حسين شكران الأكوش العقيلي
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه المصالح، باتت المناصب الإدارية والسياسية تُمنح لا على أساس الكفاءة، بل وفق معايير الولاء والمجاملة، وكأنها هدايا تُوزّع في حفلات النفوذ، لا مسؤوليات تُحمّل على أكتاف من يستحق. هذه الظاهرة، التي لم تعد استثناءً بل تكاد تكون قاعدة، تُنذر بانهيار المعايير التي تقوم عليها الدول والمؤسسات، وتُعيد تشكيل مفهوم “الاستحقاق” من كونه ثمرة جهد إلى كونه نتيجة قربٍ أو صلة.
لم يكن المنصب يومًا غاية في ذاته، بل وسيلة لخدمة الناس وتحقيق العدالة. في الفكر الإسلامي، يُنظر إلى المسؤولية بوصفها أمانة، لا امتيازًا، ويُحمّل صاحبها تبعات عظيمة أمام الله والناس. (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) ليست مجرد عبارة بل مبدأ يُؤسس لفهم عميق لطبيعة السلطة. لكن حين تُفرغ المناصب من معناها، وتُمنح لمن لا يحمل مؤهلاتها، تتحول الأمانة إلى عبء على المجتمع، وتصبح الإدارة عبثًا يُدار بالارتجال لا بالتخطيط.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط غياب الكفاءة، بل تهميش الطاقات الحقيقية التي كان يمكن أن تُحدث فرقًا. حين يُقصى أصحاب الخبرة لصالح أصحاب العلاقات، يُصاب المجتمع بحالة من الإحباط، وتُغتال روح المبادرة، ويُصبح النجاح مرهونًا بالانتماء لا بالإبداع. وهذا ما يُفسر تراجع الأداء في كثير من المؤسسات، وتكرار الأخطاء، وتضخم البيروقراطية، دون أن يكون هناك من يُحاسب أو يُراجع.
اللافت أن هذه الظاهرة لا تقتصر على مجال دون آخر، بل تمتد من الإدارات المحلية إلى المناصب العليا، ومن المؤسسات التعليمية إلى الدبلوماسية، حتى باتت بعض المناصب تُمنح لمن لا يُجيد حتى التعبير عن طبيعة عمله، ناهيك عن فهمه. ويكفي أن نُتابع بعض التصريحات الرسمية لنُدرك حجم الفجوة بين المنصب وصاحبه، بين المسؤولية والفهم، بين التمثيل والواقع.
في المجتمعات التي تُكرّس هذه الثقافة، يُصبح المنصب وسيلة للتفاخر، لا منصة للتغيير. وتُختزل الوطنية في مظاهر شكلية، بينما تُهمّش الكفاءات التي تحمل رؤى إصلاحية. وهنا، لا يعود الخطر مقتصرًا على الأداء، بل يمتد إلى الهوية الوطنية نفسها، التي تُصبح عرضة للتشويه حين يُمثّلها من لا يُدرك قيمتها.
إن إصلاح هذا الواقع لا يبدأ بإعادة توزيع المناصب فحسب، بل بإعادة تعريفها. يجب أن يُعاد الاعتبار لفكرة “الاستحقاق”، لا بوصفها شعارًا، بل منهجًا يُطبّق. ويجب أن يُعاد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة، عبر اختيار من يُجيد لا من يُجامل، من يُصلح لا من يُصفّق، من يُحمّل المسؤولية لا من يُحمّلها للآخرين.
حين يُصبح المنصب تكليفًا لا تشريفًا، وحين يُعاد الاعتبار للكفاءة بوصفها معيارًا لا استثناء، يُمكن أن نبدأ رحلة الإصلاح الحقيقي. أما أن نظل نُعيد إنتاج ذات الوجوه بذات الأساليب، فذلك يعني أننا نُكرّس الأزمة، لا نُعالجها.
في النهاية، لا تنهض الأمم بالمجاملات، بل بالعدالة. ولا تُبنى الدول بالولاءات، بل بالكفاءات. وكلما اقتربنا من هذا الفهم، اقتربنا من بناء وطنٍ لا يُدار بالارتجال، بل يُقاد بالبصيرة.