رعد صباح زنكنة
في ذاكرة العراق المثقلة بالانقلابات والحروب والمآسي، تختبئ لحظات نقية من التمرد الإنساني، لحظات لم تروها الكاميرات ولم تصلها أقلام المحررين، لكنها ظلت حية في وجدان من عاشها أو ورث وجعها، و واحدة من تلك اللحظات، وأكثرها صمتا، هي انتفاضة الكرد الفيليين في سجن أبو غريب، أيار 1980.
كان المكان رمزا للرعب، والزمان مشحونا بالتصفية والتهجير، لكن عشرات الشباب من الكرد الفيليين، المحرومين من جنسياتهم وأسرهم وأبسط حقوقهم، قرروا أن يصرخوا من قلب الزنزانة، وانتفضوا ضد الإهانة، ضد التجاهل، ضد أن يعامل الإنسان كـ”مشتبه به أبدي” لمجرد انتمائه القومي والمذهبي.
لم تذكرهم الأخبار، ولم تُكتب عنهم مقالة،و لم يصدر بيان.
النظام أراد أن يغلق عليهم الجدران والذاكرة معا، والسنوات التي لحقت، حتى بعد سقوط النظام، لم تنصفهم إعلامياً، والإعلام العراقي، بعجره وفجره، ما زال يتهيب التطرق إلى الملفات التي لا تحمل “رأسمال سياسي” جاهزا، أو جمهورا ضاغطا، أو دعما دوليا، والفيليون، بوجعهم الصامت، لا يزالون في آخر الطابور.
إن انتفاضة سجن أبو غريب ليست مجرد حدث سجني، بل علامة فارقة على قدرة الجماعة المهمشة على كسر الصمت، وهي تذكير أن الكرامة الإنسانية ليست امتيازاً، بل خطا أحمر، حتى حين ينتزع كل شيء آخر.
نكتب اليوم عن هذه الانتفاضة لا لنستجدي التعاطف، بل لنطالب بما هو أبسط: حق هؤلاء المعتقلين في الاعتراف، وحقهم في أن تروى قصتهم، وأن تذكر أسماؤهم، وأن يبحث عن مصائرهم، أن ترفع صورهم في تقارير الإنصاف، لا أن يتركوا في ظلال الملفات المؤجلة.
إذا كنا جادين في مشروع العدالة الانتقالية، فإن أول اختباره يبدأ من هذه الزنزانة المنسية، ومن هؤلاء الذين قالوا “لا” في وجه آلة صُممت لإسكات كل “نعم ناقصة”.
أعيدوا فتح الملف، وافتحوا الأرشيف، ودعوا التاريخ يعتذر، ولو متأخرا.