د. فاضل حسن شريف
التكرار في اللغة هو أسلوب بلاغي يعيد فيه المتكلم صياغة الفكرة أو الكلمة أو العبارة لغايات التأكيد، وتثبيت المعنى في ذهن السامع، وإثارة الانفعال.يبرز دوره الأساسي في عدة جوانب رئيسية:التأكيد والتقرير: يساهم في رسوخ المعنى، وإزالة أي شك لدى المتلقي. كما قيل: “الكلام إذا تكرر تقرر”. الإيقاع والموسيقى: يضفي تكرار العبارات نغمة صوتية وجرساً موسيقياً يطرب الأذن، خاصة في النصوص الشعرية والنثرية.الاستمالة والتأثير العاطفي: يعكس الحالة النفسية للمتكلم ويساعد على جذب انتباه السامع وإيصال الشحنة الانفعالية بدقة.الوضوح والبيان: يدفع اللبس ويوضح المعاني الغامضة عبر التوكيد اللفظي والمعنوي، وهو أداة فعالة في الإقناع. الترابط النصي: يعمل على تماسك أجزاء النص، مما يربط الجمل ببعضها ويحافظ على وحدة الموضوع.ويعتبر التكرار ظاهرة أسلوبية بالغة الأهمية تستخدم لغايات التحذير، أو التعظيم، أو التهويل، ولا يُعد حشواً ما دام يحمل فائدة دلالية أو جمالية.
اشار الشيخ مكارم الشيرازي في تفسير قوله تعالى: “لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَمَا مِنْ إِله إِلاَّ إِلهٌ وَاحِدٌ” (المائدة 73) إلى هذا المعنى يقول: (تتحدث (الآية) عن انحرافات المسيحيين، فتبدء بأهم تلك الانحرافات، أي (تأليه المسيح) و (تثليث المعبود)، وأي كفر أشد من أن يجعلوا الله اللامحدود من جميع الجهات متحداً مع مخلوق محدود من جميع الجهات، وأن يصفوا الخالق بصفات المخلوق، فالآية تتناول الغلو ووحدة المسيح بالله وهو (التوحيد في التثليث) وتشير إلى مسألة تعدد الالهة في نظر المسيحيين، أي التثليث في التوحيد وتقول: أن الذين قالوا أن الله ثالث الاقانيم الثلاثة لاريب انهم كافرون).
جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى “وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ” ﴿البقرة 228﴾ إشعار بأن هذا التربص يجب أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجى، وذلك لأن المرأة المطلقة كثيرا ما تشعر بعد طلاقها بأنها في حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها في حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها. قوله تعالى “لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَة ” (المائدة 73) أي أحد الثلاثة: الأب والابن والروح، أي هو ينطبق على كل واحد من الثلاثة، وهذا لازم قولهم: إن الأب إله، والابن إله، والروح إله، وهو ثلاثة، وهو واحد يضاهئون بذلك نظير قولنا: إن زيد بن عمرو إنسان، فهناك أمور ثلاثة هي: زيد وابن عمرو والإنسان، وهناك أمر واحد وهو المنعوت بهذه النعوت، وقد غفلوا عن أن هذه الكثرة إن كانت حقيقية غير اعتبارية أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة، وأن المنعوت إن كان واحدا حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتبارية غير حقيقية فالجمع بين هذه الكثرة العددية والوحدة العددية في زيد المنعوت بحسب الحقيقة مما يستنكف العقل عن تعقله. ولذا ربما ذكر بعض الدعاة من النصارى أن مسألة التثليث من المسائل المأثورة من مذاهب الأسلاف التي لا تقبل الحل بحسب الموازين العلمية، ولم يتنبه أن عليه أن يطالب الدليل على كل دعوى يقرع سمعه سواء كان من دعاوي الأسلاف أو من دعاوي الأخلاف. قوله تعالى “وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ” (المائدة 73) (إلى آخر الآية) رد منه تعالى لقولهم”إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَة ” (المائدة 73) بأن الله سبحانه لا يقبل بذاته المتعالية الكثرة بوجه من الوجوه فهو تعالى في ذاته واحد، وإذا اتصف بصفاته الكريمة وأسمائه الحسنى لم يزد ذلك على ذاته الواحدة شيئا ولا الصفة إذا أضيفت إلى الصفة أورث ذلك كثرة وتعددا فهو تعالى أحدي الذات لا ينقسم لا في خارج ولا في وهم ولا في عقل.
جاء في موقع الألوكة الشرعية عن التكرار في القرآن الكريم للشيخ مسعد أحمد الشايب: من خصائص النظم القُرْآني أيضًا المتعلقة بجانب اللفظ التكرار (الترداد) في ألفاظه ونظمه، وهو مذهب من مذاهب العرب في كلامها كانت تذهب إليه لأغراض شتى، غير أن التكرار في القُرْآن الكريم يباين التكرار في كلام العرب الذي لا يسلم معه الأسلوب من القلق والاضطراب، فيكون هدفًا للطعن والنقد، أما التكرار في القُرْآن الكريم فقد جاء محكمًا سليمًا من المآخذ والعيوب، غير دعاوى المغالين في الطعن فيه. وقد جاء التكرار في نظم القُرْآن على عدة صور: • تارة يكون المكرر أداة تؤدي وظيفة في الجملة بعد أن تستوفي ركنيها الأساسين، ومن أمثلته قول الله تعالى: “ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ” (النحل 110)، فقد تكررت (إن) في الآية مرتين، وكان من الممكن الاكتفاء بـ: (إن) الأولى، ولكن لما طال الفصل بينها وبين خبرها (لغفور رحيم) كررت (إن) ثانية، حتى لا يتنافى طول الفصل مع الغرض المسوقة له (إن)، وهو التوكيد، فاقتضت البلاغة تكررها لتلحظ النسبة بين ركني الجملة على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد. يقول الزركشي: (وحقيقته إعادة اللفظ أو مرادفه لتقرير معنى، خشية تناسي الأول لطول العهد به). ومن هذه الصور أيضًا تكرار حرف الجر في قوله تعالى: “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ” (البقرة 8)، فقد أعاد المولى تبارك وتعالى (الباء) مع حرف العطف في قوله: “وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ” (البقر 8)، وهذا لا يكون إلا للتوكيد، وليس في القُرْآن غير هذا الموضع. والسر في هذا أن هذا حكاية لكلام المنافقين، وهم أكدوا كلامهم نفيًا للريبة وإبعادًا للتهمة، فكانوا في ذلك كما قيل: يكاد المريب يقول: خُذوني، فنفى الله الإيمان عنهم بأوكد الألفاظ، فقال: “وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ” (البقرة 8). قلت: وذلك حينما جاء بضمير الجمع للغائب (هم) مسبوقًا بالنفي، فأخرج ذواتهم وأنفسهم من طوائف المؤمنين، وجاء الإيمان مطلقًا كأنه قال: ليسوا من الإيمان في شيء قط، لا من الإيمان بالله وباليوم الآخر، ولا من الإيمان بغيرهما.
قال الله تعالى “لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (المائدة 73) جاء في موقع شبكة فجر الثقافية عن الاختلاف و الوحدة في نظر القرآن الكريم (4) للسيد محمد باقر الحكيم: الإيمان بالله الواحد، والوحي الإلهي، واليوم الآخر، والكتب والرسالات، حيث يمثل هذا الإيمان الأساس المشترك لهذه الديانات كلها. وبالرغم من الإشارات القرآنية إلى وجود الانحراف عن هذا الأصل في بعض هذه الديانات ـ بحيث عبر عنه القرآن الكريم بـ(الكفر) ـ ولكن يبدو أن تقويم القرآن الكريم لهذا الكفر والشرك لم يكن بالدرجة التي تؤدي إلى القطيعة والانفصال، ولعل ذلك ـ والله أعلم ـ ينطلق من: أن هذا النوع من الكفر والشرك ليس بالدرجة العالية من الانحراف، لأنه كفر وشرك يرتبط بتصور الذات الإلهية تصوراً منحرفاً، أو الغلو في فهم بعض أفراد الأنبياء والصعود بدرجاتهم إلى مستوى يجعلهم يمثلون امتداداً لله الواحد نفسه، كما يبدو ذلك في تصور بعض طوائف النصارى للمسيح وأمه، بحيث تصبح الذات الإلهية ذات أبعاد ثلاثة، أو مراحل ثلاثة تشبه المراحل التي يمر بها بعض الموجودات البشرية أو المادية مثل: (الأب، والابن، وروح القدس): “لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة” (المائدة 73).
جاء في موقع هدى القرآن عن انحرافات بني إسرائيل للدكتور سعيد أيوب: وقوله: “لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ” (المائدة 73) أي أحد الثلاثة: الأب والإبن والروح. أي هو ينطبق على كل واحد من الثلاثة. وهذا لازم قولهم أن الأب إله. ولابن إله والروح إله. وهو ثلاثة وهو وحد يضاهئون بذلك نظير قولنا: إن زيد بن عمرو إنسان. فهناك أمور ثلاثة هي: زيد وابن عمرو والإنسان. هناك أمر واحد هو المنعوت بهذه النعوت. وقد غفلوا عن هذه الكثرة إن كانت حقيقة غير اعتبارية. أوجبت الكثرة في المنعوت حقيقة. وأن المنعوت إن كان واحدا حقيقة أوجب ذلك أن تكون الكثرة اعتبارية غير حقيقة. فالجمع بين هذه الكثرة العددية والوحدة العددية. في زيد المنعوت بحسب الحقيقة. مما يستنكف العقل عن تعقله. ولذا ربما ذكر بعض الدعاة من النصارى أن مسألة التثليث من المسائل المأثورة، من مذاهب الأسلاف، التي لا تقبل الحل بحسب الموازين العلمية. ولم يتنبه أن عليه أن يطالب الدليل على كل دعوى يقرع سمعه، سواء كان من دعاوي الأسلاف أو من دعاوي الأخلاف. وقوله: “وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ” (المائدة 73) فالمعنى: ليس في الوجود شئ من جنس الإله أصلا إلا إله واحد نوعا من الوحدة لا يقبل التعدد أصلا، لا تعدد الذات ولا تعدد الصفات لا خارجا ولا فرضا، إن الله سبحانه لا يقبل بذاته المتعالية الكثرة بوجه من الوجوه، فهو تعالى في ذاته واحد، وإذا اتصف بصفاته الكريمة وأسمائه الحسنى، لم يزد ذلك على ذاته الواحدة شيئا، ولا الصفة إذا أضيفت إلى الصفة. أورث ذلك كثرة وتعددا فهو تعالى إحدى الذات لا ينقسم لا في الخارج ولا في وهم ولا في عقل. فليس الله سبحانه. بحيث يتجزأ في ذاته إلى شئ وشئ قط. ولا أن ذاته بحيث يجوز أن يضاف إليه شئ فيصير اثنين أو أكثر. كيف؟ وهو تعالى مع هذا الشئ الذي تراد إضافته إليه تعالى في وهم أو فرض أو خارج. فهو تعالى واحد في ذاته لكن لا بالواحدة العددية. التي لسائر كيف؟ وهذه الواحدة العددية والكثرة المتألفة منها كلتاهما من آثار صنعه وإيجاده، فكيف يتصف بما هو من صنعه؟