نقاط ضعف النظام الإسرائيلي.. صواريخ من كل اتجاه تهز عرش الغطرسة

إيهاب مقبل

مع اتساع رقعة الصراع من الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إلى الردود الإقليمية، انتقل التوتر إلى الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة، حيث أطلقت حركة حزب الله اللبنانية صواريخ باتجاه شمال الكيان الصهيوني، بما في ذلك مناطق قريبة من حيفا، وتردّدت صفارات الإنذار هناك، بينما ردّت تل أبيب بغارات جوية على مواقع في بيروت وجنوب لبنان في أولى تصعيداتها المباشرة تجاه الحزب.

هذه التطورات تطرح أمام صناع القرار في تل أبيب واقعًا جديدًا لم يعتدوه، مواجهة إقليمية تُختبر فيها كل ركائز الأمن والاستقرار، من الردع الداخلي إلى الدفاع الجوي والمواقع الاستراتيجية.

انهيار صورة الردع… هل ما زالت قائمة؟
تُعد فكرة الضربة المباغتة والسيطرة المطلقة ركيزة من ركائز الاستراتيجية الإسرائيلية منذ عقود. تل أبيب لطالما تبنّت مبدأ “نضرب أولًا وبقوة، دون ردّ مؤلم”، بهدف إجبار الخصوم على الاستسلام أو التراجع. غير أن الرد الإيراني في المنطقة وردود الفعل المتسلسلة، بما في ذلك إطلاق صواريخ من لبنان على العمق الإسرائيلي، تُضعف هذا النموذج التقليدي وتكسر صورته. فالقدرة على إطلاق النار من ساحات متعددة وتحقيق تأثير ملموس، حتى لو محدودًا، باتت تجعل الجمهور الإسرائيلي يطرح السؤال الكبير: هل بدأت “إسرائيل” تتحوّل من مهاجم دائم إلى دولة تُستنزف تدريجيًا؟ وهذا ما يجعل الردع، كخطاب وأداة، أكثر هشاشة مما كان يُظن قبل أيام.

العزلة الدولية المتصاعدة… القصة الأكثر عمقًا
سياسيًا، لا تخشى تل أبيب فقط الانتقادات العادية من معارضيها، بل ارتباط الحرب الحالية بسجلها الطويل من النزاعات المتمادية يعني أن خطابها لم يعد يُستقبل كـ”ذود عن النفس” تلقائيًا في العواصم الأوروبية. تتسارع الدعوات إلى ضبط النفس، ويتصاعد القلق من أن تترسّخ صورة “إسرائيل” كطرف يُوسّع رقعة النزاع بدل كونه مدافعًا أو محاربًا للعدو. إضافة إلى ذلك، فإن أزمات مثل النزاع في غزة، والحرب المتجددة مع حزب الله في لبنان، تُسهّل على خصوم “إسرائيل في الغرب وصفها بأنها دولةً تتجاوز حدّ الدفاع إلى توسيع المواجهات”، ما يطرح صعوبات دبلوماسية تفرض نفسها تدريجيًا على الخطاب السياسي الإسرائيلي.

اهتزاز الجبهة الداخلية… عندما يدخل الخوف إلى المنازل
التجربة أثبتت أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية حسّاسة جدًا لأي اختراق، حتى لو كان محدودًا. إطلاق الصواريخ من لبنان، حتى وإن لم يحقق تأثيرات ميدانية كبيرة، يكفي لإطلاق صفارات الإنذار وإجبار المدنيين على التراجع في الملاجئ، وإعادة فتح الذاكرة الجماعية لتجارب سابقة مشابهة. هذا النوع من الضغط النفسي والاجتماعي لا يتم تفسيره فقط كحادثة عابرة، بل يُسوَّق داخليًا كخطر محتمل على حياة المدنيين ومستوى المعيشة، ما يضع القيادة أمام تتساؤلات ثقيلة حول مدى القدرة على مواصلة المواجهة، خصوصًا إذا اتسعت رقعة الاشتباك.

حرب متعددة الجبهات… الكابوس العسكري
ما يُقلق الكيان الصهيوني في هذا التصعيد ليس مجرد إطلاق بضع صواريخ من لبنان، بل إمكانية اتساع رقعة القتال إلى جبهات متعددة في الوقت نفسه. سيناريو كهذا يتضمن القتال ضد حزب الله في الشمال، بالإضافة إلى تهديدات من إيران والعراق من الشرق، واليمن من الجنوب. هذا النوع من المواجهة لا يشبه الحروب التقليدية القصيرة، بل يشير إلى احتمالية تحول الصراع إلى معارك متوازية متداخلة تتطلب موارد هائلة ووقتًا طويلاً، وقد تُرهق الدفاع الجوي والقدرات اللوجستية الإسرائيلية، خصوصًا أمام سيل صواريخ مستمر ورخيص التكلفة يفرض اعتراضًا مكلفًا.

الدفاع الجوي تحت الضغط… كمٌّ أم نوع؟
بينما أظهرت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية مثل القبة الحديدية قدرة محدودة على اعتراض الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، إلا أنها لم تُصمَّم للتعامل مع إطلاق كثيف ومتعدد المصادر للصواريخ. في سياق هجمات متعددة الاتجاهات، يصبح تشغيل منظومات الدفاع الجوي مكلفًا، إذ يضطر النظام إلى استخدام صواريخ اعتراض باهظة الثمن لمواجهة صواريخ صغيرة نسبياً، مما يزيد العبء الاقتصادي–العسكري مع مرور الوقت.

المواقع الاستراتيجية التي تُثير القلق
أكبر مخاوف الكيان الصهيوني في هذه الحرب ليست فقط في جبهات القتال، بل في المواقع الحيوية التي قد تصبح أهدافًا محتملة:

1. تل أبيب الكبرى: القلب الاقتصادي والتكنولوجي للدولة، وأي شلل فيه يعني تأثرًا واسعًا في الاقتصاد والمجتمع.

2. القواعد الجوية: وهي عماد التفوق الجوي الإسرائيلي، وأي تهديد حقيقي لها يُقيّد قدرة الكيان على الإبقاء على التفوق في السماء.

3. البنية التحتية المدنية: مثل الكهرباء والمياه والاتصالات، فهذه هي أعصاب الحياة اليومية، وأي تأثير مباشر عليها من شأنه أن يزيد الضغط النفسي والاجتماعي.

الخوف الأكبر… خسارة الاستراتيجية رغم الانتصار التكتيكي
السيناريو الأسوأ للكيان الصهيوني ليس مجرد خسارة معركة، بل أن يستعيد السيطرة تكتيكيًا بينما يخسر الاستراتيجية طويلًا. إذا لم تُسقط إيران، ولم تنتهِ الجبهات، بل امتدت إلى ساحات أخرى كـ”لبنان والعراق واليمن”، فإن تل أبيب ستدخل في حالة استنزاف طويل الأمد، يتطلب موارد بشرية ومادية ضخمة وتغير قواعد اللعبة الإقليمية. وهذا ما يبعث الرعب الحقيقي في دوائر صنع القرار، لأن كيان صغيرة مثل “إسرائيل” لا يستطيع أن يتحمل فترة طويلة من القتال متعدد الجبهات بلا نهاية واضحة.

الخلاصة
تل أبيب لا تخشى ضربة واحدة، ولا حتى جولة تصعيد منفردة. ما تخشاه حقًا هو تغيّر ميزان القوى، وامتداد زمن الحرب إلى حرب استنزاف طويلة، وتآكل التفوق العسكري والسياسي، وتحولها من طرف يفرض الإيقاع إلى طرف يُطارَد بردود متتابعة من أكثر من جهة. في هذا السياق، تبدو الخطابات الرسمية واثقة من نفسها، لكنها في الخفاء تعكس توترًا عميقًا بشأن المستقبل الذي لا يزال مفتوحًا على أكثر من احتمال، وقد يمتد تأثيره لسنوات قادمة.

انتهى