دلالات المعرفة الكونيّة في كهف أفلاطون :
ألقسم الثاني:
رسالة أفلاطون في قصة الكهف وكما أشرنا في القسم الأوّل هي؛
للبحث عن الحقيقــة و سـرّ الوجود وراء المظاهر و آلمادّيات:
وفي هذا القسم الثاني؛ سنعرض الفرق بين الواقع و المعارف
تُقدّم أسطورة الكهف كما ألمحنا في مقال سابق فتح أبواب المعرفة بدل الواقع المرّ الذي نعيشه خصوصا في بلادنا!
و هي (القصة)إحدى أشهر استعارات فلسفة أفلاطون الذي حاول بنظري فتح الآفاق أو تعريفها لنعرف الكون كله لا فقط كهف محدود نحصر فيه أنفسنا و نرفض المعرفة التي تؤدي بنا لنعيم الخلد!
كما أشرنا سابقا ؛ في الكتاب السابع من “الجمهورية” يصف أفلاطون في تلك الأسطورة؛ حالة سجناء مقيّدين في قعر كهف، لم يعرفوا منذ ولادتهم إلا الظلال المنعكسة على الجدار كحقيقة. عندما يتمكن أحد السجناء من تحرير نفسه ومغادرة الكهف، يواجه الواقع الحقيقي للعالم الخارجي، مُمثّلاً رحلة الفيلسوف في البحث عن المعرفة والحقيقة. ترمز استعارة الكهف إلى البحث عن التنوير، والتحرر من قيود الجهل، وارتقاء العقل نحو نور الحكمة.
معنى و حقيقة قصة الكهف لأفلاطون بإختصار:
هي لكشف الحقيقة المفقودة وراء ظلال الماديات ألتي صارت سبباً لتحطيم العالم و شيوع الفساد و الفوارق الطبقية ..
حيث تُعد تلك الأسطورة الأفلاطونية, من أشهر المجازات في الفلسفة الغربية, حيث يصف في كتابه “الجمهورية” مشهداً لسجناء مقيدين داخل كهف، وظهورهم للمدخل, وخلفهم نار تلقي بظلالها على جدار الكهف، فيعتقد السّجناء أن تلك الظلال هي الحقيقة الوحيدة, فيتعصون لها ولا يقبلون أي بديل.
الكهف بآلنسبة لأفلاطون هو العالم الحسّي، عالم المظاهر, والآراء تُمثل الظلال المُسقطة على الجدار,كآلأوهام التي ندركها بحواسنا, أما السجناء فيرمزون إلى أناسٍ عالقين في عالم الأوهام هذا، غافلين عن وجود حقيقة أعمق وأصدق في الوجود!.
ويرى الفيلسوف اليوناني أنه بمغادرة الكهف وتأمل ضوء الشمس، سيبدأ السّجناء برؤية الواقع بوضوح و صدق أكبر. وتمثل هذه الحركة، المتمثلة في مغادرة الكهف والصعود إلى ضوء الشمس، مسيرة الفلسفة والبحث عن المعرفة الحقيقية.
وهكذا، فإن المعنى الحقيقي لمجازة الكهف لأفلاطون كما أشرنا سابقا؛ هو كشف الحقيقة وراء الظلال، أيّ السعي إلى تجاوز المظاهر والآراء السطحية، و السعي إلى جوهر الأشياء. والفلسفة، في نظر أفلاطون، هي السبيل إلى هذا الفهم الأعمق للواقع. و ليس ديناً أو مذهباً كما قد يتوهم البعض, بل و أضيف بأن الكتب السماوية خصوصاً القرآن الكريم يتألف من نسيج فلسفي غاية في الدقة و البعد و التحليل لأجل المعرفة التي هي غاية الحياة الدنيا .. للوصول و الفوز في اليوم الآخر !
قصة الكهف أيضا : استكشاف عميق للواقع المعرفيّ ألمبهم الذي يتجاوز الواقع الملموس الذي يؤمن به البشر دون غيره!
وهي أسطورة تُعدّ من أشهر المجازات في تاريخ الفلسفة, حيث يكشف فيها آفاق لا حدود لها تجعلك إنساناً آخر يدعوك إلى التأمل في طبيعة الواقع والمعرفة؛ في طبيعة العشق المجازي و العشق الحقيقي الذي نجهله, حتى للذين يدّعون الأيمان بآلله و آلكتب السماوية و مرسلها و تفاصيلها و كما يعرضونها بآللسان من على المنابر لابسين العمائم أو بدون عمائم!؟
إنه يصف أفلاطون فيها حال مجموعة من السجناء مُقيدين داخل كهف مظلم, لكن ظهورهم إلى مدخل الكهف، فلا يرون إلّا الظلال والأوهام المنعكسة على الجدار أمامهم كواقع مبهم بالنسبة للسجناء، معتبرين الظلال هي الحقيقة الوحيدة التي يعرفونها في حياتهم و مبادئهم التي يؤمنون بها!
في أحد الأيام، تمكن أحد السجناء من تحرير نفسه من قيوده والهروب من الكهف, حيث فاجأهُ ضوء الشمس لأول مرة، فأعماه في البداية! لكنه شيئا فشيئاً بدأ يرى الواقع خارج الكهف، مدركاً أنّ الظلال كانت مجرّد وهم سَجَنَ نفسه بداخله!
هنا يدعونا أفلاطون إلى التأمل في طبيعة المعرفة والواقع بشكل صحيح, لا بتلك الصورة التي لا توصلنا لأعماق الفكر و نهاية الوجود الذي حرّم السّجناء أنفسهم للغوص فيها نتيجة عوامل منها الأقدار و الواقع و التأريخ و التربية…. إلخ.
فالسجناء يمثل هؤلاء البشر المتعلقين بأوهام العالم الحسّي، بينما يرمز السجين المُحرّر إلى الفيلسوف الذي يُحقّق المعرفة الحقيقية و واقعية الأفكار أبدي لا حدود له.
وهكذا، تُظهر لنا قصة الكهف أهمية التشكيك في المظاهر والأشكال, والبحث عن الحقيقة بالعقل الباطن للتأمل بما وراء المظاهر و المخلوقات, وتُذكّرنا أيضا؛ بأننا غالباً ما نغرق في الجّهل، غافلين عن وجود واقع أعمق وأكثر معنى و حقيقةً.
باختصار؛ أسطورة الكهف لأفلاطون هي استعارة قوية تدعونا لاستكشاف أعماق الواقع و المعرفة و العشق الحقيقي الذي يجب أن نتمسك به لا العشق المجازي عبر التساؤل حول معتقداتنا وأوهامنا للوصول إلى فهم أوسع وأكثر صدقاً للعالم.
و هذا هو المنهج الوحيد الذي يسعد العالم بمعرفة حقيقة الله لا فقط مجرد كونه وهم و (ذات) لا يجوز الخوض فيه!؟
و معرفة أسرار هذه القصة لا تُعرف إلّا تطبيق دعوة أفلاطون للتشكيك في المظاهر و السعي وراء معرفة أعمق وأصدق, و هذا المبدأ أشار له ديكارت و آخرين و إعتبروه المنطلق نحو الحقيقة, سبقه أئمتنا, عندما جاء رجل للصادق (ع) وقال له إني أشك بآلوجود, فهنّأه الأمام على شكّه, و قال له: أهنئك لأنك وقعت على الطريق الصحيح, فلا وجود للحقيقة إلا بعد الشك.
تُمثل الظلال على الجدار وهم العالم الماديّ، الذي غالبًا ما يُعمينا عن الواقع الحقيقي!
إنّ الخروج من الكهف يمثل بداية الرحلة نحو نور المعرفة، حيث يُمكننا التأمل في الأشكال النقيّة التي يمكن العيش معها بلا خطر أو أذى, و أفلاطون يؤمن بأنّ المعرفة الحقيقية لا يمكن بلوغها إلا بالعقل و نهج الفلسفة التي حرّمها علماء الدين و إعتبروه كفراً, حتى إلى عهد قريب و ربما للآن يعتبرونها فوضى و تخبط, و فقه الأحكام هي المعيار للفوز!!؟
وقد حثّنا على أهمية التشكيك في معتقداتنا وتجاوز المظاهر المادية التي تكبل عقول الناس – كآلجنس و المال و السلطة و المناصب و الكراسي لمنفعة محدودة ستنتهي بعد سنوات, لأنها تمنعنا لأداء رسالتنا التي حددّها الله بآلمعرفة, بقوله تعالى :
[ما خلقت الجن و الأنس إلا ليعبدون] .. لأن الله أساساً لا يحتاج لعبادتنا, إنّما عنى بتلك (العبادة) [المعرفة] و كما بيّناها في مقالات سابقة .. فلا سبيل لفهم حقيقيّ للعالم والوجود و حدوده و مكنوناته و أسراره إلا بآلتحرر من قيود المادة و الجّهل والوهم الذي دمّر العالم خصوصاً ساستنا و أحزابنا التي تعدّت حتى على حرمة الشهداء و الأنبياء لإنقطاعهم عن الحقيقة.
هذه الرسالة تذكير بكون المعرفة الحقيقية تتطلب الجهد والتفاني لتقودنا إلى فهم أعمق وأكثر إطمئناناً لمعرفة الله وآلوجود.
بإختصار, رسالة أفلاطون الكونية في قصة الكهف :
هي للبحث عن الحقيقة وسرّ الوجود وراء المظاهر:
فهل نحن أهلها لخوض هذه المعرفة للبدء بآلأسفار؟
وهي محطات يجب عبورها لوصول مدينة السلام:[الطلب؛ العشق؛ ألمعرفة؛ التوحيد؛ الإستغناء؛ الحيرة؛ الفقر والفناء].
و إلا سنبقى و كما أشار القرآن الخاتم في سورة المدثر/آية 45؛ […نخوض مع الخائضين], حتى نكون نسياً منسياً!
وشهدنا قصصا كثيرة عن ألخائضين وراء الدولار و المناصب بلا هدف و بلا منهج حقيقي للمعرفة و كما هو حال كل ساسة و حكومات العالم التي لا تؤمن بآلمعرفة كمقياس للحقّ فتتسبّب في نهاية مسيرتها إلى تفتيت وتقسيم و تدمير و تفتيت المجتمع إلى طبقات تُوَلّد الثورات لآخر الزمن, ليؤدي بآلناس للضلال والوهم لا الحقيقة ومعرفة سرّ الوجود!؟
تأمل قارون؛ فرعون؛ بلقيس؛ روتشفيلد؛ صدام؛ ملوك العرب و العجم, ماذا فعلوا و أخيراً ماذا حصلوا!!؟؟
و العرفاء كآلأنبياء يردّدون في الجانب المقابل منهم, هذا الألم (ألسّر) العميق, و كما لخّصه حافظ القرآن (حافظ) في قصيدته المعروفة بغزليات رقم 243 خلال بيتين في وسط القصيدة لخص المعنى, قائلاً:
[سرّ خدا كه عارف سالك به كس نكفت .. در حيرتم كه بادة فروش أز كجا شنيد؟
ساقي بيا كه عشق ندا ميكند بلند .. آن كَه قصّة ما كَفت هَم زِ ما شنيد]
سرّ الله الذي لم يُعلنه العارف السالك لأحد .. تَحيّرت من أين سمعه بائع الخمر
أيها الساقي تقدّم فآلعشق ينادي عالياً .. إن الذي أخبر قصتنا قد نقله عنا.
عزيز حميد مجيد