بين ظليمتين… حين يتقاسم القدر وسادتي

رياض سعد

النوم بين ظليمتين ليس فعلاً بريئًا، ولا عادة جسدية عابرة؛ إنه امتحان يومي للروح، ومساومة قاسية مع الذاكرة.

كلما حاولتُ أن أنام على الجهة اليسرى، انفتحت الظليمة الأولى كفمٍ قديم، واندفع أمامي شريط طويل من الأحزان والأسى، كأنه فيلم بلا نهاية، تُعاد مشاهده لا لشيء سوى لتعذيب المشاهد… ؛ أرى الوجوه التي غابت، والكلمات التي لم تُقَل، والفرص التي مرّت كعابر سبيل ولم تلتفت إليّ.

وكلما انقلبتُ إلى الجهة اليمنى، منحتني الظليمة الثانية هدنة قصيرة، لحظة خاطفة، أو سنة من نومٍ خفيف لا يبلغ حدّ السلام… ؛  غير أن الذكريات، كجيشٍ عرمرم همجي لا يعرف الرحمة ولا قوانين الحرب، تهجم عليّ فجأة، تكسّر خطوط الدفاع الأخيرة، وتحتل مساحة الوعي كلها… ؛  فأكتشف، متأخرًا، أن هذه الظليمة لا تقل وجعًا عن أختها، بل ربما تجيد التخفي أكثر.

هكذا صرتُ معلقًا بينهما، أتقلّب كجسدٍ بلا وطن، وكأن الظليمتين ليستا وسادتين، بل قدرًا ذا وجهين… ؛  عندها تذكّرت المثل الشعبي القائل إن القدر يتكئ على ثلاث أرجل. وبمجيء الظليمتين اكتملت الحكاية؛ فكأن ظليمتي الواحدة لم تكن كافية، فعزّز القدر المشهد بظليمة ثانية، وثالثة خفية تسكن داخلي، حتى تكتمل فصول المسرحية الحزينة، ويُسدل الستار كل ليلة دون تصفيق.

ما إن أنظر إليهما حتى تنساب الدموع من عينيّ كالشلال المنهمر من علٍ، بلا استئذان ولا خجل… ؛  وصدق من قال إن الألم لا يُدفع إلا بالألم؛ فقد نسيت ظليمتي الأولى حين رأيت الظليمتين معًا، وتضاءل وجعي القديم أمام هذا التراكم الفادح من الخسارات… ؛  الألم، حين يتكاثر، يبتلع نفسه، ويصير كائنًا أعمى لا يفرّق بين سبب ونتيجة.

ولا أدري: أَنستطيع أن نكمل الطريق معًا، أنا وهاتين الظليمتان، أم أن القدر سيفرق بيننا كما فعل من قبل، تاركًا إيّاي في منتصف الليل، بلا وسادة، وبذاكرة متيقظة أكثر من اللازم؟

كل ما أعلمه أنني، منذ زمن، لم أعد أبحث عن النوم، بل عن لحظة صمتٍ لا تهاجمني فيها الذكريات، ولا يطالبني فيها الماضي بدَينه كاملًا، دفعة واحدة.