بالصيف ضيّعنا الحچي

رياض الفرطوسي

في الأزمنة التي تساقط فيها المعنى مثل أوراق جافة في قيظٍ لا ظل فيه، لا يصبح الحديث إلا صدى، ولا الكلمة إلا وهماً مطلياً بالزيف. لقد ضيّعنا “الحچي” كما تُضيّع أمٌ طفلها في زحام لا يرحم، وضاع منا الوقت كما يضيع الحصاد إن جاء المنجل متأخراً. لم نُحسن توقيت الكلام، ولم نُجِد صيانة ما تبقّى من الذاكرة.

في مجتمعاتنا، تشبه الأمثال الشعبيّة مرآة الزمن، تلخّص وعياً جمعياً، وتكشف عن طبقات سميكة من الأعراف والعقائد والعلاقات. وحين قالوا “في الصيف ضيّعت اللبن”، لم يقصدوا اللبن وحده، بل قصدوا فوات الفرصة، ضياع الفعل في غير وقته، انكشاف العجز بعد فوات الأوان. وقد وجدتُني أستبدل اللبن بالحچي، لأن هذا الأخير، كما يبدو، هو أكثر ما فقدناه نحن أبناء هذا العصر الضاجّ بالتفاهة.

أين هو الحچي؟ أين ذهب المعنى؟ كيف انقلبت الحوارات إلى سبّ وشتائم، وتحولت الآراء إلى خناجر في الخاصرة، والمقابلات إلى منصّات للابتزاز والاحتيال والافتراء؟ يبدو أننا لم نعد نتحدث لنفهم أو لنُفهِم، بل لنجرّح ونُحرِج، لنكسب جولةً في حلبةٍ لا يربح فيها أحد.

غابت القيم كما يغيب النهر عن أرضه، وذوت الأخلاقيات كما تذبل شجرة في عزّ القحط. لم يعد الإنسان هو الإنسان الذي كان، ولا الزمن هو الزمن الذي أنجب الجواهري (شاعر العراق الكبير، 1899 – 1997) والسياب (رائد الشعر الحر، 1926 – 1964) وبلند الحيدري (شاعر حداثي، 1926 – 1996) والنوّاب (الشاعر الثائر، 1934 – 2022) ومصطفى جمال الدين (فقيه وشاعر، 1926 – 1996). كانت كلماتهم تمسّ الوجدان كما تمسّ النار أطراف القلب، وكانت القصيدة رسالة وموقفاً، لا “طشة” تُلقى في الهواء بحثاً عن تصفيق عابر.

التكنولوجيا غزتنا على حين غرة. دخلت بيوتنا من دون استئذان، واحتلت مساحات الحلم والجمال. استبدلنا المسارح بالشاشات، والمكتبات بالمنصّات، والحوارات العميقة بالسجالات الفارغة. لم نعد نفرّق بين الحقيقي والمزيّف، بين الفكر والاستعراض، بين النقد والتجريح، كما حذّر مارتن هايدغر (فيلسوف ألماني، 1889 – 1976) حين تحدّث عن “اللا أصالة” التي تنتجها الحداثة الزائفة.

والنتيجة؟ مشهدٌ ثقافيّ هش، يُشبه مشهدنا واقعنا الى حدَّ التطابق. شلليّة، تطبيل، تبادل مدائح لا تمتّ للحقيقة بصلة، ونقدٌ مغشوش لا يهدف إلى التصحيح بل إلى تصفية الحسابات . الصيف الذي كان يفترض أن يكون موسماً للنضج، تحوّل إلى ساحة صراخ.

ابن كثير (المؤرخ الإسلامي، 1301 – 1373) قال إن “آفة الرأي الهوى”، فما بالك إذا كان الهوى صادراً عن محتال أو نصّاب؟ ونيتشه (الفيلسوف الألماني، 1844 – 1900) يحسم الأمر بقوله: “لا تناقش الهراء بالمنطق”، فكيف بمن يريدك أن تحاور وهماً؟ لقد انتقلنا من زمن كنا نُجبر فيه على الصمت، إلى زمن انفجر فيه الكلام كفقاعات لا تحمل وزناً، ولا تُحدث أثراً.

تلك “الحرية” التي تمنّيناها طويلاً، جاءت بلا دليل استعمال. تحوّلنا إلى فوضى، نتكلم بلا غاية، ونُحلّل بلا وعي، وننشر ما نشاء بلا رقيب من ضمير. ضاع الحچي في زحمة الضجيج، وضيّعنا معه الكثير من الأمانة والشهامة والوضوح والعفوية والمروءة. كأن نبوءة داخل حسن حين غنّى “أدوّر عالصدك يا ناس ضاع وبعد وين الكاه ” كانت تلخّص فجيعتنا القادمة.

علماء الاجتماع يقولون إن التفكك القيمي غالباً ما يبدأ بانهيار اللغة. فحين تُفرغ الكلمات من معناها، تُفرغ العلاقات من ثقتها، وتتهاوى المؤسسات، وتفقد المجتمعات تماسكها. ما نعيشه اليوم هو لحظة انهيار رمزي، لم نعد نعرف فيها من يستحق الإصغاء، ومن يستحق الرد. صارت الثقافة “مهنة” لمن لا مهنة له، والسياسة “وجاهة” لمن لا مبدأ له، والإعلام “مرآة” لمن يريد أن يرى نفسه أكبر مما هو عليه.

ومع ذلك، فإننا لا نكتب لنندب، ولا نحفر في الرماد عبثاً. ثمة دوماً هامش أمل يتسرّب من بين الحروف. ثمة عقول يافعة، وضمائر يقظة، وقلوب لم تَبع ولم تُشترَ بعد. ثمة من لازال يؤمن أن الحچي يمكن أن يعود، وأن الكلمة لا تزال قادرة على أن تُلهب الأرواح وتبني الأوطان.

الصيف ليس نهاية كل شيء. بل ربما هو اللحظة التي نحتاج فيها إلى ظلٍّ، لا ليحمينا فقط من شمس الكذب، بل ليُعيد ترتيب ذاكرتنا. علّنا ننجو من هذا التيه، ونكتب من جديد، كلاماً لا يُقال عبثاً، بل يُقال ليُصيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *