الشهيدة السعيدة العلوية (كرامة نعمة يوسف الموسوي): زهرة الثورة التي أنبتها الحجاب وأزهرتها الشهادة..!

رسول حسين ابو السبح

في زقاق من أزقة شارع الداخل في مدينة الثورة ببغداد، ولدت كرامة نعمة يوسف الموسوي عام 1960، لتكون شاهدةً على الظلم الذي جثم على صدور العراقيين، ولتسطر بدمها أروع صفحات البطولة والفداء. ترعرعت نعمة في بيت عريق، فمن جهة الأم تعود إلى بيت المبرقع الكرام، وخالها السيد قاسم المبرقع، المعروف بجهاده ومكانته بين أهالي المدينة.

كانت كرامة نعمة منذ طفولتها موهوبةً بفن الرسم، تحمل ريشتها كما لو كانت ترسم بها ملامح العراق المظلوم، وتزين دفاترها بأحلام الحرية والكرامة. التحقت بإعدادية خولة بنت الأزور للبنات، وكانت تلميذة متفوقة، يجلّها زملاؤها ويهابها البعثيون في آن. كان حجابها الإسلامي صرخةً في وجه الانحراف، ورفضها الانتماء لحزب البعث الصدامي إعلان تمرد على الذل، فبدأت معاناتها باكرًا مع مضايقات ما يسمى بـ”الاتحاد العام لنساء العراق” وأزلام النظام، الذين ضاقوا ذرعًا بفتاة تعبر عن استقلالها العقائدي والسياسي، رغم نعومة أظفارها.

في عام 1980، ومع تصاعد الغضب الشعبي بعد اعتقال المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدر “رضوان الله عليه”، كانت كرامة نعمة حاضرة في قلب الحدث، تشارك في التظاهرات التي انطلقت من جامع المبرقع، إلى جانب أختها الشهيدة حليمة وأخيها الشهيد السيد محمد الموسوي، ليؤكدوا أن هذه العائلة، التي عرفت بالعفة والعلم والجهاد، لا تساوم على دينها ولا تتراجع أمام بطش الطغاة.

اقتحمت قوات مديرية أمن الثورة – المسماة ظلماً بـ”مديرية الرعب” – بيتهم ذات مساء، ومعهم مجاميع من مرتزقة الجيش اللاشعبي، ليعتقلوا فتاة لم تتجاوز العشرين من عمرها. لم يكن في يدها سلاح، لكنهم أدركوا أنها تشكل تهديدًا لفكرهم المعوج. اعتقلوها بتهمة الحجاب، وبذريعة المشاركة في التظاهرات، وزجّوا بها في زنازين الموت.

هناك، في “مسلخ الثورة”، جُرّدت من أبسط حقوق الإنسان، وتعرضت لتعذيب جسدي ونفسي وحشي، أرادوا من خلاله كسر صمودها، لكنهم اصطدموا بجدار زينبيّ صلب. لم تعترف بشيء، لم تذكر شيئًا عن نشاطها ولا عن عائلتها، فكانت كالحصن المنيع. لقد استلهمت صبرها من جدتها الحوراء زينب (عليها السلام)، وواجهت الجلاوزة بجرأة لم يعتادوها من فتاة بهذا العمر.

انقطعت أخبارها بعد ذلك، ولم يعرف أهلها ما جرى لها، هل قُتلت تحت التعذيب؟ هل ما زالت على قيد الحياة؟ بقي المصير مجهولاً حتى سقوط نظام صدام عام 2003، حيث كُشف النقاب عن كثير من الجرائم التي ظلت طي الكتمان. ظهرت أسماء الضحايا في قوائم جمعية السجناء الأحرار، واتضح أن نعمة كانت من بين الشهداء الذين دُفنوا في مقابر جماعية سرية في صحارى العراق النائية، بلا شاهد قبر، وبلا كفن، لكنها كانت عند الله من الشهداء.

سقط الجلاد، وظلت كرامة نعمة واقفة في الذاكرة، رمزًا للصمود، وشاهدة على ظلم لم يمحُه النسيان. لم تكن وحدها، بل ارتقت شهيدة إلى جانب أختها وأخيها، ليكتمل مشهد الطهر في هذه العائلة التي جمعت بين الشرف والجهاد والفداء.

سلامٌ عليها يوم وُلدت في كنف التقوى، ويوم استُشهدت مظلومة صابرة، ويوم تُبعث شاهدة على عصرٍ ساد فيه الظلم ثم باد. لقد تركت هذه السيدة المجاهدة للأجيال درسًا في الثبات على المبدأ، وفي أن الحجاب ليس مجرد قطعة قماش بل هو راية تحدٍ بوجه الطغاة.

ستبقى كرامة نعمة الموسوي نجمةً تضيء سماء الحرية، وصوتًا يجلجل في أروقة التاريخ: “هيهات منا الذلة”.
والعاقبة للمتقين