الإقليم الشيعي ليس نقيضًا للإسلام.. في مواجهة وهم الانهيار وتخدير الهوية..ح2..!

علاء الطائي

في كل مرة يُعرض فيها مشروع “الإقليم الشيعي” تتكرّر ذات الظاهرة الفكرية خوف غريزي استدعاء انتقائي للتاريخ توظيف عاطفي للرموز الدينية وسيل من التوصيفات الاتهامية “انفصال” “تقويض للمشروع الإسلامي” “هدية للكيان الصهيوني” “ردة عن خط الشهداء”

ولكن… هل يكفي هذا الضجيج اللفظي لإغلاق باب التفكير الاستراتيجي؟
وهل يجوز للمثقف الشيعي وهو أمام واحدة من أخطر أزمات التمثيل السياسي والاجتماعي للطائفة أن يكتفي بدور حارس الأسوار المهترئة بدلًا من أن يكون “مؤسس بدائل الإنقاذ”؟

في هذه الحلقة الثانية من سلسلتنا نعالج بخطاب علمي وهمًا فكريًا خطيرًا
“فكرة الإقليم الشيعي نقيض للمشروع الإسلامي”.

وهو وهم يتغذى على سوء الفهم التاريخي والخوف السياسي والكسل المعرفي.

أولًا:
من الخوف إلى الحاجة تفكيك الرهاب من فكرة الإقليم
إن ظاهرة التخوف من “الإقليم” ليست جديدة إنها نتاج تراكم نفسي–سياسي تشكّل في وعي النخبة الشيعية العراقية منذ العام 2003 حين ارتبطت فكرة “اللا مركزية” بالمجهول

لكن علم الاجتماع السياسي يعلمنا أن الخوف من الفكرة لا يعني فساد الفكرة بل قد يكون انعكاسًا لعجز النخبة عن إنتاج حلول واقعية.

مشكلة الخطاب السائد أنه يختزل الإقليم في صورة كاريكاتورية كأن القائمين عليه “مغامرون طائفيون” متناسين أن “الإقليم” فكرة دستورية منصوص عليها في المادة “119” من الدستور العراقي “الدستور العراقي 2005 ص. 39” ومجربة بنجاح نسبي في إقليم كردستان العراق.

منهجنا في هذه المقالة يقوم على إعادة تعريف الإقليم كـ:
“أداة تنظيمية لإنقاذ المجتمع الشيعي من التهميش دون المساس بوحدة العراق أو بالهوية الإسلامية”

ثانيًا:
فكرة الإقليم… من الانكفاء إلى الاستنهاض
هل الإقليم هو “ردة فعل” كما يزعم بعض المعترضين؟
الحقيقة أن فكرة الإقليم تمثل “فعلًا تراكميًا” نابعًا من ثلاثة عقود من الإقصاء واللامساواة والحرمان من الحقوق الأساسية.

إذا كان المشروع الإسلامي الذي بشّر به المفكرون الكبار – من محمد باقر الصدر إلى محمد حسين فضل الله – قد أُفرغ من مضمونه على يد الطبقة السياسية الشيعية نفسها فإن إعادة صوغ هذا المشروع داخل إطار إداري–سياسي منضبط قد تكون فرصته الأخيرة للبقاء

فالحديث عن الإقليم ليس انكفاءً… بل استنهاضٌُ… ليس انسحابًا… بل إعادة تموضع ستراتيجي… ليس هروبًا من الهوية الإسلامية… بل محاولة لحمايتها من التآكل في مستنقع الفشل الإداري والسياسي.

ثالثًا:
الإمامان الصدران… بين المبدأ والظرف
يُكثر المعترضون من الاستشهاد بسيد شهداء العصر محمد باقر الصدر وكأن الرجل كان يرفض أي شكل من أشكال التمكين السياسي والاجتماعي للشيعة.

لكن السؤال الفلسفي الذي يُغيّبونه
هل كان الصدر يرفض مبدأ التنظيم الإداري للمجتمع الشيعي… أم كان يرفض الدولة الظالمة؟

لقد استشهد الصدر لأنه طالب بعدالة اجتماعية وحقوق مدنية وتوازن سياسي… وليس لأنه كان مهوسًا بفكرة “الوحدة المركزية” ولو كان الظرف التاريخي متاحًا له لتأسيس أنموذج سياسي عادل في الجنوب العراقي… هل كان يرفض؟
هل نملك الحق اليوم في محاكمة نياته وفقًا لظروف لم يعشها ولم يختبرها؟

رابعًا:
تجربة إيران الإسلامية… درس في الدمج بين القومية والإسلام
من المفارقات المثيرة أن الخطاب الرافض للإقليم يستخدم إيران كأنموذج للتماسك الإسلامي بينما يغفل عن حقيقة بنيوية مهمة في الدولة الإيرانية

“إيران ليست دولة مركزية صلبة بالمعنى التقليدي” بل دولة قائمة على “نظام إداري لا مركزي يسمح بوجود أقاليم ومحافظات تتمتع بصلاحيات واسعة”

بل أكثر من ذلك… إيران لم تتخل عن هويتها القومية… بل “طوّعتها داخل مشروع إسلامي أوسع” دون أن تطالب قومياتها من كرد وأذريين وبلوش وعرب بالذوبان في مذهب أو قومية واحدة.

فالسؤال الجدلي هنا
“لماذا يُحرم الشيعة في العراق مما هو متاح لإخوانهم في إيران”؟

خامسًا:
فلسطين… منطق الالتزام لا منطق الابتزاز
إحدى أكثر الحجج سطحيةً في رفض مشروع الإقليم هي ربطه بفكرة “التخلي عن فلسطين” أو اعتباره “هدية للكيان الصهيوني”
إن هذه الحجة تتجاهل حقائق الجغرافيا السياسية:

هل الجنوب العراقي اليوم وهو في أسوأ أحواله الاقتصادية والاجتماعية قادر فعليًا على دعم القضية الفلسطينية؟

هل من الإنصاف مطالبة جمهور محاصر بالفقر والبطالة بأن يكون رأس حربة في قضايا الأمة الكبرى بينما هو محروم من أبسط مقومات الحياة الكريمة؟

إن تنظيم الشيعة العراقيين في إطار إداري لائق لا يعني انقطاعه عن قضايا الأمة… بل يُعزز قدرتهم على التأثير.

التجربة اللبنانية خير مثال:
فحين نظّم الشيعة أنفسهم اجتماعيًا وسياسيًا عبر حزب الله وحركة أمل صاروا أكثر قدرة على دعم فلسطين من التظاهر الخطابي فحسب.

سادسًا:
أزمة البديل… حين يغيب المشروع وتبقى الشعاراتالسؤال الفلسفي–العملي للمعترضين هو:
ما هو البديل؟
هل المطلوب هو البقاء أسرى لوضع مركزي ثبت فشله لعقدين؟
هل المطلوب استمرار التهميش وانعدام التنمية وغياب التمثيل العادل؟
هل الحل هو الانتظار الأبدي لوعد إصلاحي لا يأتي؟
الشيعة في العراق اليوم لا يطلبون “دويلة طائفية”… بل “منظومة حكم رشيد” تحفظ لهم:

حقوقهم الدستورية.
مواردهم الاقتصادية.
هويتهم الثقافية.
قدرتهم على المشاركة الوطنية الفاعلة.

سابعًا:
من المظلومية إلى المشروع… ومن الانفعال إلى التخطيط
لسنين طويلة عاش الخطاب الشيعي العراقي “في دائرة المظلومية”… حيث الاكتفاء بتوصيف الألم دون تقديم حلول
اليوم ومع طرح مشروع الإقليم تنتقل الطائفة من مرحلة البكاء على الأطلال إلى “مرحلة صناعة البدائل”.

هذا الانتقال يتطلب:
رؤية استراتيجية واضحة.
تخطيطًا مرحليًا متدرجًا.
خطابًا إعلاميًا عقلانيًا غير استفزازي.
انفتاحًا على كل الأطراف الوطنية.

ثامنًا:
الإقليم… ليس انسحابًا من العراق بل استثمار فيه
الفكرة الكبرى التي نؤمن بها هي:
“الإقليم الشيعي ليس خروجًا من العراق… بل تموضعٌ أفضل داخله”
إن تأسيس إقليم دستوري لا يعني رفض الهوية الوطنية… بل هو محاولة لحمايتها من الانهيار.

إن المركزية المتآكلة في بغداد هي الخطر الحقيقي على وحدة العراق…
أما الإقليم فهو جزء من الحل… لا من المشكلة.
الخاتمة:
بين الشجاعة الفكرية وتخدير الهوية

إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس مشروع الإقليم… بل “تخدير الهوية الشيعية” عبر خطاب يخوّن كل تفكير بديل… ويجمّل كل إخفاق سياسي… ويُشيطن كل مبادرة للإصلاح.
المرحلة القادمة بحاجة إلى “نخب تمتلك الجرأة على التفكير خارج القوالب الجاهزة”…
إلى جمهور يطالب بحقه…

وإلى مشروع واقعي… يحوّل الخطاب من لغة الشكوى… إلى لغة البناء.
ويبقى السؤال الكبير:
هل نواصل حراسة الرماد… أم نبدأ في بناء شيء حقيقي؟