العقلية الثورية في علاج الأخطاء

كامل سلمان

المقصود بالعقلية الثورية هي العقلية التي تنظر للأمور من زاوية ثورية حادة خالية من المرونة والدبلوماسية . العقلية الثورية لا تعالج الأخطاء لأنها هي من تصنع الأخطاء بسبب تعنتها و يباسها ، العقلية الثورية أسيرة المشاعر والعواطف والمبادىء وتخلو من المرونة التي يحتاجها العقل الواقعي وتخلو من الاعتراف بالهزيمة والفشل ، العقلية الثورية لا تفهم بأن الهزيمة ممكن أن تتحول إلى انتصار عند الاعتراف بها وقبولها ثم مراجعة اسبابها . من أكبر عيوب الثورات حين نجاحها هو أن قادة الثورات يفشلون في إدارة الدولة . جميع القادة الثوريون صنعوا أخطاءاً كارثية أدت إلى تدمير وتحطيم المجتمعات ولو تقبلوا الهزيمة من البداية ما كانوا ليتركوا حياة مجتمعاتهم رماداً والأمثلة والشواهد أمامنا لا تعد ولا تحصى ، وهذا ينطبق على مستوى المثقف صاحب العقلية الثورية فهو ينقد بشدة ويضع حلولاً أحياناً أسوأ من ذات المشكلة ، في كثير من الأحيان نجد أصحاب المقالات الذين يصطادون عيباً في شخصية مسؤول حكومي أو تصرفاً سيئاً لقائد معين تتحول مقالاتهم إلى دعوة للثورة والانتفاضة والتغيير الجذري ضد النظام القائم فيستشهدون بقادة الثورات في التأريخ وكيف كانت صرخاتهم ثورات مدمرة للطغاة ثم يعيبون الشعب على سكوته وتحمله لهذه الذلة ، فكل ثقافتهم وأطروحاتهم محصورة بالثورة والمواجهة والعصيان المدني لكن كلما اقتربوا اكثر من تلك العيوب سيجدونها مختلفة عما كانوا يرونها من بعيد قد لا تستوجب تلك الصيحات والانفعالات . كان من الأفضل على المثقف مناقشة وتحليل العيوب المفضوحة ونشر تفاصيلها ونقدها بعقل علمي فالعقل العلمي قادر على سبر أغوار الأحداث ثم طرح البديل الصحيح بشكل عقلي واقعي لأن الطرح العلمي أسرع في اختراق العقول وأقرب إلى النجاح دون تكلفة ودون دماء ، بالأخير أنت وأنا وجميع أصحاب المقالات لسنا أدوات للتحريض والفتن ، نحن مجرد أصحاب رأي لرفع درجة الوعي عند الناس وكشف الخفايا ومعالجة السلبيات ، فمن أراد أن يكون أكثر من ذلك فقد تتحول إيجابياته المرجوة من قبل عامة الناس إلى سلبيات لا تخدم المجتمع ، علينا جميعاً أن نخرج من عباءة العقليات الثورية التي تربينا عليها والتي أضرت كثيراً في بناء مجتمعاتنا وعقلياتنا وعقليات المجتمع ، العقليات الثورية هي عقليات اليسار المتطرف الذي يستمتع بالفوضى ويراهن عليها ومن خلالها يبني له وجود ، وكما نعلم فأن الوسط الجاهل هو الأكثر تقبلاً للفكر اليساري . جميع المجتمعات الثورية أصبحت مثال للسخرية ظلت تصرخ ليل نهار بشعاراتها الرنانة بلا فائدة فيما قفزت المجتمعات الأخرى ناصية العلم وأنفردت لوحدها في التطور . أن أسوأ شيء تربت عليه أجيالنا هي العقلية الثورية التي تثير المشاعر والعواطف وتنسى البناء العلمي الفعلي . لا يوجد بناء علمي صحيح يأتي من خلال العواطف والانفعالات . أقولها بصراحة لولا الثقافة اليسارية التي سيطرة على مجتمعاتنا لعقود طويلة لما كان للتطرف الديني سطوة علينا في هذا العصر ولما كان للإسلام السياسي الذي إنتهى مع إنتهاء الدولة العثمانية أن يحيا من جديد ، نعم العقلية اليسارية الثورية هي بيت الداء ومصدر البلاء ، وللأسف مازال الكثير من أصحاب الفكر اليساري لم يستوعبوا الدرس ولم يتعلموا بأنهم وراء كل الانتكاسات التي اصابت المجتمع ومازالوا يعتقدون بأنهم هم الحل . ما يحدث اليوم في منطقتنا هو صراع بين العقل الثوري الذي هو ديدن مثقفينا وسياسيينا ورجال ديننا وبين العقل العلمي والذكاء الاصطناعي الذي يجتهد به الطرف الأخر لذلك علينا أن لا نستغرب كل هذه الهزائم والإنتكاسات لأننا لم نجرب غير العقل الثوري الذي نقدسه و نقوم كل مرة بإعادته بفشل أكبر مما سبق حتى أصبح قادتنا وسياسيينا بنظر دول العالم عديمي الحياء لكثرة عثراتهم ، متى يعي قادتنا ومثقفينا بانهم أسارى لتربية فكرية عقيمة ؟ وختاماً علينا أن ندرك جميعاً بأن زمن العقليات الثورية والعنتريات والمشاعر الملتهبة والأناشيد الحماسيه والخطب النارية قد إنتهى فاليوم يوم العلم والتفكير العلمي ، كفى مراهنة على أساليب الماضي التي لم تجلب لنا غير الخراب والهزيمة .