الكاتب؛ حسين شكران العقيلي
لم تكن الشهادة بالنسبة للسيد علي خامنئي مجرد نهاية لرحلة جسد، بل كانت الموعد الذي ضربه مع القدر منذ تلك اللحظة التي سقط فيها جريحاً في مسجد (أبو ذر) عام 1981. حينها، تطايرت شظايا الغدر لترك سمومها في جسده، لكن الله أراد له أن يبقى (شهيداً حياً) يحمل لواء أمة بأكملها، ويمضي بها وسط حقول الألغام السياسية والعسكرية لثلاثة عقود ونيف. إن المتأمل في مسيرة هذا الرجل يدرك أنها لم تكن مسيرة حاكم في برجه العاجي، بل كانت رحلة كفاح بدأت من زنزانات (اللجنة المشتركة) في عهد الشاه، حيث كان صوت تلاوته للقرآن يؤنس رفاق دربه تحت سوط الجلاد، وصولاً إلى قيادةٍ رسخت مفهوم (المقاومة) كخيار وحيد لا بديل عنه.
لقد عاش السيد الخامنئي غريباً في زهده، وقوياً في بصيرته، وكان يرى في رفاقه الذين سبقوه إلى علياء المجد مرايا تعكس شوقه الخاص. لم يكن قاسم سليماني بالنسبة له مجرد قائد لـ(فيلق القدس) بل كان ذراعه اليمين وصديق خلواته، وحين بكى عليه بصوت مسموع في صلاة الجنازة، لم يكن يبكي رحيل جندي، بل كان يرثي قطعة من روحه سبقتْه إلى المحشر.
وكذلك كان شأنه مع السيد حسن نصر الله رحمة الله ، ذلك الابن البار والظهير القوي الذي صاغ معه معادلات الردع الكبرى؛ فكان لبنان في قلب اهتمامات السيد، يرى فيه قلعة الصمود الأمامية، فمدّ يد العون للمقاومة هناك حتى غدت قوة إقليمية تُحسب لها ألف حساب، مؤمناً بأن كرامة بيروت هي من كرامة طهران والقدس.
ولم يقف مدُّه الأبوي عند حدود الشام ولبنان، بل امتدت يده الحانية وقلبه المفعم بالإيمان إلى ضفاف البحر الأحمر، حيث اليمن الأبي. فقد رأى السيد في (أولي البأس الشديد) أنصاراً يجسدون قيم الصمود التاريخي، فدعم ثباتهم وبارك صرختهم في وجه الاستكبار، معتبراً أن نهضة اليمن هي تجلٍّ لروح المستضعفين الذين يأبون الهوان. كان يرى في صمود الشعب اليمني معجزة إيمانية، فآزر مظلوميتهم بالكلمة والموقف والدعم غير المحدود، لتتشابك الأيدي من جبال مران إلى ضاحية الصمود، وصولاً إلى القدس الشريف.
الدلائل على جهاده لم تكن خافية؛ فمنذ تسلمه القيادة، واجه الرجل أعتى العواصف الدولية بصلابة هادئة. لم يتراجع خطوة واحدة عن قضية فلسطين، واعتبرها (بوصلة الأحرار) وصمد أمام حصار اقتصادي وحروب ناعمة كانت تهدف لكسر إرادة الأمة. كان يستمد قوته من يقينه بأن (الدم ينتصر على السيف) وهي القناعة التي تجسدت في كل خطاب وتوجيه. لقد كان السيد الخامنئي يدرك أن ضريبة العزة غالية، ولذلك لم يبخل بنفسه يوماً، بل كان يتحين الفرصة ليلتحق بركب القوافل التي ودعها واحدة تلو الأخرى.
وعندما حانت ساعة اللقاء المنتظر، لم يكن الموت مفاجئاً لمن عاش عمره يرتدي كفنه تحت عمامته. لقد عانقت روحه أخيراً أرواح سليماني ونصر الله، لتكتمل الحكاية التي كُتبت فصولها بالصبر، والدموع، والسهر على ثغور الأمة. رحل السيد وهو مطمئن بأن البذرة التي سقاها بجهاده الطويل قد تحولت إلى غابة من الرماح التي لا تنكسر.
ختاما نقول نم قرير العين أيها القائد الذي لم تعرف يداه إلا حمل القرآن أو قبض السلاح، فلقد تركت وراءك أمة لا تتقن فن التراجع، وجيلاً لا يقرأ إلا في كتاب الكرامة. إن رحيلك ليس غياباً، بل هو استنساخ لروحك في كل بندقية مقاوم، وفي كل صرخة مظلوم تهز عروش الطغاة. لقد طويت صفحات الكتاب بالشهادة، لتبدأ فصول الخلود في ذاكرة الزمن؛ فسلامٌ عليك يوم ولدت، ويوم لبست جراحك صابراً، ويوم ارتقيت شهيداً مخضباً بعطر اللقاء.
اللقاء المنتظر ((حين عانقت الروحُ رفاق الدرب سليماني ونصر الله))