الأمريكان والصهاينة ورثة الهمجية الرومانية.

سليم جواد الفهد

يقول شيخي الطاهر هادي العلوي (طاب ثراه):

حول علاقة العرب والغرب:

“العـرب آخر الأمم السامية التي هاجرت إلى الامتـدادين الشامي والعراقي ثم امتدت مع الإسلام إلى شمال إفريقيا وبقيت في جزيرتها الأم. وحتى اليوم لم تظهر موجة سامية أخرى.

والعربية أحدث اللغات

السامية ومن ثم أوسعها وأكثرها تطوراً وقول بعض القوميين إنها أقدم اللغات السامية هو من باب الفخر الساذج الملتصق بعمى الألوان.

فاللغة الأقدم في الساميات هي الأقل تطوراً والعربية أوسع في قاموسها وأكثر تطوراً في تصريفاتها وصيغ جموعها من أي لغة سامية أخرى. وإنما يأتي تطور اللغة من تطور مرحلتها التأريخية ورقي الشعب الناطق بها.

والحضارة العربية الإسلامية هي آخر الحضارات الغرب آسيوية وأملأها بالإنجاز العلمي والثقافي والعمراني وبها اكتملت المعرفة

الحامية – السـامـيـة فظهرت الفلسفة والتصوف وعلوم الأدب والفقـه (الحقوق). والسياسيات: رسمية ومعارضة وأحرزت علوم الطبيعة والطب من التقدم ماشارف بها علوم العصر الحديث. وحقيقة الحال أن الحضارة الإسلامية وقرينتها الصينية هما الأساسان اللذان تطورت عليهما المدنية الحديثة والحضارة الحديثة معاً. وهما إلى جانب الإغريقية أرقى حضارات العالم القديم”.1.

يمتد العالم العربي المعاصر من العراق إلى المغرب الأقصى وتجمعه وحدة لغوية وتاريخية وثقافية لكنها وحدة من باب وحدة الوجود لا وحدة الموجود لأن فيها من التنوع بقدر ما فيها من التماثل ويصعب بالتالي حشرها في كبسولة واحدة كما يزايد القوميون. لكن هذا التنوع مكبوس من جهة بالتماثل إلى حد تشكيل أمة واحدة ولكن لشعوب شتى. والأمة الواحدة لا تعني الدولة الواحدة إلا بالمفهـوم الأوروبي الذي يرادف بين الأمة والدولة ويجعل من أي كيان سياسي يقام ولو بالصدفة والموقوتية قريناً للأمة. والكيان السياسي موقوت والأمم دائمة وفي اللغة العربية مندوحة عن هذا الخلط فالأمة أمة والشعب شعب والدولة دولة ولكل قوامه وطبيعته لا تلتصق واحدة بالأخرى ولا تجور واحدة على الأخرى.

وهنا ينبغي التفريق بين القومية العربية والأمة العربية. فالقومية ترجمة

(nationalism).

ولا وجود لها في القاموس العربي الأم.

والأمة العربية غير مترجمة عن لغة أخرى. وما ينطق به القوميون هو العربية المترجمة وما ينطق به أي شعب عربي متسلسل من العصر الجاهلي. ولذلك يكره القـومـيـون تراثهم فلا يذكرونه إلا للمزايدة على أضدادهم الحزبيين وإذا ذكروه لم يذكروا منه جليله وجـمـيـله وقد بقي التراث مـهـانا على يد الدول والمنظمات القومية حتى جاء الماركسي حسين مروة فوضعه في نصابه الصحيح وجعله جزءاً من حياتنا الفكرية. وإنما نجح في ذلك لأنه تثقف للمصادر الأمهات قبل أن يطلع على الترجمات ولم يأخذ التراث للمزايدة أو المكابرة بل عالجه بوصفه عنصراً من عناصر كيانه الفكري- الحضاري.

للعرب عدو قديم هو الغرب.

وعـداوة الغرب والعرب تجري في عداوة الغرب لهذه

المنطقة آسيا الغـربـيـة وشمال إفـريـقـيـا بوصفها النقيض أو الغريم الجغرافي والحضاري لأوروبا. وقد ورث العرب عداوة الغرب للفينيقيين وحربه عليهم في شمال إفريقيا ثم عداوته لتدمر الآرامية وحربه على ملكتها الحازمة المثقفة زنوبيا. والعرب هم الذين أدركوا ثأر

(قرت حدش)-الحضارة القرطاجية (814 ق.م – 146 ق.م) قرت حدشت بمعنى: “المدينة الجديدة” هي حضارة وامبراطورية قديمة مقرها في شمال إفريقيا- وتدمر من الغربيين كما أدركوا ثار المسيح الفلسطيني من الرومـان حيث هزمهم الخليفة عـمـر بن الخطاب وهو الوريث المنتصر لأسلاف هزمهم الرومان. ولعل هذا مـا يـكـمـن فـي عـقـدة الحـقـد الأوربي على العـرب المنتصرين في معارك الفتح الأولى والمعارك الصليبية فالرومان قديمهم

وجـديدهم لا يتحملون رؤية المنتصرين يمشون على الأرض بل لا بد من إبادتهم حتى تبقى الأرض محكورة لهم وحدهم. وهذه عقدة أخرى ورثها الأمريكان من أسلافهم الرومان تكمن في جذر الهمجية الأوربية المغلفة هذه الأيام بحلوى الديمقراطية وسكر حـقـوق الإنسان والعقدة الغرباوية الـيـوم أشمل وأوسع نطاقاً فالأمريكان يحقدون ليس على العرب وحدهم بل على جـمـيـع شـعـوب الأرض ويشـمل حـقـدهـم شـعـوب شرق آسيا لا سيما الصينيين والروس.

والغربيون بالمناسبة كيدهم في شقاق لأنهم لم يعرفوا الوحدة الحقيقية في كل تاريخهم. وحروبهم مع بعضهم تكافئ في دمـويـتـهـا وهمجيتها حروبهم ضد البشر خارج قارتهم. وينبغي استبعاد نجاحهم في مساعيهم الأخـيـرة لـتـوحـيـد قـارتهم فهم لن يصلوا إلى أكثر من إلغاء تأشيرات الدخول. وستبقى الحدود بينهم قائمة شاخصة ويستمر التناحر فيمنعهم من السلام ولو أنهم قد يتجنبون الحروب الساخنة لأمد طويل. وقد مر على آخر حروبهم المدمرة المسماة افتئاتاً الحرب العالمية الثانية وهي حرب غرباوية في الأساس جذرها الجشع المادي والحقد القومي.

ويمكن أن نضيف إليها تناحر الغربيين وعقدهم الموروثة ضد بعضهم فالانجليزي والفرنسي لا يتحابان وهكذا الإيطالي والألماني والإسباني.

ويبقى الأكثر كسباً للعداوة ونصيباً من العداوات هم الأقرب إلى مصدره بموروثهم الصراعي المديد والغربيون هم اليوم الحاكمون الفعليون للعالم العربي وإليهم يرجع الخراب الذي يعم هذا العالم ويمنعه من النهوض. والاتفاق حاصل بين الغربيين جميعاً على هذا الدور مع اختلافهم وتشققهم الداخلي لأنهم يتوحدون أمام الخطر الخارجي وحكم الغربيين للعالم العربي يأخذ مسارب وأشكالاً مترابطة متكاملة أولها: وأحكمها هي العمالة السياسية: أي تنصيب حكام ينفذون سياساتهم في بلد بلد.

ثانيها: هو الثقافة وابدأ هنا يقول الشاعر:

ما كان أهون خطبه مستعمراً لو لم يقم وسط العقول قواعدا.

ومنهجيا ينبغي التفريق بين الثقافة الغربية والثقافة الحديثة. فالأولى خط ثقافة متصل من اليونان فالرومان فالعصور الوسطى فعصر النهضة حتى الحديث وينتظمها محور تدور عليه وهو التملك الخاص وغريزة العصر الربح. وتكمن في جذورها همجية الإغريق الإبادية سلوكيات سولون في حروبه ثم همجية الرومان الغالدياتورية وصراع الأسرى العزل مع الضواري في حلبات مقفلة داخل مسرح أعني مسرحة الهمجية وقد اتفق الغربيون اليوم على شطب هذه الهمجية في صراعهم الداخلي وأبقوها مفتوحة في صراعهم مع العالم وينبغي أن لا نستغرب حينما يرفضون وقف القصف على العزل في غزة ويواصلون إبادة المدنيين من نساء وأطفال.

والثقافة الأمريكية الرأسمالية بهذا النمط وضمن هذا الخط غير مؤنسنة بل هي موروث روماني همجي مؤطر بالحقد والكره الثاوي في نفوسهم المريضة لآلاف السنين.

وينبغي التفريق الدقيق بين خطين في الثقافة الغربية الحديثة التي أنجبت مفكرين يختطون خطا إنسانيا مستنيرا مثل تشومسكي فهذه الثقافة صحيح منشؤها في الغرب لكن بنيتها العامة تختلف عن الثقافة الغربية الرأسمالية بمفهومها الحاضر. فالثقافة الحديثة لها خط آخر ليس غربياً رأسماليا خالصاً بل تستمثل فيه مصادر متعددة ويمكن البدء بها من الرشدية اللاتينية فلسفة الأحرار الأوربيين في أواخر العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة. وتكمن الرشدية في جذر ثقافة التنوير البرجوازية التي تطورت في غضون عصر النهضة واستحكمت في القرون اللاحقة حتى بلغت أوجها في القرن الثامن عشر. وقد ذكر إنجلز من بين روافد التنوير الأوربي الكبرى: الفكر الحر الوافد من العرب (يقصد المسلمين) ويتكامل مع هذا الخط الرشدي أو الإسلامي بوجه عام خط مسيحي بدأ يتمايز منذ عصر النهضة في إتجاه لفصل المسيح عن بولس والاتصال رأساً بثقافة الأناجيل المشاعية المؤنسنة وبتأثير هذا الاتجاه كانت ثورة الفلاحين الألمان في القرن السادس عشر والمسيح شرقي سامي ومن معالم الثقافة الحديثة ثقافة غوته التي امتزجت فيها مسيحية الأناجيل مع الأفق الشرقي المروحن ثم تأتي الماركسية بثورتها الفكرية الشاملة والمنفتحة على ثقافات الأمم في حركة انشقاق كبرى على خط الثقافة الأمريكية ونمط عيشها الرأسمالي. ويكتمل بذلك منحى الثقافة الحديثة المتكون في الغرب ولكن باستمثالات عديدة المصادر.

اتجه الأمريكان إلى فرض ثقافتهم الرسمية على العرب وقد تهيأ لهم ذلك بتسويق نمط العيش الأمريكي من مأكل وملبس مثل: دجاج كنتاكي أو (K.F.C) اختصارا لـ Kentucky Fried Chicken والمعنى الحرفي «دجاج كنتاكي المقلي». وشركة ماكدونالدز McDonald’s Corporation وهي شركة أغذية ووجبات سريعة أمريكية انتشرت في كافة أنحاء العالم تأسست 1940 إحدى أكبر سلسلة مطاعم الوجبات السريعة في العالم.

أما بنطلونات الجينز فصارت هي الملبس الأساس في العالم.

ويبقى الأخطر والأهم وهو الشعور بالدونية والتبعية للغرب وهي ثقافة في أغلبها موجهة لتكوين شخصية مهزومة موالية للغرب الغالب القوي. وهذا تأسيس لنمط ثقافة مخروقة بالثقافة الغربية بعيداً عن الثقافة الحديثة. لكنها لم تنجز كامل أهدافها في غربنة الوعي العربي لأنها اصطدمت بجذور هذا الوعي الممتدة في التاريخ إلى العصر الجاهلي بل والمتوغلة أبعد في تراث الصراع الفينيقي والتدمري مع أوروبا.

لكن للأسف أن الغريبين امتلكوا أداة جديدة ضاربة في غزوهم الفكري بوسائل البث الجديدة التي تستعملها اليوم امبراطوريتهم الإعلامية. وقد سلطوا أقمارهم الصناعية وفيها قنواتهم الفضائية على العرب لتغزوهم في عقر بيوتهم وفي زمنية مفتوحة غير مقيدة بساعات الدراسة. ومع هذا الغزو الفضائي جيش صغير من العملاء العرب ممن تأمركو يقاتلون في الساحة لإبادة الوعي العربي وإعادة تأهيله بالثقافة الغربية-الأمريكية والأفتك في هذه الأسلحة هو النت: الذي هو في جانب كبير منه رحمة حقيقية فيها فوائد لاتحصى لو بقي حياديا فهو مفتوح لعموم الناس خارج مقاعد الدراسة وخارج المكتبات يستفيد منه كل كاتب وكل باحث ودارس.

لكن أيضا تستغله شركاتهم الرأسمالية فيتجه إلى الناس ويخاطبهم بالغرائز السفلية من الربح التجاري إلى الجنس المكشوف مع إعادة تشكيل للوعي السياسي يقوم على المسلمات الأربع التالية:

الأولى: خلق القناعة في أذهان العرب بمرجعية العقل الغربي المتفوق الذي لن يصل إلى مثله باقي العقول.

الثانية: خلق القناعة بالقوة العسكرية التي لا تقهر للغربيين وعلى الجميع أن يستسلم لذلك.

الثالثة: خلق القناعة بدكتاتورية الاشتراكية وديمقراطية الرأسمالية من خلال التوحيد بين النظرية وتطبيقها خاصة تجربة الاتحاد السوفيتي.

الرابعة: خلق القناعة باقتران الاشتراكية بالفقر والتخلف واقتران الرأسمالية بالرخاء والتقدم بينما الذي يزور أمريكا يرى الآلاف يفترشون الشوارع في كل ولاية.

إن الرد على هذه الهجمات الغربية المكثفة يستند في حقل الإعلام والثقافة إلى وعي الجماهير الموروث المتمثل:

أولا: العداء للغرب أي وعيها الوطني المتمثل بالعداء للامبريالية.

ثانيا: وعيها المشاعي المتمثل بالعداء للرأسمالية. يقول شيخي العلوي (طاب ثراه): “الثقافة المنشودة للرد الوطني هي الثقافة الحديثة مدعومة بالتراث العربي الإسلامي المستخلص من ساحات الصراع بين المشاعية والإقطاع وبين اللقاحية والدولة وعندما نبحث عن رافد تراثي آخر فتراث الصين المستخلص من نفس الساحات عندها سيكون معلمونا يسوع لاوتسه وتلامذته المشاعيون المسلمون من أبي ذر إلى القرامطة ومن إبراهيم بن أدهم إلى عبد القادر الجيلاني والأمميون الغربيون من غوته إلى كارل ماركس ومن كارل ماركس إلى لونا تشارسكي ولينين”.2.

نضعهم على الشاطئ المضاد لمعلمي الهمجية الغربية من سولون إلى ترامب التافه.

هذه هي مقومات ثقافتنا الوطنية. ولكن من يسعى إليها ويرفع رايتها؟

إنها مهمة من تبقى من المثقفين الوطنيين الأحرار الذين لم يخالط دمهم ذل عار الأمركة والتصهين.

………………..م.

1-هادي العلوي، المرئي واللامرئي في الأدب والسياسة.

2-نفس المصدر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *