بقلم: الأستاذ حسين شكران العقيلي
لم يعد مفهوم التقاعد في العصر الحديث مجرد محطة للاستراحة بعد عقود من البذل والعطاء، بل استحال إلى قضية استراتيجية شائكة تتقاطع فيها التوازنات المالية للدول مع الحقوق الإنسانية للأفراد. وفي ظل المشهد الاقتصادي العالمي الراهن، الذي يعاني من اهتزازات بنيوية وأزمات تضخمية عابرة للحدود، باتت “مكافأة العمر” تواجه اختباراً مصيرياً أمام “غول” الأسعار الذي لا يتوقف عن التهام القيمة الشرائية للعملات، مما يضع المتقاعد في عين العاصفة بين دخل ثابت ومتطلبات معيشية متسارعة النمو.
إن القراءة التحليلية لواقع المتقاعدين اليوم تكشف عن خلل بنيوي في العلاقة بين المعاش التقاعدي ومؤشرات التضخم. فبينما تُصمم أنظمة التقاعد بناءً على دراسات اكتوارية تفترض استقراراً نسبياً في الأسعار، جاءت التحولات الجيوسياسية والاقتصادية الأخيرة لتقلب هذه التقديرات رأساً على عقب. فالتضخم ليس مجرد رقم إحصائي، بل هو قوة طاردة تدفع بآلاف المتقاعدين بعيداً عن منطقة الأمان المالي، حيث تآكلت المدخرات والمعاشات أمام قفزات أسعار السلع الأساسية، والرعاية الصحية التي تمثل الحصة الأكبر من إنفاق كبار السن.
إن الإشكالية لا تكمن فقط في غلاء المعيشة، بل في “جمود القوانين” التي تنظم صرف المعاشات. ففي الوقت الذي تتحرك فيه الأسواق بديناميكية لحظية، تظل الزيادات في المعاشات رهينة قرارات إدارية أو تشريعية قد تستغرق سنوات لتتحقق، مما يخلق فجوة زمنية ومالية يدفع ثمنها المتقاعد من جودة حياته وصحته. هذا التباين يفرض تساؤلاً جوهرياً حول “العدالة الاجتماعية”: هل يكفي أن نمنح المتقاعد مبلغاً رقمياً ثابتاً، أم أن الواجب الأخلاقي والاقتصادي يقتضي منح “قدرة شرائية” مكافئة للجهد الذي بذله طوال سنوات خدمته؟
وبالنظر إلى المستقبل، فإن استدامة صناديق التقاعد تتطلب ثورة في الفكر الاستثماري والإداري. لم يعد كافياً الاعتماد على الاشتراكات الجارية لتمويل المعاشات المستقبلية في ظل شيخوخة المجتمعات وارتفاع معدلات التضخم. إن الحل يكمن في خلق آليات “التحوط التلقائي”، بحيث يتم ربط المعاشات بمؤشرات تكلفة المعيشة بشكل دوري وممنهج، مع ضرورة توجه هذه الصناديق نحو استثمارات ذات عوائد حقيقية تتجاوز معدلات التضخم السائدة، لضمان عدم تبخر الثروات الوطنية المودعة في هذه الصناديق.
علاوة على ذلك، فإن حماية المتقاعد من تقلبات الاقتصاد ليست مسؤولية صناديق التقاعد وحدها، بل هي مسؤولية الدولة والمجتمع من خلال تفعيل شبكات الأمان الاجتماعي التكميلية. إن توفير خدمات صحية مجانية وشاملة، ودعم السكن، وتخفيض تكاليف الخدمات العامة لكبار السن، يمثل “معاشاً غير مباشر” يسهم بفعالية في تخفيف الضغط عن الدخل النقدي المحدود، ويحفظ لهذه الفئة كرامتها الإنسانية بعيداً عن تقلبات البورصات وأسعار الصرف.
ختاماً، إن مستقبل التقاعد هو المرآة الصادقة لقوة التماسك الاجتماعي في أي أمة. إن صمود المتقاعد أمام أزمات الغلاء ليس مجرد تحدٍ فردي، بل هو اختبار لمدى نجاعة السياسات العامة وقدرتها على الوفاء بعهودها لمن شيدوا صروح الوطن. إن الاستثمار في استقرار المتقاعدين هو استثمار في الاستقرار المجتمعي الشامل، وضمانة لأن يظل “خريف العمر” فصلاً من الكرامة والاستحقاق، لا فصلاً من المعاناة والقلق المعيشي.
مستقبل التقاعد في ظل الأزمات الاقتصادية( قراءة في مؤشرات التضخم وتكلفة المعيشة)