د. فاضل حسن شريف
عن تفسير مجمع البيان للشيخ الطبرسي: قوله تعالى “وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ” (الأنعام 70) تبسل فعل، أُبْسِلُوا: أُبْسِلُ فعل، وا ضمير. تعدل فعل، عدل اسم، ثم عاد تعالى إلى وصف من تقدم ذكرهم من الكفار، فقال: “وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا” أي: دعهم وأعرض عنهم، وإنما أراد به إعراض إنكار، لأنه قال بعد ذلك وذكر: يريد دع ملاطفتهم ومجالستهم، ولا تدع مذاكرتهم ودعوتهم، ونظيره في سورة النساء: “فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ” (النساء 63). “وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا” (الأنعام 70) يعني به: اغتروا بحياتهم “وَذَكِّرْ بِهِ” أي: عظ بالقرآن. وقيل: بيوم الدين. وقيل: بالحساب “أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ” أي: لكي لا تسلم نفس للهلكة بما كسبت أي: بما عملت، عن الحسن، ومجاهد، والسدي، واختاره الجبائي، والفراء. وقيل: إن معنى تبسل: تهلك، عن ابن عباس. وقيل: تحبس، عن قتادة. وقيل: تؤخذ، عن ابن زيد. وقيل: تسلم إلى خزنة جهنم، عن عطية العوفي. وقيل: تجازى عن الأخفش “لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ” أي: ناصر ينجيها من العذاب “وَلَا شَفِيعٌ” يشفع لها “وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ” (الأنعام 70) وإن تفد كل فداء “لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا” (الأنعام 70) وقيل: معناه وإن تقسط كل قسط في ذلك اليوم، لا يقبل منها، لأن التوبة هناك غير مقبولة، وإنما تقبل في الدنيا “أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا” (الأنعام 70) أي: أهلكوا. وقيل: أسلموا للهلكة، فلا مخلص لهم. وقيل: ارتهنوا. وقيل: جوزوا “بِمَا كَسَبُوا” أي: بكسبهم وعملهم “لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ” أي: ماء مغلي حار “وَعَذَابٌ أَلِيمٌ” مؤلم “بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ” (الأنعام 70) أي: بكفرهم يريد جزاء على كفرهم. واختلف في الآية فقيل هي منسوخة بآية السيف، عن قتادة. وقيل: ليست بمنسوخة، وإنما هي تهديد ووعيد، عن مجاهد، وغيره. وفيها دلالة على الوعيد العظيم لمن كانت هذه سبيله من الاستهزاء بالقرآن، وبآيات الله، وتحذير عن سلوك طريقتهم. وقال الفراء: ما من أمة إلا ولهم عيد يلعبون فيه ويلهون، إلا أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن أعيادهم صلاة، ودعاء، وعبادة.
جاء في تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: قوله تعالى “وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ” وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا ” أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ” لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ” (الأنعام 70) “وذر” أترك “الذين اتخذوا دينهم” الذي كلفوه “لعبا ولهوا” باستهزائهم به “وغرتهم الحياة الدنيا” فلا تتعرض لهم وهذا قبل الأمر بالقتال “وذكِّر” عظ “به” بالقرآن الناس لـ “أن” لا “تُبسل نفس” تسلم إلى الهلاك “بما كسبت” عملت “ليس لها من دون الله” أي غيره “ولي” ناصر “ولا شفيع” يمنع عنها العذاب، “وإن تعدل كل عدل” تفد كل فداء “لا يؤخذ منها” ما تفدي به “أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم” ماء بالغ نهاية الحرارة “وعذاب أليم” مؤلم “بما كانوا يكفرون” بكفرهم.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى “وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ” (الأنعام 70) على كل حال فالآية لا تخص الكفار وحدهم، بل هي تشمل جميع الذين يتخذون من الأحكام الإلهية ومن المقدسات وسائل للتلهي وملء الفراغ وبلوغ الأهداف المادية الشخصية، أولئك الذين يجعلون الدين آلة الدنيا، والأحكام الإلهية العوبة أغراضهم الخاصّة. ثمّ يؤمر الرّسول الله صلَّ الله عليه وآله وسلم أن ينبّههم إلى أعمالهم هذه وإلى أنّ هناك يوما لا بدّ لهم أن يستسلموا فيه لنتائج أعمالهم ولن يجدوا من ذلك مفرا: “وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ”. (البسل) هو حفظ الشيء ومنعه بالقوة والقهر، والإبسال حمل المرء على التسليم، كما تطلق الكلمة على الحرمان من الثواب، أو أخذ الرهائن، والجيش الباسل بمعنى القاهر الذي يحمل العدو على التسليم، والمعنى في الآية هو تسليم المرء وخضوعه لأعماله السيئة. يوم لا شفيع ينفع ولا ولي سوى الله: “لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ” (الأنعام 70). إنّهم يومئذ في حال صعبة مؤلمة يرزحون في قيود أعمالهم بحيث إنّهم يرتضون أن يدفعوا أية غرامة (إن كان عندهم ما يدفعونه) ولكنّها لن تقبل منهم: “وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها”. (العدل) بمعنى (المعادل) وهو ما يدفع جزاء وغرامة لقاء التحرر، وهو أشبه في الواقع بما يفتدى به. ذلك لأنّهم يكونون بين مخالب أعمالهم، ولا فدية تنجيهم، ولا توبة تنفعهم بعد أن فات الأوان: “أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا”. (الأنعام 70) ثمّ يشار إلى جانب ممّا سيصيبهم من العذاب الأليم بسبب إعراضهم عن الحق والحقيقة: “لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ”. إنّهم يتعذّبون بالماء الحريق من الداخل، ويكتوون بنار الجحيم. يجدر الانتباه هنا إلى أن جملة “أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا” هي بمثابة السبب الذي يمنع من قبول الغرامة ومن قبول أي شفيع وولي، أي أن عقابهم ليس لعلة خارجية بحيث يمكن دفعها بشكل من الأشكال، بل ينبع من داخل الذات وسلوكها وأعمالها، إنّهم أسرى أعمالهم القبيحة، لذلك لا مفر لهم، لأنّ فرار المرء من أعماله وآثارها إنّما هو فرار من ذاته، وهو غير ممكن. غير أنّنا لا بدّ أن نعلم أنّ هذه الحالة من الشدّة والصعوبة وانعدام طريق العودة ورفض الشفاعة إنّما تكون بحق الذين أصروا على كفرهم واستمروا عليه، كما يتبيّن من عبارة: “بِما كانُوا يَكْفُرُونَ” (الفعل المضارع يفيد الاستمرارية).
وردت كلمة أبسل ومشتقاتها في القرآن الكريم: تُبْسَلَ، أُبْسِلُوا. جاء في معاني القرآن الكريم: بسل البسل: ضم الشيء ومنعه، ولتضمنه لمعنى الضم استعير لتقطيب الوجه، فقيل: هو باسل ومبتسل الوجه، ولتضمنه لمعنى المنع قيل للمحرم والمرتهن: بسل، وقوله تعالى: “وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت” (الأنعام 70) أي: تحرم الثواب، والفرق بين الحرام والبسل أن الحرام عام فيما كان ممنواعا منه بالحكم والقهر، والبسل هو الممنوع منه بالقهر، قال عز وجل: “أولئك الذين أبسلو بما كسبوا” (الأنعام 70) أي: حرموا الثواب، وفسر بالارتهان لقوله: “كل نفس بما كسبت رهينة” (المدثر 38).