إيهاب مقبل
تعتبر جبال قنديل في شمال العراق منذ الحرب الأهلية الكردية 1994–1997 القاعدة الأبرز لتنظيم حزب العمال الكردستاني (PKK)، والذي يخوض صراعًا مسلحًا طويل الأمد مع تركيا. تشير التقارير إلى وجود أكثر من 300 مقاتلًا أجنبيًا مسلحًا في هذه المنطقة، بينهم قادة بارزون يشكلون العمود الفقري للقيادة السياسية والعسكرية للحزب، أبرزهم مصطفى كاراسو، مراد قرايلان، جميل بايق، ودوران كالكان. هؤلاء القادة ليسوا مجرد قيادات سياسية، بل يمتلكون خبرة طويلة في التخطيط العسكري والتنظيمي، وكانوا مسؤولين عن سلسلة من العمليات المسلحة والهجمات التي أودت بحياة مئات المدنيين والجنود. وجودهم في العراق يعكس ضعف الدولة العراقية في فرض سيادتها على شمال البلاد، ويجعل الصورة العامة للعراق أمام الخارج هشة وضعيفة في مواجهة التنظيمات المسلحة العابرة للحدود.
مصطفى كاراسو: المخطط السياسي والعسكري
ولد مصطفى كاراسو عام 1955 في ولاية سيواس التركية. عُرف باسم حركي هو حسين علي، وانخرط في الحزب منذ تأسيسه في السبعينات، حيث شغل مناصب قيادية في الجناح السياسي والعسكري. يعتبر كاراسو المخطط السياسي للمنظمة، لكنه أيضًا له دور مباشر في العمليات العسكرية، حيث أشرف على تدريبات المقاتلين الأجانب وتنظيم الهجمات عبر الحدود العراقية. قاد كاراسو عمليات مسلحة أسفرت عن هجمات على قواعد عسكرية تركية وقوافل مدنية، إضافة إلى نشاطات جمع تمويل لدعم العمليات المسلحة. علاقاته التاريخية مع إيران ساعدت الحزب في تأمين ملاذات آمنة ونقل الأسلحة، ما يعقد قدرة الحكومة العراقية على فرض سيادتها، ولاسيما أن إيران تغضّ الطرف أو تتعامل تكتيكيًا مع وجود PKK في جبال قنديل عندما يخدم ذلك مصالحها الإقليمية، بينما في أوقات أخرى تضيق عليه أو تنسّق أمنيًا ضده بشكل غير معلن لارتباط تنظيم بيجاك (PJAK) — وهو الفرع الإيراني المُصنف إرهابيًا لدى إيران — بحزب العمال الكردستاني (PKK) المُصنف إرهابيًا لدى تركيا.
مراد قرايلان: القائد الفعلي والمخطط العسكري الرئيس
ولد مراد قرايلان عام 1954 في مدينة شانلي أورفة التركية. بعد اعتقال مؤسس PKK عبد الله أوجلان، أصبح قرايلان القائد الفعلي للحزب، ومسؤولًا عن الذراع العسكري. قاد قرايلان العديد من العمليات التي استهدفت الجيش التركي والشرطة والمدنيين، بما في ذلك كمائن، تفجيرات، هجمات صاروخية، واختطاف رهائن. كما ساهم في تحويل جبال قنديل العراقية إلى قاعدة محصنة، وأشرف على شبكة اتصالات ودعم لوجستية لنقل الأسلحة والمقاتلين الأجانب، بينما صنفته وزارة الخزانة الأمريكية كتاجر مخدرات رئيسي، ومنعت المواطنين الأمريكيين من إقامة علاقات مالية وتجارية معه.
وفي تعليق له حول التطورات الأخيرة في سوريا منتصف يناير كانون الثاني الجاري 2026، صرح قرايلان أن تقدم قوات الحكومة المركزية السورية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في دير الزور والرّقة يشكل جزءًا من مؤامرة دولية تهدف إلى إفشال مسيرة عبد الله أوجلان، زعيم PKK. وأضاف أن هذا التقدم لا يهدف فقط إلى تغيير الوضع في سوريا، بل حسب زعمه، فإن الدور سيتجه لاحقًا إلى إقليم كردستان العراق أيضًا، معتبرًا أن هناك خطة إقليمية لإضعاف مكانة الأكراد في المنطقة.
حمّل قرايلان تركيا والقوى الدولية مسؤولية هذه التطورات، مدعيًا أنهم يعملون ضمن ما وصفه “مؤامرة” ضد المكاسب التي حققها الأكراد، وأنهم يستهدفون في الوقت نفسه إرادة الشعب الكردي ومكانته. وأشار إلى أن تركيا تتخذ دورًا فاعلًا في هذه العملية، متهمًا إياها بدعم الهجمات ضد المكاسب الكردية داخل سوريا. كما وجه قرايلان رسالة مباشرة للأكراد السوريين بالدعوة إلى عدم الشعور بالوحدة أو التخلي، مؤكّدًا: «سنكون معكم مهما كان الثمن، ولن تتركوا وحدكم»، وشدّد على ضرورة أن يثق الأكراد بأنفسهم وأن يتنظموا جيدًا في مواجهة ما وصفه بالتحديات القادمة.
هذه التصريحات تعكس تهديدًا مباشرًا وغير مباشر لأمن العراق، حيث يُنظر إلى الأراضي العراقية، خاصة جبال قنديل في إقليم كردستان، كمنطقة عمليات محتملة للتوسع المستقبلي للنشاط المسلح الأجنبي ضد دول الجوار، مما يزيد من هشاشة الدولة العراقية ويضعها في موقف ضعيف أمام الداخل والخارج.
جميل بايق: القيادة السياسية والتنسيقية
ولد جميل بايق عام 1955 في مدينة إلازيغ التركية. يشغل منصب الرئيس المشارك للمجلس التنفيذي لاتحاد مجتمعات كردستان (KCK)، ويشرف على الجانب السياسي لـPKK. ينسق بايق العلاقات مع الفصائل الكردية في العراق وسوريا، ويشرف على التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى للحزب. تحت قيادته، نفذت المنظمة عمليات اختطاف موظفين حكوميين وأفراد عسكريين، وتم تهريب الأسلحة لدعم العمليات العسكرية. وجوده في العراق يعكس تأثير الحزب على السياسة المحلية ويجعل السلطة المركزية في بغداد أقل قدرة على ضبط الأوضاع شمال البلاد.
دوران كالكان: الخبرة العسكرية والإدارية
ولد دوران كالكان عام 1954 في محافظة أضنة التركية، ويعرف باسم صلاح الدين عباس. يمتاز كالكان بخبرته العسكرية الطويلة وإدارة الموارد اللوجستية، حيث قاد عمليات تدريب المقاتلين في العراق وسوريا وأوروبا. لعب دورًا محوريًا في تجهيز المقاتلين الأجانب بالأسلحة والذخائر، وجعل جبال قنديل قاعدة محصنة وصعبة الوصول إليها من قبل الجيش العراقي. كما ساعد في تدريب القيادات الشابة وضمان استمرار الحزب في تنفيذ عملياته المسلحة.
تأثير هؤلاء القادة على العراق
وجود هؤلاء القادة في شمال العراق له تأثير واسع وعميق على الأمن والسياسة والاقتصاد. عسكريًا، تُستخدم جبال قنديل العراقية كنقطة انطلاق لهجمات على تركيا ودول الجوار، مما يجعل المنطقة هدفًا دائمًا للغارات الجوية والعمليات العسكرية التركية، ويهدد الأمن العراقي ويؤدي أحيانًا إلى نزوح المدنيين. سياسيًا، يضع وجود PKK الحكومة العراقية والإدارة الإقليمية تحت ضغط مستمر، ويعقد جهود بغداد لتعزيز علاقاتها مع أنقرة ويثير توترات دبلوماسية مستمرة. أمنيًا، تشكل شبكات الولاء الواسعة تهديدًا للسيطرة على الحدود، وتزيد من احتمالية جذب مقاتلين أجانب جدد، مع مخاطر تصعيد التوتر العرقي والسياسي. اقتصاديًا، يؤدي النشاط العسكري للحزب إلى تعطيل المشاريع الاستثمارية والتنموية في شمال العراق، ويضر بالبنية التحتية الحيوية. إقليميًا، يمثل هؤلاء القادة جزءًا من شبكة تشمل بيجاك (PJAK) في إيران، وقسد ووحدات حماية الشعب (YPG) في سوريا، مما يجعل العراق ساحة تأثير إقليمية حساسة، ويعزز تصور الخارج بأن العراق هش وضعيف في مواجهة التنظيمات المسلحة العابرة للحدود.
التحديات أمام الحكومة العراقية
وجود هؤلاء القادة يطرح السؤال المهم: ما المطلوب من الحكومة المركزية في بغداد؟ الصمت أو التجاهل يشبه “الاختباء مثل النعامة تحت الأرض”، ويترك المجال مفتوحًا لاستمرار التهديدات. المطلوب هو اعتماد استراتيجية شاملة تجمع بين فرض سيادة الدولة، وتعزيز الأمن، ومراقبة تحركات الحزب بدقة، وتعزيز التعاون مع إقليم كردستان ودول الجوار لمنع استخدام الأراضي العراقية كقاعدة خلفية للعمليات المسلحة. كما يجب دمج البعد الاقتصادي والسياسي في الاستراتيجية لضمان التنمية والاستقرار، وتقليل قدرة الحزب على جذب مؤيدين جدد.
خاتمة
وجود أكثر من 300 مقاتلًا أجنبيًا من PKK في جبال قنديل العراقية، وأبرزهم القادة الأربعة، يشكل تهديدًا مركبًا للعراق على جميع الأصعدة العسكرية والسياسية والأمنية والاقتصادية والإقليمية. تصريحات مراد قرايلان الأخيرة تؤكد أن الحزب يراقب العراق كمنطقة عمليات محتملة، ما يجعل الدولة تبدو هشة أمام الخارج وعاجزة عن فرض سيادتها في الشمال. الحكومة العراقية أمام خيار حاسم: إما المواجهة المخططة بعناية لضمان الأمن والسيادة، أو الاستمرار في سياسة الصمت والمراوغة، ما سيترك المنطقة في حالة تهديد دائم.
المراجع
https://ankahaber.net/haber/detay/murat_karayilan%C2%A0suriye_kurtlerini%C2%A0yalniz_birakmayacagiz_sira_ikbyye_de_gelecek_287158
https://en.wikipedia.org/wiki/Mustafa_Karasu#cite_note-8
https://tr.wikipedia.org/wiki/Murat_Karay%C4%B1lan
https://tr.wikipedia.org/wiki/Cemil_Bay%C4%B1k
https://en.wikipedia.org/wiki/Duran_Kalkan
انتهى