د. فاضل حسن شريف
عن تفسير الميسر: قوله تعالى “اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (التوبة 80) اسنغفر فعل، تستغفر فعل. استغفر أيها الرسول للمنافقين أو لا تستغفر لهم، فلن يغفر الله لهم، مهما كثر استغفارك لهم وتكرر؛ لأنهم كفروا بالله ورسوله. والله سبحانه وتعالى لا يوفق للهدى الخارجين عن طاعته. وجاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (التوبة 80) “استغفر” يا محمد “لهم أو لا تستغفر لهم” تخيير له في الاستغفار وتركه قال صلى الله عليه وسلم: “إني خيرت فاخترت يعني الاستغفار” رواه البخاري “إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم” قيل المراد بالسبعين المبالغة في كثرة الاستغفار وفي البخاري حديث “لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر لزدت عليها” وقيل المراد العدد المخصوص لحديثه أيضاً “وسأزيد على السبعين” فبين له حسم المغفرة بآية “سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم” “ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين”.
قال الإمام الشافعي في كتاب الأم (وبلغنا أنه كان يقال: إن الدعاء يستجاب في خمس ليال في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان). انّ أوّل ليلة من ليالي الجمعة من رجب تسمّى”ليلة الرّغائب”، وفيها عمل مأثور عن النّبي صلى الله عليه وآله ذو فضل كثير، ورواه السّيد في الاقبال والعلامة المجلسي رحمه الله في اجازة بني زهرة، ومن فضله أن يغفر لمن صلاّها ذنوب كثيرة، وانّه اذا كان أوّل ليلة نزوله الى قبره بعَث الله اليه ثواب هذه الصّلاة في أحسن صورة بوجه طلق ولسان ذلق، فيقول: يا حبيبي أبشر، فقد نجوت مِن كلّ شدّة، فيقول: مَنْ أنت؟ فما رأيت أحسن وجهاً منك، ولا سمعت كلاماً أحلى من كلامك، ولا شمت رائحة أطيب من رائحتك! فيقول: يا حبيبي، أنا ثواب تلك الصّلاة التي صلّيتها ليلة كذا في بلدة كذا في شهر كذا في سنة كذا، جئتُ اللّيلة لأقضي حقّك، وآنس وحدتك، وأرفع عنك وحشتك، فاذا نفخ في الصّور ظلّلتُ في عرصة القيامة على رأسِك، فافرح فانّك لن تعدم الخير أبداً. وَصِفَة هـذه الصّلاة: أن يصوم أوّل خميس من رجب، ثمّ يصلّي بين صلاتي المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة يفصل بين كلّ ركعتين بتسليمة، يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب مرّة وَانّا أَنْزَلْناهُ ثلاث مرّات وقُلْ هُوَ اللهُ أحَدٌ اثنتي عشرة مرّة، فاذا فرغ من صَلاته قال سبعين مرّة: “اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد النَّبِيِّ الاْمِّيِّ وَعَلى آلِهِ”، ثمّ يسجد ويقول في سجوده سبعين مرّة: “سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوحِ” ثمّ يسأل حاجته فانّها تقضى ان شاء الله.السابع عشر: من المندوب في شهر رجب زيارة الامام الرّضا عليه السلام، ولها في هذا الشّهر مزيّة كما انّ للعمرة ايضاً في هذا الشّهر فضل، وروي انّها تالية الحجّ في الثّواب، وروى انّ عليّ بن الحسين عليه السلام كان قد اعتمر في رجب، فكان يُصلّي عند الكعبة ويسجد ليله ونهاره، وكان يُسمع منه وهُو في السّجود: “عَظُمَ الذَّنْبُ مِنْ عَبْدِكَ فَلْيَحْسُنِ الْعَفْوُ مِنْ عِنْدِكَ”.
وعن التفسير المبين للشيخ محمد جواد مغنية: قوله تعالى “اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ” (التوبة 80) “اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ” (التوبة 80) سبعين مرة كناية عن الكثرة، وما زال العرب يبالغون بالسبعة والسبعين. وقال قائل: ان اللَّه سبحانه ترك الخيار للتنبيه في أن يستغفر للمنافقين أو لا يستغفر لهم لأن (أو) في الآية للتخيير بزعمه. وهذا اشتباه، فإن قوله تعالى: “فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ” دليل قاطع على أنه لا سبيل لهم إلى العفو والمغفرة. وعليه تكون ( أو ) للتسوية.. وفي رواية ان اللَّه سبحانه حين أنزل في المنافقين “الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ” طلبوا من النبي أن يستغفر لهم، فأنزل اللَّه عليه “اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ” (التوبة 80). وتسأل: ان اللَّه يحب التوابين، ويغفر لهم ذنوبهم مهما عظمت، فما هو السر في قوله: “فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ” (التوبة 80)؟. وقد أجاب سبحانه عن هذا في الآية نفسها، حيث قال: “ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ” (التوبة 80). انهم اعتذروا، وطلبوا من النبي صلى الله عليه وآله ان يستغفر لهم، ولكن نفاقا ورياء، أما في واقعهم فإنهم مصرون على الكفر والعناد.. وانما يتقبل اللَّه من المتقين، لا من المنافقين الذين يقولون ما لا يفعلون.
اختلف المفسرون حول ماهي الاشهر الحرم التي يحرم فيها القتال فمنهم من حدد ثلاثة أشهر متصلة وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ومنهم من أضاف رجب ومنهم من حدد أيام من اشهر مختلفة ولكن حديث متفق عن النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم حدد الأشهر الحرم المذكورة في القران الكريم بأربعة وهي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. واذا انسلخ او خرج الاشهر الحرم فيحل القتال”فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (التوبة 5). في تفسير البيان للسيد الطباطبائي والمراد بالأشهر الحرم هي الأربعة الأشهر: أشهر السياحة التي ذكرها الله سبحانه في قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) وجعلها أجلا مضروبا للمشركين لا يتعرض فيها لحالهم وأما الأشهر الحرم المعروفة أعني ذا القعدة وذا الحجة والمحرم فإنها لا تنطبق على أذان براءة الواقع في يوم النحر عاشر ذي الحجة بوجه كما تقدمت الإشارة إليه. وعلى هذا فاللام في الأشهر الحرم للعهد الذكرى أي إذا انسلخ هذه الأشهر التي ذكرناها حرمناها للمشركين لا يتعرض لحالهم فيها فاقتلوا المشركين الخ. ويظهر بذلك ان لا وجه لحمل قوله: “فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ” (التوبة 5) على انسلاخ ذي القعدة وذي الحجة والمحرم بأن يكون انسلاخ الأربعة الأشهر بانسلاخ الأشهر الثلاثة منطبقا عليه أو يكون انسلاخ الأشهر الحرم مأخوذا على نحو الإشارة إلى انقضاء الأربعة الأشهر وان لم ينطبق الأشهر على الأشهر فان ذلك كله مما لا سبيل إليه بحسب السياق وان كان لفظ الأشهر الحرم في نفسه ظاهرا في شهور رجب وذي القعدة وذي الحجة والمحرم. ان ذو القعدة وذو الحجة ومحرم شهور متصلة ويأتي منفصلاً شهر رجب. وقوله تعالى “فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ” (التوبة 5) محقق للبراءة منهم ورفع الاحترام.