رياض سعد
في الزمن الذي كانت فيه الرصاصات أكثر سخونة من قبلات الأمهات … ؛ اذ كانت البنادقُ فيه تُزهر نارًا بدل الورد … ؛ وكان الشباب يُساقون إلى الجبهات كما تُساق السنابلُ إلى مناجل الريح … ؛ والرجال يذوبون في جحيم المعارك الخاسرة كشموع تقدس الموت … ؛ظلَّ الداخلُ يعجُّ بالأعراس والولادات، كأنَّ الحياةَ تُكابرُ الموتَ وتُغاظيه بالضحك والطبول … ؛ اذ كان الناس في الداخل يتزاوجون ويتناسلون كأنهم يزرعون للموت الجماعي لا للحياة…؛ لا لأنهم يجهلون المصير، بل لأنهم يعرفونه جيدًا؛ يولدون كأنهم قرابينُ مؤجَّلة، تُربَّى في حضيرة الزمن ليأتي القصّاب الأكبر فيختار منها ما يشاء… ؛ نعم , كانوا كالأنعام التي تسمن في الحظيرة لتُذبح، بل أقسى حظاً منها ، فالأنعام تروى وتشبع قبل الذبح، أما هم فيُذبحون وهم جياع عطاشى تحت شمس الطاغية التي لا تغيب … ؛ فبعضهم يُذبح وهو يحلم بكأس ماءٍ لم يكتمل …!!
في إحدى ليالي الاعراس ( الحنة ) المستعجلة ؛ مخافة هجوم الموت المباغت ,حين كانت الرياح الشمالية تحمل عبق دجلة والبحر الابيض البعيد … ؛ اذ هبَّت ريحٌ شماليّة عذبة تُداعب وجوه البيوت الطينيّة والصرائف والمساكن البسيطة … ؛اخترق صدر الليل صوت بلبل الجنوب، الفنان عبادي العماري، يشدو بأعذب الألحان ؛ اذ كان صوته ينساب عبر مكبّراتٍ معلّقةٍ على أعمدة الكهرباء، يركب الأثيرَ بجناحين من نورٍ وأسى، ويغنّي :
عَرِّجْ على حرمِ المحبوبِ منتصبا*** لقِبلة الحُسْنِ واعذرنى على السهر
وانظر الى الخال فوق الثغرِ دون لمىً ***تجد بِلالا يراعى الصبحَ في السَّحَرِ
سمع سعدُ صوتًا يشقُّ العتمة… ؛ كان صوت عبادي العماري، البلبل الذي اعتاد أن يطرِّز الليلَ بأنغامه … ؛ لم يكن الصوتُ مجرّد غناء؛ كان سلّمًا خفيًّا ينزل من السماء إلى صدور المتعبين والبائسين والمحاصرين في القرى والمدن والاحياء الشعبية ، يربّت على قلوبهم التي أرهقها الانتظار والترقب
كان سعد، ذو الخمسة عشر ربيعاً، يسير خلف الصوت كأنه يسير خلف سراب في صحراء اليأس… ؛ كلما تقدم اقترب الصوت، وكلما تاه ابتعد، وكأن للحن روحاً تهرب منه وتدنو في آن… ؛وكأنّ الطريقَ لعبةُ مرايا، أو كأنّ الصوتَ يمتحنه :
أأنتَ تمشي إلى الفرح، أم تهربُ من الخوف؟
كان صوت العماري ينسيه شبح التجنيد الإلزامي الذي يطارده في أحلامه، رغم أنه لم يتجاوز مقاعد المتوسطة , ويجعله ينسى أن الغد قد لا يأتي …؛ في الأزمنة المريضة تكبرُ البنادق أسرع من الأطفال، ويُقاس العمرُ بالطول الذي يسمح بحمل البندقية …!!
وصل سعد إلى منطقة الأورفلي فإذا بالبشر يموجون كالبحر، والناس يرددون خلف المطرب: “خل نصعد فوك للعالي… ونسمع شيكول هل الغالي” بينما البعض يرقص على إيقاعات “البستة” كأنهم يرقصون على صفيح ساخن…, ترتفع الأيدي، تتمايل الأجساد، تتكسّر القيودُ لساعةٍ واحدة ؛ كانت قناني البيرة توزع كالماء و كأنَّ السلطة التي تبخلُ بالخبز تُسرفُ في النسيان…!!
والنساء ينظرن من السطوح عبر نوافذ صغيرة لا تكشف إلا العيون، وكان العماري يغني ورأسه مطأطئ إلى الأرض لا يرفعه، متحاشياً النظر إليهن، حتى وهو ثمل ؛ يسكر بالخمر ولا يسكر بالنساء …؛ نعم , كان يغضُّ بصره كأنّه يخاف أن يخدش الغناءُ حياءه، رغم أنّه يشرب الخمر أحيانًا حتى الثمالة … ؛ فيه تناقضُ البشر: ضعفٌ يتجاور مع نقاء، وخطيئةٌ تعانق فضيلة … !!
وبدافع فضولٍ مراهقٍ لم يكتمل، طلب سعد رشفةً من قنينة أحد الشبان، فزجره الشاب بخشونة فابتعد صامتاً… ؛ فسكت سعد ولاذ بالصمت … ؛ لم يكن الصمتُ خجلًا فقط، بل كان درسًا مبكرًا في حدود الأشياء… ؛ فهناك أشياء تحرم على الصغار … , و تُمنَح للكبار؛ وأخرى تُفرَض عليهم، وأثقلها الحرب …
ثم جذبته الأضواء نحو المطرب عبادي العماري ، فاخترق جموع الحضور المتطفلين، وكان بينهم عمال غرباء مصريون جاءوا للعمل في المدينة كأسراب الجراد الذي يأكل الاخضر واليابس … ؛ كان سعد وسيماً ملفتاً للنظر، كأنّ البراءةَ ما تزال تُقيم في وجهه رغم كلّ ما يحيط به , فلاحظه العماري من على المنصة, وأشار إليه بعين الأب، فصاح به محذراً بصوته الأجش: (( يا ولد… روح لا تقف بجنب المصريين…؛اذهب وقف مع مَن هم في سنّك )) .
كان العماري معروفاً بغيرته وشيمه، تلك الشيم التي لا يمحوها الخمر ولا تغيب مع الأضواء…
وفي تلك الليلة وفي حضرة صوته ، عاش الناس لحظةً من سلامٍ مستعار، كأنهم في بلدٍ آخر ؛ غير العراق، وفي عهد غير عهد الطاغية، وفي زمن لا حرب فيه ولا سجون ومعتقلات … , ولا قوائم انتظار إلى الجبهات ؛ كانت الأغنيةُ وطنًا مؤقّتًا، يُؤويهم من جحيم الحقيقة… ؛ كانوا يرقصون على حافة الهاوية دون أن يعلموا أن الغد يحمل في جعبته كفناً جديدا …
لكن ما إن انتهت الحفلة … ؛ وما إن انطفأت المكبّرات، حتى عاد الليلُ إلى طبيعته… ؛ و انقشعت سحب النشوة، وعادت الهموم تغزو القلوب كالجرذان الجائعة … ؛ فهناك أب يفكر بابنه الوحيد الذي سيُساق غدًا إلى الجبهة …, وجندي يستعد للالتحاق بمعارك الحجيم الخاسرة ؛ وأم قلقة على ابنها الذي اعتقل بعد صلاة الفجر … ؛ وزوجةٌ تتحسّس فراشًا خاليًا منذ استشهاد زوجها… ؛ وثكلى تعود لتنوح على ابنها وأخيها وابيها ، وفاقدة تبكي شهيدين كأنها تبكي قلبين خرجا من صدرها دفعةً واحدة … ؛وأيتامٌ يسألون عن آباءٍ صاروا أسماءً على جدار …؛ كأنهم يسألون عن سر الحياة المفقود… .
عاد سعد إلى دارهم في وقت متأخر، فوجد والده واقفاً (على رأس الدربونة) في بداية الفرع ؛ كتمثال من غضب متحجر لا ينام … ؛ وما إن رآه حتى ولّى هارباً إلى بيت عمه الذي آواه وحماه… ؛كما تُؤوي الشجرةُ عصفورًا مرتعشًا…
لكنه لم يستطع النوم، ظل يرتجف تحت اللحاف، لا يخاف من الضرب فقط، بل يخاف من الصباح الذي سيأتي حتماً … ؛ نعم , في تلك الليلة، لم يذق سعد طعم النوم… ؛كان يفكّر … ؛ كيف يمكن لصوتٍ أن يُنقذ روحًا ساعةً واحدة، ولا يقدر أن يُغيّر قدرًا؟!
كيف يُمكن للأغنية أن تكون أقوى من الرصاصة في القلب، وأضعف منها في الواقع؟!
لكن خوفه الأكبر كان من زمنٍ يُربّي أبناءه ليأكلهم … ؛ومن الطاغية الحاقد الذي لا ينام ولا يرحم ، ومن الموت الذي ينتظرهم جميعاً في الطوابير الطويلة …
وفي زاوية الغرفة، بينما كانت الريحُ تعزفُ لحنًا حزينًا على نافذةٍ صدئة، أدرك سعد أنَّ الإنسان لا يعيش بالأمان وحده، بل بالأمل …
وأنّ الأغنية، وإن لم توقف الحرب، فهي تُذكّرنا أننا ما زلنا بشرًا…
وأنّ في صدورنا متّسعًا لصوتٍ يقول :لسنا قطيعًا، ولسنا حطبًا للنار … ؛بل قلوبًا خُلِقت لتخفق ولوفي حضرة الطاغية , وفي زمن الاوغاد …