القرآن وکتاب بلغة الفقيه للسيد بحر العلوم (ح 2)‎

فاضل حسن شريف


جاء في کتاب بلغة الفقيه للسيد محمد بحر العلوم: حق الأغنياء على الفقراء: قول علي عليه السلام: (إن الله تعالى شرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال) وقول علي عليه الصلاة والسلام كما في نهج البلاغة فيما كان يكتبه لمن يستعمله على الصدقات: (فان كان له ماشية أوابل فلا تدخلها إلا باذنه، فإن اكثرها له) حيث أن الظاهر منه: ان بعضها وهو ما عد الاكثر للمستحق، جعله الله له إلى غير ذلك من أخبار الزكاة وأدلة الخمس، كالآية الشريفة “واعلموا أن ما غنمتم من شئ فأن لله خمسه” (الأنفال 41).

وعن عقد البيع يقول السيد بحر العلوم رحمه الله في كتابه: ينشأ البيع بالعقد المشتمل على الإيجاب والقبول كبعت واشتريت. أما في صورة انشاء البيع بالتعاطي فان فعلهما الخارجي، وان كان على ما هو المختار، مصداقا للبيع حيث أن مفهومه تمليك عين بعوض أو تبديل طرف إضافة مالكية بطرف اضافة مثلها لآخر كما هو المختار أو مبادلة مال بمال مع كون المعوض عينا، كيف ما كان، فالمفاهيم المذكورة تنطبق على فعلهما الخارجي وتشملة آية “أحل الله البيع” (البقرة 275) وآية “لتجارة عن تراض” (النساء 29) ويصح بذلك ويحصل الملك لكل منهما فيما أخذه من صاحبه، ولكنه ملك جائز ليس فيه اقتضاء اللزوم، فإن غاية ما يستفاد من تعاطيهما بقصد الملك ملكية كل منهما ما أخذه من الآخر. وأما التعهد والالتزام من كل منهما بالثبات والبقاء على ما ملكه للآخر، فلا دلالة لفعلهما عليه، والآيتان إمضاء وتصحيح لما يستفاد من فعلهما، وهو أصل الملكية ليس إلا كما أن السيرة التي استدل بها على حصول الملك بالمعاطاة غاية ما يستفاد منها معاملة المأخوذ بالمعاطاة معاملة الملك وترتيب آثاره عليه، وأما لزوم الملك وعدم جواز الرجوع فيه، فلا دلالة لها عليه، ولعل منشأ تسالم الاصحاب ممن قال بافادتها الملك أو الاباحة على عدم اللزوم: هو القصور في المقتضي لا لوجود دليل على عدمه من إجماع ونحوه. هذا إذا كان إنشاء البيع بالفعل. وأما في صورة إنشائه بين المتبايعين بالعقد المشتمل على الإيجاب والقبول، فهيأة الماضي مثلا الواردة على مادة البيع والشراء، وإن دلت على تمليك العين بالعوض وتملكها به، كالتعاطي بقصد الملك إلا أن إنشاء التمليك والتملك بالقول كما يدل على ما دل عليه الإنشاء بالفعل بالمطابقة وهو تمليك العين وتملكها بالعوض، كذلك يدل بالدلالة الالتزامية العرفية على التعهد والالتزام من كل من المتعاقدين بهذا المدلول المطابقي، والثبات عليه ما لم يكن في البين خيار مجعول له، ومن هنا أطلق العقد على الانشاء بالقول فانه: العهد الموثق المحكم، لما فيه من الأحكام. ويشهد لذلك: أن المعاملات الخطيرة ذات الشأن إنما تنشأ نوعا بالعقود دون المعاطاة من جهة فقدان المعاطاة لما كان العقد واجدا له من الالتزام والاحكام. وآية “أوفوا بالعقود” (المائدة 1) إنما تمضي وتلزم بالوفاء بالعقود باعتبار وجود المدلول الالتزامي فيها، وهو التزام كل من المتعاقدين لصاحبه بالثبات والبقاء على ما يقتضيه العقد من التمليك والتملك بالعوض. ودليل الخيار المجعول بأسبابه وموارده ومنها اشتراط ذلك في ضمن العقد يكون مخصصا لعموم “أوفوا بالعقود” (المائدة 1).

وعن فساد العقد يقول السيد محمد بحر العلوم: أن الباء في قولهم “بصحيحه” و “بفاسده” للسببية التامة. فلم لا تكون لمطلق السببية، ولو كانت ناقصة. فان الموجب للضمان في الفاسد، وان كان هو قبض العين ولكن المنشأ له هو العقد. أو تكون الباء للظرفية، نحو قوله تعالى “نجيناهم بسحر” (القمر 34) وقوله تعالى “ولقد نصركم الله ببدر” (آل عمران 123).

وعن الرهن والهبة يقول السيد بحر العلوم رحمه الله في كتابه: وأما بالنسبة إلى ما كان القبض شرطا في صحته أو لزومه كالرهن والهبة، فنقول: لو رهن المقبوض بيد المرتهن قبل عقد الرهن عليه، فلا يخلو: إما أن يكون القبض المتحقق أولا باذن الراهن، أو بغير إذنه كالمغصوب. وعلى التقديرين، ففي اعتبار الاذن مطلقا أو عدمه كذلك، أو التفصيل بين المأذون وغيره. أقوال: نسب ثانيهما إلى الاكثر، ولعل نظرهم إلى كفاية تحقق القبض فيما هو معتبر فيه من الصحة أو اللزوم، لاطلاق قوله صلى الله عليه وآله (لا رهن إلا مقبوضا) و (رهان مقبوضة) يشير إلى قوله تعالى في سورة البقرة 283: “وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة” (البقرة 283). وفيه: إن المطلقات مسوقة لبيان أصل اعتبار القبض، وأما من جهة الكيفية، فهي مهملة غير ناظرة إليها، فيبقى الحكم على ما كان عليه قبله من الجواز وعدم ترتب الصحة بحكم الاستصحاب.