حين يتحول الوجع إلى فاتورة
بقلم : مهند سري
في اللحظة التي يخبرك فيها الطبيب بأنك بحاجة إلى عملية جراحية، لا يكون الخوف من المشرط هو أول ما يتسلل إلى القلب، بل رقمٌ يتقدم على كل شيء: كم ستكلّف؟ هكذا، وبهدوء قاسٍ، يتحول الألم من شأنٍ صحي إلى همٍّ مادي، وتصبح الفاتورة أعلى صوتاً من نبض الحياة نفسها.
يسأل المريض قبل أن يسأل عن نسبة النجاح: كم أدفع؟ وكأن البقاء مشروط بقدرة الجيب، لا بإرادة الشفاء.
لم يعد الإنسان في واقعنا المعاصر سوى رقم في معادلة اقتصادية؛ إن امتلك المال عاش، وإن ضاق به الحال صار العيش نفسه رفاهية بعيدة.
تتسع الفجوة بين من “يعيشون زين” ومن “زين عايشين”؛ فالأولون يملكون خيار العلاج والغذاء الجيد والدواء المستورد، والآخرون يملكون الدعاء وتأجيل المواعيد الطبية أملاً بانفراجة لا تأتي.
السؤال القديم يتجدد بإلحاح: أيهما أفضل، الصحة أم المال؟ كان الجواب في الأمثال الشعبية واضحاً: الصحة تاج على رؤوس الأصحاء. لكن هذا التاج اليوم يُباع ويُشترى. في زمن “اشترِ صحتك بالمال”، لم تعد القناعة وحدها تكفي. فمتطلبات العيش الصحي – من غذاء متوازن إلى فحوصات دورية وعلاجات متخصصة – تحتاج إلى قدرة شرائية توازي الحاجة البيولوجية. الصحة لم تعد مجرد نعمة، بل مشروعاً مالياً مستمراً.
يحكي أحد المتقاعدين أنه زار طبيباً مشهوراً، فكتب له قائمة طويلة من الأطعمة: سمك طازج، صدور دجاج، مكسرات، خضروات عضوية. خرج الرجل متحسراً وهو يقول: “هذا لا يفهم شيئاً… راتبي التقاعدي لا يصمد أياماً معدودات حتى مع الفلافل”. بين نصيحة الطبيب وواقع الدخل، تتكشف فجوة لا يسدّها وعي صحي ولا إرادة شخصية. فكيف يُطلب من إنسان أن يتبع حمية مثالية، وهو يحسب ثمن الخبز قبل أن يحسب السعرات الحرارية؟
إن المشكلة لا تكمن في سؤال الصحة أم المال، بل في اختلال العلاقة بينهما. المال ينبغي أن يكون وسيلة لحفظ الكرامة الإنسانية، لا شرطاً للنجاة. حين يصبح العلاج امتيازاً لا حقاً، ويتحوّل المرض إلى اختبار للقدرة المالية، فإن المجتمع بأسره مريض، لا أفراده فقط.
قد لا نملك تغيير المعادلات الاقتصادية الكبرى، لكننا نملك إعادة طرح السؤال بشكل أعمق: كيف نجعل الصحة حقاً مكفولاً لا سلعةً معروضة؟ وكيف نعيد للإنسان قيمته قبل أن يتحول إلى رقم في كشف حساب؟
بين الألم والفاتورة، تقف إنسانيتنا على المحك. فإذا كان الجسد يضعف بالمرض، فإن المجتمعات تضعف حين تساوي بين حياة الإنسان ورصيد بطاقته المصرفية.