رياض سعد
متحف الأعمار المكسورة: تأملات في جسدٍ يتقدّم وروحٍ تتأخر
لم يكن العمر خطًّا مستقيمًا كما أوهمونا في دفاتر المدرسة…
كان متاهة…
ممرات تتقاطع، مرايا تتكاثر، وساعات تذوب على الجدران مثل شمعٍ حزين…
نولد ونحن نحمل في جيوبنا ربيعًا صغيرًا، هشًّا، سريع الذبول…
نعتقد أنه دائم، فنبدّده بضحكاتٍ عالية، بأحلامٍ غير مدروسة، وبثقة عمياء في الغد…
ثم، ذات صباح بلا تاريخ، نكتشف أن الزمن لم يكن يسير معنا… ؛ بل كان يأكلنا…!!
المرآة أول من يخون…
تُعيد إلينا وجهًا لا يشبه صور ذاكرتنا…
عينان أثقلهما السهر الوجودي،
خطوط دقيقة حول الفم تشبه أقواسًا رسمتها خيبات قديمة،
وجبهة صارت أرشيفًا سريًا للأفكار التي لم تُقل…
من هنا يبدأ القلق…
ليس قلق الموت، بل قلق التناقص…
ذلك الإحساس الغامض بأنك نسخة أقلّ من نفسك السابقة،
أن شيئًا ما يُسحب منك كل يوم دون إيصال…
في التحليل النفسي، يسمّون هذا: صدمة الزمن.
لحظة وعي فجائي بأن الجسد آلة محدودة الصلاحية،
وأن الهوية ليست ثابتة،
بل مشروعًا يتآكل.
في هذه اللحظة، ينقسم الناس إلى ثلاث فئات:
فئة تنسحب إلى الداخل،
تغلق أبوابها النفسية،
تكتفي بالمراقبة،
تتحوّل إلى أرشيف حيّ للذكريات،
تشيخ بصمت، وتمارس الحداد على ذاتها السابقة.
وفئة تتمرّد.
ترتدي ملابس أصغر من عمرها،
تضحك بصوت أعلى مما ينبغي،
تستعير لغة الشباب،
وتعلن حربًا يائسة على الساعة.
هذا ليس حبًا للحياة كما يدّعون،
بل ذعرًا من الزوال.
إنه إنكار وجودي،
محاولة لتجميد الزمن عبر الجسد،
كما لو أن تغيير المظهر يمكنه إيقاف الفيزياء.
وفئة ثالثة — نادرة — تتصالح.
تجلس مع خريفها كما يجلس الناس مع ضيف ثقيل الظل،
تستمع إلى حكايته،
وتعيد ترتيب علاقتها بالمعنى.
هذه الفئة تفهم أن القيمة لم تكن يومًا في الشباب،
بل في الوعي.
اجتماعيًا، نحن نعيش في ثقافة تمجّد البدايات وتخجل من النهايات…
نحتفل بالمواليد،
نصفّق للناجحين في العشرينات،
ونترك كبار السن على هامش الصورة.
نصنع مجتمعًا يخاف الشيخوخة لأنه يرى فيها مرآته المؤجلة.
لذلك، حين يشيخ الفرد، لا يواجه عمره فقط،
بل يواجه نظرة جماعية تعتبره فائضًا عن الحاجة…!!
ومن هنا يولد التصرّف الطفولي عند بعض كبار السن:
ليس ضعفًا،
بل محاولة للبقاء مرئيًا.
أما داخليًا، فالسقوط يحدث على مراحل.
تسقط صداقات كأوراق صفراء.
تتآكل الرغبات.
تبهت الطموحات.
يتحوّل الجسد إلى خريطة آلام صغيرة.
كل سقوط يترك فراغًا.
حتى تصبح الروح بيتًا واسعًا بأثاث أقل.
ثم تبقى ورقة واحدة…
نبض القلب.
معلّقة بخيط غير مرئي.
عندما تسقط، لا يحدث انفجار،
بل صمت.
صمت كثيف،
يشبه نهاية عرض مسرحي حضره الكون وحده.
الإنسان لا يموت دفعة واحدة.
يموت بالتدريج.
يموت حين يفقد شغفه،
حين تصبح أيامه متشابهة،
حين يتوقف عن طرح الأسئلة.
والمأساة الكبرى ليست الشيخوخة،
بل أن نعيش دون أن نفهم لماذا عشنا.
في النهاية، لسنا سوى تجارب عابرة للزمن.
ظلال تمشي على جدار الوجود.
محاولات مؤقتة للمعنى.
والحكمة الوحيدة الممكنة:
أن نحب كل فصل كما هو،
أن لا نطلب من الربيع أن يعود،
ولا من الخريف أن يعتذر.
أن نفهم أن العمر ليس ما نعدّه بالسنوات،
بل ما نملؤه بالوعي.