بقلم: حسين شكران العقيلي
تنساب الأيام من بين أصابع الإنسان كحبات الرمل، وفي غمرة الانشغال بتفاصيل العيش وبناء القلاع الورقية في دار الفناء، يغلف القلب غشاءٌ رقيق من الذهول يُدعى (الغفلة) . هذه الغفلة ليست جهلاً بالمعلومات، بل هي تعطيل للمشاعر الحقيقية تجاه جوهر الوجود، حيث يعيش المرء في حالة من التخدير اللذيذ الذي تفرضه العادة والتكرار، فيظن أن الحاضر أبدي، وأن المتعة غاية، وأن الموت مجرد خبر يخص الآخرين ولا يمسه في قريب أو بعيد.
إن لحظة الانتباه التي نتحدث عنها لا تأتي عادةً بقرار ذهني بارد، بل هي مخاضٌ روحي عسير يمر به الكيان الإنساني حين تصطدم أوهامه بجدار الحقيقة الصلب.
تبدأ هذه الرحلة عندما تخرق (رسائل السماء) جدار الصمت المحيط بالروح؛ وهي رسائل لا تأتي في مظاريف ورقية، بل في صورٍ من التجليات الكونية والقدرية. قد تكون الرسالة (فقدانًا) مفاجئًا يزلزل أركان الطمأنينة المزيفة، فيقف الإنسان أمام مرآة روحه عارياً من كل الألقاب والممتلكات، متسائلاً عن جدوى الركض الطويل خلف سراب لم يروِ عطش قلبه يوماً. في تلك اللحظة تحديداً، يبدأ موعد الاستبصار، حيث ينقشع ضباب الدنيا لتظهر الحقائق بأحجامها الحقيقية، فيصغر في عين المرء ما كان يعظمه من حطام، ويعظم في قلبه ما كان يهمله من معانٍ إيمانية وقيم باقية.
والتحليل العميق لهذه الحالة يكشف لنا أن الاستبصار ليس مجرد ومضة وتنتهي، بل هو تحول جوهري في (رؤية) الأشياء. فالغافل يرى النعمة حقاً مكتسباً، بينما يراها المستبصر فضلاً يستوجب الحياء من المنعم. الغافل يرى الابتلاء ظلماً أو حظاً عاثراً، بينما يقرأه اليقِظ رسالة حبٍ إلهية تهدف إلى رده إلى جادة الصواب. إنها عملية إعادة ضبط للبوصلة الداخلية التي انحرفت بفعل مغناطيس الشهوات وضجيج الحياة الرقمية والمادية المعاصرة. هذا الانتقال من (الرؤية بالعين) إلى (البصيرة بالقلب) هو الجسر الذي يعبره الإنسان من ضيق الغفلة إلى رحابة الوعي الروحي، حيث يصبح كل تفصيل في الكون، من شروق شمس إلى زفرة ألم، محطةً للتفكر والاتصال بخالقه.
وعلى مر التاريخ الإنساني، نجد أن أعظم التحولات الروحية ولدت من رحم المعاناة أو لحظات الصدق المطلق مع الذات. فالإنسان حين يدرك ضعف بنيته أمام مرضٍ عابر، أو يقف مشدوهاً أمام اتساع السماء في ليلة صافية، يجد نفسه مدفوعاً بفضول فطري للبحث عن) (المعنى) هنا يكمن سر الاستيقاظ؛ إنه الاستسلام الواعي لفكرة أننا عابرون، وأن القيمة الحقيقة لا تكمن فيما نجمعه، بل في الأثر الذي نتركه وفي درجة القرب من المنبع الأول لكل جمال ونور. إن الاستبصار هو استرداد الوعي المخطوف من قبضة العادات الرتيبة، والبدء في عيش الحياة بقلبٍ (حاضر) ، يراقب أنفاسه، ويزن خطواته بميزان الآخرة، مدركاً أن الدنيا ما هي إلا قنطرة، والذكي هو من يعبرها بوعي المسافر لا بذهول المستوطن.
ختاماً، إن موعد الاستبصار هو رزقٌ سيق إليك في هذه اللحظة، فكل حرفٍ يطرق باب وعيك هو محاولة سماوية لانتشالك من سباتك. ليس المهم متى بدأت الغفلة، بل المهم متى ستقرر أن تفتح عين قلبك لترى النور الذي يملأ الأفق. فاليقظة الحقيقية تبدأ بوقفة شجاعة أمام النفس، وإعلان التوبة عن التشتت، والعودة إلى رحاب السكينة التي لا توجد إلا في كنف الاستسلام لله والرضا بمراده، ليعيش الإنسان بقية عمره بصيرًا، يرى بقلبه ما تعجز عن إدراكه الأبصار.