بغداد كما تُروى

رياض الفرطوسي

 ليست بغداد هي التي تغيّرت، بل عيوننا التي أُجبرت طويلًا على النظر إليها عبر زجاجٍ مُعتَّم، يعكس وجوهنا المشوشة بدلًا من أن يعكس صورتها الحقيقية. ليست هي من ارتدت الزي العسكري في خيال من ظنها قندهاراً، بل نحن من عجزنا عن خلع الخوذة عن رؤوسنا حين اقتربنا من أبوابها. بغداد لم تكن يوماً مدينة المعارك وحدها، بل مدينة الأعراس أيضاً، أعراس تتحدى الغياب وتحتفل بالوجود، حتى حين يُنسى.

حين جاءت القمة العربية إلى بغداد، لم تكن مجرّد موعد سياسي يُدرج في سجلات العلاقات الدبلوماسية، بل كانت لحظة استعادة حقيقية للصوت، للصورة، للنبض. لحظة خرق فيها العراق جدار النمطية، وتحدّى سطوة الإعلام الذي طالما روّج لصورته الجريحة ونسِي أن في الجرح حياة، وأن في النهوض من الركام بطولة أكبر من كل سرديات الانكسار.

لكن، لو اتفقت الوجوه الإعلامية على ميثاق شرف، لا يُملى من فوق المنابر، بل يُكتب بالحبر العراقي الصافي، بعيداً عن أجندات القنوات ومَن يمولها، لربما كنا اليوم في مشهدٍ مختلف. لربما كانت العدسة عراقية خالصة، تلتقط الضوء قبل الظل، وتمنح الإيجابي استحقاقه كما تملك الجرأة في مساءلة السلبي. لكن، لو اتفقت الوجوه الإعلامية على ميثاق شرف، لا يُملى من فوق المنابر، بل يُكتب بالحبر العراقي الصافي، بعيداً عن أجندات القنوات ومَن يمولها، لما احتجنا إلى مرآة خارجية تُعرّفنا على صورتنا. فالرؤية المهنية ليست ترفاً ولا حلماً مؤجلاً، بل ضرورة وطنية، مسار ناضج في سياق بناء الثقة بين الصوت والصدى، بين الداخل وصورته في الخارج. حين يتحرر الإعلامي من إملاءات المموّل، ويتجرد من عقدة الناقل المتذمر، يتحول إلى عين صادقة، تُنصف ما يُنجز، وتضيء على الإيجابي بعدالة لا تتنازل عن حقها في النقد، لكنه نقد لا يطمس ملامح الجمال، بل يكشفها ويصونها.

المفارقة المؤلمة أن من روّج لصورة بغداد المكسورة، لم يكن فقط الإعلام الأجنبي أو الإقليمي، بل بعض من حملوا المايكروفون من أبنائها، ووقفوا عند حافة المشهد، يبكون خراباً بينما الحياة تمشي أمامهم، لا يلتفتون إلى شارع جديد يُرصف، أو مؤسسة تُرمم، أو جامعة تحتفظ بمجدها وسط عواصف التفكك. جامعة بغداد، التي كانت وما زالت مناراتها تُضيء الوعي العربي، لا تستحق التجاهل الإعلامي، بل التبجيل المهني.

في يوم القمة، تساءل القادمون من الخليج: من أين جاءت هذه السيارات؟ من نظّم هذا الحدث بدقّة؟ من أين لهذا المكان كل هذا الجمال؟ كان الجواب واضحاً، لكن لم يرد أحد أن يسمعه: هذه بغداد. لا شيء جديد، فقط أنكم رأيتموها اليوم كما هي، بلا مرشحات الحذر، بلا عدسات مشوشة. رأيتم وجهها وهي تستعد للعُرس، بفساتين المدن العتيقة وأناقة اللحظة الحديثة.

لم يكن التنظيم من أجل القمة وحدها. فالقمة تمضي، وتبقى الشوارع، تبقى التفاصيل التي جُهِّزت بعين الحُب لا بعين الضيف. إن الجمال حين يُهيّأ لساكنيه لا لضيوفه يكون أكثر صدقاً، وأكثر قدرة على أن يُدهش. من هنا كان انبهار الأشقاء، ودهشة الكاميرات.

لكن لو كان الإعلام العراقي واعياً بدوره، لما جاء هذا الانبهار مفاجئاً. فالصورة الحقيقية ليست تلك التي تلتقطها عدسات الغريب، بل التي يصوغها ابن البلد حين يؤمن بأن مدينته تستحق أن تُروى. وحين لا يفعل، يُضطر الآخر إلى أن يرويها بالنيابة عنه، وفق مزاجه وأجندته، فيُصدر للعالم نصف حكاية، ونصف مدينة.

بغداد ليست بحاجة إلى تحسين صورتها، بل إلى من يرفع عنها الغبار ويقول: هذه مدينتي، كما هي. أنتم من تأخّر عن زيارتها. أنتم من تعمّد أن يراها من خلف الستائر. أما نحن، فحين نكتب عنها، لا نحتاج إلى خيال، بل إلى صدق. إلى رغبة في أن نكون شهوداً لا باكين، مرايا لا مراسيم، أصواتاً لا صدى.

لقد آن للإعلام العراقي أن يغادر خندق العتاب، وأن يتحول من رصد العثرات إلى صياغة الرواية. ألا يُترك الوطن للصدف، وألا يُكتفى بدور الناقل المتذمر. ما حدث في القمة لم يكن فقط حدثاً دبلوماسياً، بل فرصة نادرة للإعلام العراقي أن يرى نفسه كما يراه الآخرون حين يُصغي لهم بإعجاب لا بشفقة.

نعم، العراق بلد سياحي من العيار الثقيل. ليس لأن أحداً قال ذلك، بل لأن التاريخ يقول، والحضارة تشهد، والناس تعرف. فهل يحتاج العراق لمن يسوّقه؟ أم يحتاج لمن يكفّ عن تسويقه كمأساة؟

لقد تكلم العراق، عبر مراسمه وتنظيمه وأناقته، وتكلمت بغداد، لا بالتصريحات بل بالأفعال، فهل آن للإعلام أن يُصغي لمدينته، ويُصدّرها كما يليق بها؟

بغداد لم تُدهش لأنها تغيّرت، بل لأننا أخيراً تغيّرنا في النظر إليها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *