سحر الحضور كيف تتقن فن (الإتيكيت) دون تكلف

​بقلم: الكاتب حسين شكران العقيلي
​يعتقد الكثيرون خطأً أن الإتيكيت مجرد مجموعة من القيود الصارمة أو الحركات الآلية التي تُمارس خلف الطاولات الرسمية وفي المحافل الدبلوماسية، لكن القراءة المتأنية لجوهر السلوك الإنساني تكشف لنا أن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. إن (سحر الحضور) لا ينبع من حفظ نوع الشوكة المستخدمة أو زاوية الانحناء، بل من تلك الهالة غير المرئية التي يتركها المرء وراءه؛ إنه المزيج السحري بين الرقي العفوي والتقدير الصادق للآخرين، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا يمتلك البعض قدرةً عجيبة على أسر القلوب بمجرد دخولهم إلى قاعة، بينما يظل البعض الآخر خافتاً رغم كل محاولات لفت الانتباه؟
​إن الإشكالية الكبرى التي تواجه مفهوم الإتيكيت في وعينا المعاصر هي حصره في زاوية ضيقة من القواعد الجامدة، مما حوّله في نظر الكثيرين إلى عبء ثقيل يتنافى مع البساطة. بيد أن الإتيكيت في جوهره ليس إلا (دستوراً للجمال الأخلاقي) ، وهدفه الأسمى هو توفير الراحة النفسية للمحيطين بنا قبل الذات. فعندما يتصرف المرء برقي، هو لا يقدم استعراضاً لمهاراته الاجتماعية، بل يمنح مَن حوله رسالة صامتة مفادها: (أنت محترم ومقدر في حضوري) .
في عالمنا المتسارع، لم يعد الإتيكيت (رفاهية) اجتماعية، بل أصبح لغة ذكية للتواصل تعكس ثقة الشخص بنفسه دون غرور، وتهذيبه العالي دون ضعف.
​وهنا يبرز التحدي الحقيقي في كيفية الوصول إلى هذه المرحلة من الأناقة السلوكية دون السقوط في فخ التصنع أو فقدان الهوية الشخصية. يبدأ الأمر بالوعي بالذات؛ فالحضور الساحر ينبع من الداخل أولاً، والشخص الذي يتقن الإتيكيت بصدق هو ذلك الذي لا تتغير مبادئه السلوكية بتغير المكان أو الأشخاص. هذا الثبات هو ما يخلق حالة (العفوية المنضبط) ، حيث تتحول القواعد من نصوص محفوظة إلى عادات تسكن التفاصيل اليومية، يمارسها الإنسان بتلقائية كما يتنفس، مما يمنحه مظهراً يوحي بأنه وُلد بهذا الرقي الفطري.
​ولو حللنا لغة الجسد كركيزة أساسية لهذا السحر، لوجدنا أن السر يكمن في (الاتزان النفسي والحركي) . فالمبالغة في الابتسامه قد تبدو نفاقاً اجتماعيًا، والمبالغة في الرسميات قد تبدو غطرسة باردة. الحضور الحقيقي هو القدرة على خلق توازن دقيق بين الهيبة واللطف. إنها تلك النظرة التي تمنح الطرف الآخر الاهتمام الكامل، والإصغاء الذي يتجاوز سماع الكلمات إلى استيعاب المشاعر. ففي بروتوكول التعامل الإنساني، يُعد (الإنصات) أرقى أنواع الإتيكيت، فمن خلاله نمنح الآخر أغلى ما نملك: وقتنا وتركيزنا الذهني.
​علاوة على ذلك، فإن الرقي الحديث يتطلب ذكاءً متقدًا في التعامل مع متغيرات العصر، خاصة في ظل الانفتاح الرقمي الذي نعيشه. فلم يعد الإتيكيت مقتصرًا على المجالس المادية، بل امتد ليكون سلوكاً يحكم كلماتنا خلف الشاشات ومراعاتنا لخصوصيات الآخرين وأوقاتهم. إن القدرة على الاعتذار بلياقة، ورفض الطلبات بلطف لا يجرح، والثناء بصدق بعيداً عن الملق، هي الأدوات الحقيقية التي تبني (الكاريزما) وتجعل من الشخص مرجعاً في التعامل الراقي.
​ختاماً، إن فن الإتيكيت ليس (قناعاً) نرتديه في المناسبات لخلعه لاحقاً، بل هو “مرآة” تعكس نقاء الروح وترفع من قيمة التفاعل البشري. إن الحضور الذي يتركه الإنسان وراءه لا يُقاس بما قاله أو بما ارتداه، بل بالأثر الجميل الذي وضعه في نفوس الآخرين. وعندما نصل إلى مرحلة يكون فيها رقينا نابعاً من تقديرنا لذواتنا وللإنسانية جمعاء، عندها فقط نتقن فن الإتيكيت دون أن نبذل أدنى مجهود، ليتحول حضورنا إلى سحر يفرض نفسه بسلام وهدوء وتواضع جميل.