طه حسن الاركوازي
في العراق لا يكاد يمرّ يوم دون أن تُعلن جهة ما عن أزمة مثيرة للقلق تارة في قطاع المياه وتارة في التعليم وأخرى في الصحة أو الكهرباء أو الأمن الغذائي وكأننا أمام نشرة أزمات يومية لا تنتهي لكن ما يغيب عن هذا الخطاب هو إدراك أن القلق لم يعد حالة أستثنائية بل تحوّل إلى القاعدة العامة التي تدار بها الدولة .
حين يكون القلق حالة دائمة فهذا يعني أن الدولة لم تعد تمتلك أدوات السيطرة لا في الحاضر ولا في المستقبل ، فالمشكلة لم تعد محصورة في أزمة مياه بسبب تراجع الأمطار أو سياسات دول الجوار ، بل إن المشكلة أن الحكومات المُتعاقبة لم تملك حتى الآن رؤية مائية أستراتيجية ترتكز على المعطيات الواقعية وعلى الاستشراف العلمي للمستقبل في حين أن بلدانًا فقيرة مائياً ( كالأردن ) تمكنت من إدارة أزمة المياه ببناء ثقافة ترشيد وتكنولوجيا تحلية وتوقيع أتفاقيات طويلة الأمد لحماية أمنها المائي .؟
ولا تقف الأزمة عند المياه ، فالتعليم الذي كان يوماً مفخرة في المنطقة أصبح اليوم يعاني من نقص البنى التحتية وغياب المناهج المعاصرة وأنحدار المستوى الأكاديمي بينما تستثمر دول فقيرة مثل ( رواندا ) في التعليم كأداة لإعادة بناء الدولة بعد عقود من الحرب الأهلية والصراعات العرقية وقد تمكنت من رفع نسب الالتحاق المدرسي وتحقيق قفزات في مجال التقنية والمشاريع الصغيرة .
الصحة أيضاً جزء من هذا القلق المزمن مستشفيات لا تليق بكرامة الإنسان ، وأطباء مهاجرون ، ونقص في الأجهزة ، وأنهيار في منظومة الوقاية العامة ، في مقابل ذلك نجد أن دولًا خرجت من الحروب مثل ( فيتنام ) قد وضعت الصحة في صميم خطة نهوضها الوطني ونجحت في تحقيق نسب تغطية صحية شبه كاملة بتكلفة منخفضة للمواطن من خلال الجمع بين القطاع العام والمبادرات المحلية .
أما القطاع الزراعي فحدث ولا حرج بلد يمتلك كل المقومات من نهرين ، وتربة خصبة ، وأيدٍ عاملة ، لكنه يستورد خضرواته من دول لا تمتلك ربع ما يمتلكه العراق من الموارد بينما كانت ( هولندا ) وهي بلد صغير في المساحة تصدر منتجاتها الزراعية إلى أكثر من مئة دولة لأنها أختارت أن تكون الزراعة علماً وتقنية لا مجرد تراث أو مهنة تقليدية .؟
القلق في العراق ليس سببه فقط سوء الإدارة بل غياب المشروع الوطني الشامل الذي ينظر إلى القطاعات كمنظومة مترابطة ، لا كملفات متفرقة تُدار بردود الأفعال المطلوب ليس ورقة عمل هنا أو خطة خمسية هناك ، بل ثورة فكرية تنطلق من تغيير فلسفة الحكم من فلسفة الترضيات والهروب إلى الأمام إلى فلسفة البناء الجذري للمؤسسات والخدمات .؟
فحين يصبح القلق هو الحالة الطبيعية فهذا يعني أن الخلل لم يعد ظرفياً بل بنيوياً ، وأن الحلول الترقيعية لن تنتج دولة بل تُطيل عمر الانهيار .؟
إن ما يحتاجه العراق ليس فقط إصلاح القطاعات بل إصلاح العقل السياسي الذي يديرها فكما نجحت دول في التحول من الحطام إلى النمو يمكن للعراق أن ينهض لكن فقط حين يعترف أن الأزمات ليست قدراً بل نتيجة أختيارات .
أخيراً وليس آخراً .. ما يعيشه العراق اليوم ليس مجرد تراكم أزمات ، بل أنهيار تدريجي في مفهوم الدولة نفسها ، فحين تصبح الأزمات بنية دائمة لا حالة طارئة ، وحين يعتاد المجتمع على القلق كأفق وحيد ، يفقد الوطن بوصلته ، وتغيب معالم الإصلاح الحقيقي.؟
إن أخطر ما يمكن أن تُبتلى به أمة هو تطبيع الفشل ، حين يصبح التراجع مقبولاً ، والتقصير مُبرراً ، واللاجدوى سياسة ، وحده الوعي الجمعي هو القادر على كسر هذه الدائرة المغلقة ، وفتح الباب أمام مشروع نهضوي يعيد ترتيب الأولويات ويستعيد ثقة المواطن بالدولة ، لا من خلال الوعود أو المسكنات ، بل عبر سياسات جذرية شجاعة تعترف بالمشكلة وتواجهها من جذورها .
وكُل ذلك ممكن تحقيقه بوجود الإرادة الوطنية الصادقة التي تسحق المحاصصة ، وتضع الرجل المناسب في المكان المناسب ، لا أن تأتي الأحزاب بمن هبّ ودب ، وتمنح المناصب بوصفها غنائم لا مسؤوليات ، فبقدر ما تكون الإرادة حرة ونزيهة ، تكون الدولة قادرة على النهوض والانعتاق من دوامة الانهيار …!