بين المقهى والدولة: الكذب والمبالغة والدعاية في تشكيل الوعي العراقي

رياض سعد

معظمُنا لم يتخلّص من عاهةِ المبالغةِ والكذب؛ وهو داءٌ أشرُّ هيمن على طريقةِ سردِنا للأحداث، وحديثِنا عن ذكرياتِنا.

كان روّادُ مقاهينا الشعبيّة، ولا يزالون، مشهورين ومعتادين على المبالغة والكذب والتسفيط و«الخريط»، حتى أصبحت عادةً متَّفَقًا عليها لا نخجل منها، وهي نموذجٌ صادقٌ يكشف عن ذلك كما قال البعض … ؛ ولذلك فإنّ أغلب ان لم نقل كلَّ التاريخ الشفاهي – تاريخَنا – الذي وصل إلينا، مزوَّرٌ ومزيَّفٌ ومحرَّف ومبالغ فيه .

لا يمكن فهم ظاهرة الكذب والمبالغة في المجتمع العراقي بوصفها انحرافًا أخلاقيًا فرديًا معزولًا، بل هي بنية مركّبة تشكّلت تاريخيًا داخل سياقات سياسية قمعية، واجتماعية مأزومة، ونفسية دفاعية، وأنثروبولوجية شفوية… ؛ فهذه الظاهرة لا تعتبر عادة لغوية أو سلوكية فحسب ، بل تلامس جذرًا عميقًا في طريقة إنتاج المعنى، وتداول الحقيقة، وبناء الذاكرة الجمعية.

على المستوى الأنثروبولوجي، ينتمي المجتمع العراقي، مثل أغلب مجتمعات المنطقة، إلى ثقافة شفوية بامتياز، حيث تلعب الحكاية والسرد والمجالسة دورًا محوريًا في نقل الخبرة والمعرفة… ؛  وفي هذا السياق، لا تُقاس “الحقيقة” بدقتها الواقعية بقدر ما تُقاس بقدرتها على الإقناع والإمتاع وإثبات الحضور… ؛ و المقهى الشعبي، بوصفه فضاءً سرديًا، لا ينتج الوقائع بل “نسخًا محسّنة” منها؛ إذ تتحول المبالغة إلى أداة رمزية لتعويض الإحباط، ورفع المكانة، وإعادة كتابة الذات في عالم لا يمنح الفرد اعترافًا حقيقيًا.

أما نفسيًا، فالكذب والمبالغة يعملان كآليتين دفاعيتين… ؛  فالفرد الذي عاش طويلاً تحت الخوف، والعوز، والعنف، يجد في الكذب مساحة آمنة لإعادة ترتيب الواقع بما تحتمله النفس… .

 إنّ تضخيم الإنجاز، أو اختلاق البطولة، أو تزييف الذاكرة، ليست دائمًا بقصد الخداع، بل كثيرًا ما تكون محاولة لاواعية لترميم الذات المكسورة… ؛  ومع الزمن، يتحول هذا السلوك الدفاعي إلى عادة، ثم إلى “طبيعة ثانية” لا تُستشعر بوصفها خللًا.

اجتماعيًا، تتغذّى الظاهرة عبر التواطؤ الجمعي… ؛  فحين تصبح المبالغة مقبولة، بل متوقعة، فإن الصدق نفسه يُنظر إليه على أنه سذاجة أو ضعف… ؛  هنا لا يعود الكذب فعلاً فرديًا، بل عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب: الجميع يعلم، والجميع يشارك، والجميع يغضّ الطرف… ؛ وكأنها “عادة متفق عليها لا نخجل منها”، أي أنها خرجت من دائرة الذنب إلى دائرة التطبيع.

سياسيًا، تبلغ الظاهرة ذروتها مع الدعاية… ؛  فالدولة العراقية، عبر مراحلها المختلفة، لم تكن ناقلًا محايدًا للحقيقة، بل منتجًا محترفًا للكذب المنظّم… ؛  من تمجيد السلطة، إلى تزوير الوقائع، إلى إعادة كتابة الهزائم بوصفها انتصارات … ؛ تعلّم الفرد، منذ وقت مبكر، أن الحقيقة خطر، وأن النجاة تكمن في الرواية الرسمية أو في رواية بديلة لا تقل زيفًا… ؛  وهكذا، تشرّب المجتمع منطق الدعاية: تكرار الكذبة، تغليفها بالعاطفة، وإلباسها لبوس القداسة أو الوطنية.

في هذا السياق، يصبح التاريخ نفسه ساحة كبرى للكذب… ؛  فالتاريخ الذي وصل إلينا – في اغلبه – ليس سجلًا للوقائع، بل أرشيفًا للغلبة، والرقابة، والانتقاء… ؛  فكل سلطة أعادت سرد الماضي بما يخدم حاضرها، وكل جيل ورث هذا السرد المشوَّه وأضاف إليه مبالغاته الخاصة… ؛ وبهذا، لم نرث تاريخًا، بل طبقات من التأويلات الزائفة التي يصعب تفكيكها دون صدمة معرفية مؤلمة.

إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في الكذب ذاته، بل في تحطيم الثقة بالحقيقة… ؛  فعندما يصبح كل شيء قابلًا للتزوير، يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية والمعرفية، ويتحول الشك من أداة نقدية صحية إلى عدميّة شاملة… ؛  وهنا تفشل السياسة، ويتآكل التضامن الاجتماعي، ويضيع الفرد بين روايات متصارعة لا يثق بأيٍّ منها.

خلاصة القول، إن الكذب والمبالغة في المجتمع العراقي ليستا مجرد “عيب سلوكي”، بل نتاج تاريخ طويل من القمع، والفقد، والدعاية، والثقافة الشفوية غير المنضبطة… ؛  ومواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ بالمواعظ الأخلاقية، بل بإعادة الاعتبار للحقيقة: في التعليم، والإعلام، وكتابة التاريخ، وفي الجرأة على الاعتراف كما هو، لا كما نحب أن يكون… ؛  فالمجتمع الذي لا يصالح نفسه مع الحقيقة، محكوم بأن يكرر أكاذيبه إلى ما لا نهاية.