى إقليمية تنتظر لحظة الفراغ لتُحكم قبضتها على شنكال. وعندها، لن نخسر فقط الثقة، بل نخسر أرضًا كردية، وإنسانًا كرديًا، سيُحسب يومًا في استفتاء ما أنه ليس معنا، بل ضدنا.
ما الذي يجب فعله حسب رايي ومعلوماتي المتواضعه؟
فتح قنوات إذاعية وتلفزيونية: وتخصيص قناة أو أكثر تُدار من قبل كفاءات إيزيدية، مدعومة من حكومة الإقليم ماليًا وإداريًا، وتُمنَح حرية التعبير الكامل.
تمثيل سياسي حقيقي: وتمكين الأمير الإيزيدي والمجلس الرحاني والمؤسسات الدينية والثقافية من اتخاذ قرارات مستقلة دون وصاية سياسية.
ومنح الثقة لا فرض الولاء: والعمل على بناء الثقة بدلًا من طلب الطاعة، فزمن “السمع والطاعة” قد ولى.
برامج للتعافي من الإبادة: إنشاء برامج نفسية واجتماعية لإعادة تأهيل الضحايا وتوثيق الجرائم التي تعرضوا لها.
تعزيز الهوية الكردية الجامعة: بدلًا من الحديث عن “أقليات”، يجب ترسيخ فكرة أن الكردي هو كردي، سواء كان مسلمًا، إيزيديًا، مسيحيًا أو غير ذلك.
الخلاصة : الرد على الشتيمة ليس شتيمة، بل إصلاح
كتبتُ هذا المقال، لا للرد على الشتائم، بل للرد على الظلم. ولأنني أؤمن أن الأمة التي تُهمل جزءًا منها، تُصاب بالشلل. نحن بحاجة لصوت كردي شامل، يضمّ الجميع، لا يُقصي أحدًا، ولا ينصّب أحدًا وصيًا على الآخر.وإذا كنا نفاخر بأننا جسدٌ واحد، فلنُثبِت ذلك بالفعل، لا بالخطابات. ولنُعطِ صوتًا لمن صرخ طويلًا ولم يسمعه أحد.